الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة سبع وستين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 327 ] 67

ثم دخلت سنة سبع وستين

ذكر مقتل ابن زياد

ولما سار إبراهيم بن الأشتر من الكوفة أسرع السير ليلقوا ابن زياد قبل أن يدخل أرض العراق ، وكان ابن زياد قد سار في عسكر عظيم من الشام ، فبلغ الموصل وملكها ، كما ذكرناه أولا ، فسار إبراهيم وخلف أرض العراق وأوغل في أرض الموصل ، وجعل على مقدمته الطفيل بن لقيط النخعي ، وكان شجاعا .

فلما دنا ابن زياد عبأ أصحابه ولم يسر إلا على تعبية واجتماع ، إلا أنه يبعث الطفيل على الطلائع حتى يبلغ نهر الخازر من بلد الموصل ، فنزل بقرية بارشيا . وأقبل ابن زياد إليه حتى نزل قريبا منهم على شاطئ الخازر .

وأرسل عمير بن الحباب السلمي ، وهو من أصحاب ابن زياد ، إلى ابن الأشتر : أن القني ، وكانت قيس كلها مضطغنة على ابن مروان وقعة مرج راهط ، وجند عبد الملك يومئذ كلب . فاجتمع عمير وابن الأشتر ، فأخبره عمير أنه على ميسرة ابن زياد ، وواعده أن ينهزم بالناس ، فقال له ابن الأشتر : ما رأيك ؟ أخندق علي وأتوقف يومين أو ثلاثة ؟ فقال عمير : لا تفعل ، وهل يريدون إلا هذا ؟ فإن المطاولة خير لهم ، وهم كثير أضعافكم ، وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة ، ولكن ناجز القوم ، فإنهم قد ملئوا منكم رعبا ، وإن هم شاموا أصحابك ، وقاتلوهم يوما بعد يوم ، ومرة بعد مرة - أنسوا بهم واجترءوا عليهم . وقال إبراهيم : الآن علمت أنك لي مناصح ، وبهذا أوصاني صاحبي . قال عمير : أطعه فإن الشيخ قد ضرسته الحرب وقاسى منها ما لم يقاسه أحد ، وإذا أصبحت فناهضهم .

وعاد عمير إلى أصحابه وأذكى ابن الأشتر حرسه ، ولم يدخل عينه غمض ، حتى إذا كان السحر الأول عبأ أصحابه ، وكتب كتائبه ، وأمر أمراءه ، فجعل سفيان بن يزيد [ ص: 328 ] الأزدي على ميمنته ، وعلي بن مالك الجشمي على ميسرته ، وهو أخو الأحوص ، وجعل عبد الرحمن بن عبد الله ، وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لأمه ، على الخيل ، وكانت خيله قليلة ، وجعل الطفيل بن لقيط على الرجالة ، وكانت رايته مع مزاحم بن مالك . فلما انفجر الفجر صلى الصبح بغلس ، ثم خرج فصف أصحابه ، وألحق كل أمير بمكانه ، ونزل إبراهيم يمشي ويحرض الناس ويمنيهم الظفر ، وسار بهم رويدا ، فأشرف على تل عظيم مشرف على القوم ، وإذا أولئك القوم لم يتحرك منهم أحد ، فأرسل عبد الله بن زهير السلولي ليأتيه بخبر القوم ، فعاد إليه وقال له : قد خرج القوم على دهش وفشل ، لقيني رجل منهم وليس له كلام إلا : يا شيعة أبي تراب ! يا شيعة المختار الكذاب ! قال : فقلت له : الذي بيننا أجل من الشتم .

وركب إبراهيم وسار على الرايات يحثهم ، ويذكر لهم فعل ابن زياد بالحسين وأصحابه وأهل بيته ، من السبي والقتل ومنع الماء ، وحرضهم على قتله .

وتقدم القوم إليه ، وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين بن نمير السكوني ، وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي ، وعلى الخيل شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري . فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة إبراهيم ، فثبت له علي بن مالك الجشمي فقتل ، ثم أخذ رايته قرة بن علي ، فقتل في رجال من أهل البأس وانهزمت الميسرة ، فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي ابن أخي حبشي بن جنادة صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستقبل المنهزمين ، فقال : إلي يا شرطة الله . فأقبل إليه أكثرهم . فقال : هذا أميركم يقاتل ابن زياد ، ارجعوا بنا إليه فرجعوا ، وإذا إبراهيم كاشف رأسه ينادي : إلي شرطة الله ، أنا ابن الأشتر ، إن خير فراركم كراركم ، ليس مسيئا من أعتب . فرجع إليه أصحابه ، وحملت ميمنة إبراهيم على ميسرة ابن زياد وهم يرجون أن ينهزم عمير بن الحباب ، كما زعم ، فقاتلهم عمير قتالا شديدا وأنف من الفرار . فلما رأى ذلك إبراهيم قال لأصحابه : اقصدوا هذا السواد الأعظم ، فوالله لو هزمناه لانجفل من ترون يمنة ويسرة انجفال طير ذعرتها . فمشى أصحابه إليهم فتطاعنوا ، ثم صاروا إلى السيوف والعمد ، فاضطربوا بها مليا ، وكان صوت الضرب بالحديد كصوت القصارين ، وكان إبراهيم يقول لصاحب رايته : انغمس برايتك فيهم . فيقول : ليس لي متقدم . فيقول : بلى . فإذا تقدم شد إبراهيم بسيفه ، فلا يضرب [ به ] رجلا إلا صرعه ، [ ص: 329 ] وكرد إبراهيم الرجالة [ من ] بين يديه كأنهم الحملان ، وحمل أصحابه حملة رجل واحد . واشتد القتال ، فانهزم أصحاب ابن زياد ، وقتل من الفريقين قتلى كثيرة .

وقيل : إن عمير بن الحباب أول من انهزم ، وإنما كان قتاله أولا تعذيرا .

فلما انهزموا قال إبراهيم : إني قد قتلت رجلا تحت راية منفردة على شاطئ نهر الخازر ، فالتمسوه ، فإني شممت منه رائحة المسك ، شرقت يداه ، وغربت رجلاه . فالتمسوه فإذا هو ابن زياد قتيلا بضربة إبراهيم فقد قدته بنصفين وسقط ، كما ذكر إبراهيم ، فأخذ رأسه وأحرقت جثته .

وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني وهو يظنه عبيد الله بن زياد ، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه ، فنادى التغلبي : اقتلوني وابن الزانية ! فقتلوا الحصين .

وقيل : إن الذي قتل ابن زياد شريك بن جدير ، وكان هذا شريك شهد صفين مع علي ، وأصيبت عينه ، فلما انقضت أيام علي لحق شريك ببيت المقدس فأقام به ، فلما قتل الحسين عاهد الله - تعالى - إن ظهر من يطلب بدمه ليقتلن ابن زياد أو ليموتن دونه . فلما ظهر المختار للطلب بثأر الحسين أقبل إليه ، وسار مع إبراهيم بن الأشتر ، فلما التقوا حمل على خيل الشام يهتكها صفا صفا مع أصحابه من ربيعة ، حتى وصلوا إلى ابن زياد ، وثار الرهج ، فلا يسمع إلا وقع الحديد ، فانفرجت عن الناس وهما قتيلان ، شريك وابن زياد . والأول أصح . وشريك هو القائل : كل عيش قد أراه باطلا غير ركز الرمح في ظل الفرس

قال : وقتل شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري ، وادعى قتله سفيان بن يزيد الأزدي ، وورقاء بن عازب الأسدي ، وعبيد الله بن زهير السلمي ، وكان عيينة بن أسماء مع ابن زياد ، فلما انهزم أصحابه حمل أخته هند بنت أسماء ، وكانت زوجة عبيد الله بن زياد ، فذهب بها وهو يرتجز : [ ص: 330 ]

إن تصرمي حبالنا فربما أرديت في الهيجا الكمي المعلما



ولما انهزم أصحاب ابن زياد تبعهم أصحاب إبراهيم ، فكان من غرق أكثر ممن قتل ، وأصابوا عسكرهم وفيه من كل شيء .

وأرسل إبراهيم البشارة إلى المختار وهو بالمدائن ، وأنفذ إبراهيم عماله إلى البلاد ، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله إلى نصيبين ، وغلب على سنجار ودارا وما والاهما من أرض الجزيرة ، فولى زفر بن الحارث قرقيسيا ، وحاتم بن النعمان الباهلي حران ، والرهاء ، وسميساط ، وناحيتها ، وولى عمير بن الحباب السلمي كفرتوثا ، وطور عبدين .

وأقام إبراهيم بالموصل ، وأنفذ رأس عبيد الله بن زياد إلى المختار ومعه رءوس قواده ، فألقيت في القصر ، فجاءت حية دقيقة ، فتخللت الرءوس حتى دخلت في فم عبيد الله بن زياد ، ثم خرجت من منخره ، ودخلت في منخره وخرجت من فيه ، فعلت هذا مرارا ، أخرج هذا الترمذي في جامعه .

وقال المغيرة : أول من ضرب الزيوف في الإسلام عبيد الله بن زياد ، وقال بعض حجاب ابن زياد : دخلت معه القصر حين قتل الحسين ، فاضطرم في وجهه نارا ، فقال بكمه هكذا على وجهه وقال : لا تحدثن بهذا أحدا .

وقال المغيرة : قالت مرجانة لابنها عبيد الله بعد قتل الحسين : يا خبيث ، قتلت ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ترى الجنة أبدا ! وقال ابن مفرغ حين قتل ابن زياد :

إن المنايا إذا ما زرن طاغية     هتكن أستار حجاب وأبواب
أقول بعدا وسحقا عند مصرعه     لابن الخبيثة وابن الكودن الكابي
لا أنت زوحمت عن ملك فتمنعه     ولا متت إلى قوم بأسباب
لا من نزار ولا من جذم ذي يمن     جلمود ذا ألقيت من بين ألهاب
لا تقبل الأرض موتاهم إذا قبروا     وكيف تقبل رجسا بين أثواب ؟



[ ص: 331 ] وقال سراقة البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر :

أتاكم غلام من عرانين مذحج     جري على الأعداء غير نكول
فيا ابن زياد بؤ بأعظم مالك     وذق حد ماضي الشفرتين صقيل
جزى الله خيرا شرطة الله إنهم     شفوا من عبيد الله أمس غليلي



وقال عمير بن الحباب السلمي يذم جيش ابن زياد :

وما كان جيش يجمع الخمر والزنا     محلا إذا لاقى العدو لينصرا



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث