الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولولا فضل الله عليك ورحمته بإعلامك بما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق، وقيل: لولا فضله بالنبوة ورحمته بالعصمة، وقيل: لولا فضله بالنبوة ورحمته بالوحي، وقيل: المراد لولا حفظه لك وحراسته إياك.

لهمت طائفة منهم أي: من الذين (يختانون) والمراد بهم أسير بن عروة وأصحابه، أو الذابون عن طعمة، المطلعون على كنه القصة، العالمون بحقيقتها، ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى الناس، والمراد بالطائفة الذين انتصروا للسارق، أو المودع الخائن، وقيل: المراد بهم وفد ثقيف، فقد روي عن جرير، عن الضحاك، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنهم قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: يا محمد، جئناك نبايعك على أن لا نكسر أصنامنا بأيدينا، وعلى أن نتمتع بالعزى سنة، فلم يجبهم صلى الله تعالى عليه وسلم، وعصمه الله تعالى من ذلك، فنزلت.

وعن أبي مسلم أنهم المنافقون (هموا بما لم ينالوا) من إهلاك النبي - صلى الله عليه وسلم - فحفظه الله تعالى منهم، وحرسه بعين عنايته أن يضلوك أي: بأن يضلوك عن القضاء بالحق، أو عن اتباع ما جاءك في أمر الأصنام، أو بأن يهلكوك، وقد جاء الإضلال بهذا المعنى، ومنه على ما قيل قوله تعالى: وقالوا أإذا ضللنا في الأرض والجملة جواب لولا، وإنما نفي همهم مع أن المنفي إنما هو ثأثيره فقط إيذانا بانتفاء تأثيره بالكلية، وقيل: المراد هو الهم المؤثر، ولا ريب في انتفائه حقيقة.

وقال الراغب: إن القوم كانوا مسلمين، ولم يهموا بإضلاله صلى الله تعالى عليه وسلم أصلا، وإنما كان ذلك صوابا عندهم وفي ظنهم، وجوز أبو البقاء أن يكون الجواب محذوفا، والتقدير: ولولا فضل الله عليك ورحمته لأضلوك، ثم استأنف بقوله سبحانه: (لهمت) أي: لقد همت بذلك وما يضلون إلا أنفسهم أي: ما يزيلون عن الحق إلا أنفسهم، أو ما يهلكون إلا إياها لعود وبال ذلك وضرره عليهم، والجملة اعتراضية.

وقوله تعالى: وما يضرونك من شيء عطف عليه، وعطفه على (أن يضلوك) وهم محض و(من) صلة، والمجرور [ ص: 144 ] في محل النصب على المصدرية، أي: وما يضرونك شيئا من الضرر لما أنه تعالى عاصمك عن الزيغ في الحكم.

وأما ما خطر ببالك فكان عملا منك بظاهر الحال ثقة بأقوال القائلين من غير أن يخطر لك أن الحقيقة على خلاف ذلك، أو لما أنه سبحانه عاصمك عن المداهنة والميل إلى آراء الملحدين، والأمر بخلاف ما أنزل الله تعالى عليك، أو لما أنه جل شأنه وعدك العصمة من الناس، وحجبهم عن التمكن منك.

وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة أي: القرآن الجامع بين العنوانين، وقيل: المراد بالحكمة السنة، وقد تقدم الكلام في تحقيق ذلك، والجملة - على ما قاله الأجهوري: - في موضع التعليل لما قبلها، وإلى ذلك أشار الطبرسي، وهو غير مسلم على ما ذهب إليه أبو مسلم.

وعلمك بأنواع الوحي ما لم تكن تعلم أي: الذي لم تكن تعلمه من خفيات الأمور وضمائر الصدور، ومن جملتها وجوه إبطال كيد الكائدين، أو من أمور الدنيا وأحكام الشرع، كما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أو من الخير والشر - كما قال الضحاك - أو من أخبار الأولين والآخرين - كما قيل - أو من جميع ما ذكر كما يقال.

ومن الناس من فسر الموصول بأسرار الكتاب والحكمة أي: أنه سبحانه أنزل عليك ذلك، وأطلعك على أسراره، وأوقفك على حقائقه، فتكون الجملة الثانية كالتتمة للجملة الأولى، واستظهر في البحر العموم.

وكان فضل الله عليك عظيما لا تحويه عبارة، ولا تحيط به إشارة، ومن ذلك النبوة العامة، والرياسة التامة، والشفاعة العظمى يوم القيامة

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث