الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة

( الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة )

اعلم أن الألفاظ انقسمت باعتبار هذا المطلب ثلاثة أقسام قسم علم أن مدلوله قديم كلفظ الله ونحوه وقسم علم أن مدلوله حادث كلفظ الكعبة ونحوها فهذان القسمان لا يقصدان بهذا الفرق لوضوحهما وقسم مشكل على أكثر الطلبة فهو المقصود بهذا الفرق وهو سبعة ألفاظ اللفظ الأول أمانة الله تعالى من حلف بها جاز ولزمته الكفارة بها إذا حنث لأن أمانته تعالى تكليفه وهو أمره ونهيه بالكلام النفسي وهو قديم ويدل على ذلك قوله تعالى { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال } إلى قوله ظلوما جهولا قال العلماء معناه أن الله تعالى عرض التكاليف على السموات والأرض والجبال وقال لهن إن حملتن التكاليف وأطعتن فلكن الثواب الجزيل وإن عصيتن فعليكن العذاب الوبيل فقلن لا نعدل بالسلامة شيئا ثم عرضت على الإنسان فالتزم ذلك فأخبر الله تعالى أنه كان ظلوما لنفسه جهولا بالعواقب فلا جرم هلك من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وسلم من كل ألف واحد كما جاء في الحديث الصحيح والكلام القديم صفة الله تعالى وهذا أيضا يتبع العرف والعادة فإذا جاء عرف آخر يشتهر فيه هذا اللفظ في الأمانة المأمور بها التي هي فعلنا في حفظ الودائع وغيرها من الأمانات كقوله تعالى { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } ويكون ذلك عرف قطر من الأقطار الآن فإن الحلف حينئذ بها من غير نية تصرف اللفظ للأمانة القديمة لا يجوز أو يكره على الخلاف .

وإذا كانت مشتهرة في القديم وصرفها الحالف بالنية إلى الحادث امتنع الحلف وسقطت الكفارة فهذا معنى هذا اللفظ وضابطه اللفظ الثاني قولنا عمر الله ولعمر الله معنى هذين اللفظين البقاء فبقاء الله عز وجل استمرار وجوده مع الأزمان فوجوده ذاته تعالى فهو قديم يجوز الحلف به وتلزم به الكفارة فإن قلت البقاء والعمر ونحوهما من الألفاظ لاستمرار الوجود مع الأزمنة كما تقدم واستمرار وجود الشيء مع الأزمنة نسبة بين وجود الشيء والزمان والنسبة أمر عدمي فإذا قلنا بجواز الحلف بعمر الله وهو بقاؤه ولزوم الكفارة به لزمنا أن نقول بجواز الحلف بقبلية الله تعالى وبعديته ومعيته فإن الله تعالى قبل كل حادث ومع كل حادث وبعد كل حادث إذا فني ذلك الحادث وما هو قابل للتجدد كالبعدية والمعية أو الفناء كالقبلية كيف يجوز الحلف به وكيف تلزم به [ ص: 31 ] كفارة وكذلك القول في بقية النسب والإضافات التي تعرض لذات الله تعالى وتزول كالتعلقات في الصفات وغيرها قلت سؤال حسن صحيح وأنا أقول متى أراد الحالف تلك النسبة التي هي مدلول اللفظ لغة امتنع وسقطت الكفارة ومتى نقلها العرف إلى أمر وجودي قديم جاز ولزمته الكفارة .

وعليه العرف اليوم وهو الذي أفتى به مالك أن المراد بالعمر والبقاء الباقي فهو مجاز لغوي حقيقة عرفية فإن تغير العرف تغير الحكم كما تقدم قبل هذا .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة إلى قوله فهذان القسمان لا يقصدان بهذا الفرق لوضوحهم )

قلت ما قاله في ذلك صحيح قال ( وقسم مشكل على أكثر الطلبة ) قلت ما قاله في ذلك إلى قوله وتلزم به الكفارة صحيح

[ ص: 30 ] قال ( فإن قلت البقاء والعمر ونحوهما من الألفاظ لاستمرار الوجود مع الأزمنة كما تقدم إلى آخر ما أجاب به عن هذا السؤال ) قلت كيف يقول متى أراد الحالف تلك النسبة التي هي مدلول اللفظ امتنع وسقطت الكفارة بناء على تسليم أن المقصود بذلك اللفظ أمر عدمي لأنه نسبة والنسبة عدمية وقد قال بعد هذا في الفرق السادس والعشرين وفي القسم الثالث من الصفات إن الوحدانية سلب الشريك واختار انعقاد اليمين بها

وكذلك اختاره في تسبيح الله تعالى وتقديسه وعلل ذلك بكونها سلوبا قديمة فكان حقه أن يلتزم مثل ذلك في القبلية والمعية والبعدية لكونها أيضا سلوبا قديمة لأنها نسب والنسب سلوب فما قاله هنا ليس بالقوي عندي ولا بالصحيح والصحيح أن هذه الأمور المضافة إلى الله تعالى متى عني بها أمر قديم سواء كانت إثباتا أو سلبا فاليمين بها منعقدة والله تعالى أعلم ومتى عني بها أمر حادث فاليمين غير منعقدة بها وقصد الأمر القديم بها هو عرف الشرع ولم يحدث عرف يناقضه فيتغير الحكم لذلك .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة ) الألفاظ باعتبار جواز الحلف بها وعدم جوازه ثلاثة أقسام

( القسم الأول ) ما علم أن مدلوله قديم فيجوز وينعقد القسم بذاته من غير توقف على إرادة وتلزم الكفارة بالحنث كلفظ الله ونحوه من الأسماء الحسنى وإن قالت المعتزلة إنها ألفاظ وهي حادثة وقسمها الشمس السمرقندي في الصحائف إلى قديم وحادث والحادث إلى مشتق من فعله تعالى كالخلاق الرزاق المحيي المميت ومشتق من فعلنا كالمعبود والمشكور لأن معنى قدمها ما نقله العلامة الملوي عن سيدي محمد بن عبد الله المغربي من أن كلام الله تعالى القديم أسماء له هي المحكوم عليها بالقدم كما أن منه أمرا ونهيا إلخ والمراد بالتسمية القديمة دلالة الكلام أزلا على معاني الأسماء وذلك من غير تبعيض ولا تجزئة في نفس الكلام مع تفويض كنه ذلك له تعالى واقتصروا في أقسام الكلام الاعتبارية على الأهم [ ص: 54 ] باعتبار ما ظهر لهم إذ ذاك فلا يرد عدم ذكرهم أسماء منها كيف ومدلوله لا يدخل تحت الحصر وليس معنى القدم هنا عدم الأولية كما تقول المعتزلة بل معناه إنها موضوعة قبل الخلق أي إن الله تعالى وضعها لنفسه قبل إيجادنا ثم ألهمها للنور المحمدي ثم للملائكة ثم للخلق كما في الأمير على عبد السلام على جوهرة التوحيد فافهم وكالوجود ونحو القدرة والاقتدار أي الكون قادرا والقدم من صفاته تعالى النفيسة والمعاني والمعنوية والسلبية كما مر عن العلامة الأمير

( القسم الثاني ) ما علم أن مدلوله حادث كلفظ الكعبة ونحوها فلا يجوز ولا ينعقد القسم به أصلا قال العلامة الأمير في ضوء الشموع .

وأما الألفاظ الأجنبية بالمرة نحو والحيوان فلا ينعقد على الصحيح ولو نوى به معنى قديما ولا يجوز ذلك فليس كالطلاق إن نوى بأي لفظ لزم نعم إن جعله على حذف مضاف أي ورب الحيوان ولا ينعقد اليمين بالنية ولا بالكلام النفسي بالأولى من الطلاق ا هـ بلفظه

( القسم الثالث ) ما لم يعلم قدم مدلوله ولا حدوثه فلا ينعقد الحلف بذاته بل يتوقف على الإرادة للمعنى القديم أو لم ينو شيئا كما في ضوء الشموع فافهم وهذا القسم لعدم وضوحه هو المقصود بهذا الفرق دون الأولين والذي ذكره الأصل من ألفاظ هذا القسم تسعة ( اللفظ الأول ) أمانة الله فإنه كما يطلق على القديم وهو أمره ونهيه بالكلام النفسي الذي هو صفة الله تعالى لقوله تعالى { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال } إلى قوله ظلوما جهولا قال العلماء معناه أن الله تعالى عرض التكاليف على السماوات والأرض والجبال وقال لهن إن حملتن التكاليف وأطعتن فلكن الثواب الجزيل وإن عصيتن فلكن العذاب الوبيل فقلن لا نعدل بالسلامة شيئا ثم عرضت على الإنسان فالتزم ذلك فأخبر الله تعالى أنه كان ظلوما لنفسه جهولا بالعواقب فلا جرم هلك من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وسلم من كل ألف واحد كما جاء في الحديث الصحيح كذلك يطلق على الحادث وهو فعلنا في حفظ الودائع وغيرها من الأمانات في قوله تعالى { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى [ ص: 55 ] أهلها } .

فيتبع الحلف به العرف والعادة وقد جرى بإطلاقه على القديم العرف فيجوز الحلف به وتلزم الكفارة بالحنث إلا أن ينوي الحالف به المعنى الحادث فحينئذ يمنع الحلف به وتسقط الكفارة كما إذا تغير العرف وجرى بإطلاقه على الحادث في قطر من الأقطار فلا يجوز الحلف به أو يكره على الخلاف وتسقط الكفارة إلا أن ينوي به الحالف القديم فيجوز حينئذ الحلف به وتلزم بالحنث الكفارة وفي مجموع الأمير وشرحه انعقاد اليمين بالله إن لم ينو معنى حادثا أي ما جعله بين عباده بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا هـ .

( اللفظ الثاني ) قولنا عمر الله أو لعمر الله أفتى مالك رحمه الله تعالى بانعقاد اليمين به ولزوم الكفارة بالحنث نظرا لجريان العرف بإطلاقه على القديم وهو بقاء الله تعالى الذي هو من صفات السلوب القديمة فإن تغير العرف وجرى بإطلاقه على أمر حادث في قطر من الأقطار لم ينعقد اليمين به بل قال ابن الشاط ومثل ذلك يقال في قبلية الله تعالى ومعيته وبعديته فإن الله تعالى قبل كل حادث ومع كل حادث وبعد كل حادث إذا فني الحادث فهي نسب وإضافات والنسب سلوب والصحيح أن الأسرار المضافة إلى الله تعالى متى عني بها أمر قديم سواء كانت إثباتا أو سلبا فاليمين بها منعقدة ومتى عني بها أمر حادث فاليمين غير منعقدة بها وقصد الأمر القديم بها هو عرف الشرع ولم يحدث عرف يناقضه فيتغير الحكم لذلك والله تعالى أعلم . قلت : وانظر قوله وقصد الأمر القديم به هو عرف الشرع إلخ مع ما سيأتي له من أن العرف الشرعي لا يتغير حكمه وإن تغير العرف بخلاف العرف الزماني وحرر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث