الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ومن يشاقق الرسول أي: يخالفه - من الشق - فإن كلا من المتخالفين في شق غير شق الآخر، ولظهور الانفكاك بين الرسول ومخالفه فك الإدغام هنا، وفي قوله سبحانه في الأنفال: ومن يشاقق الله ورسوله رعاية لجانب المعطوف، ولم يفك في قوله تعالى في الحشر: ومن يشاق الله .

وقال الخطيب في حكمة الفك والإدغام أن (أل) في الاسم الكريم لازمة بخلافها في الرسول، واللزوم يقتضي الثقل، فخفف بالإدغام فيما صحبته الجلالة بخلاف ما صحبه لفظ الرسول، وفي آية الأنفال صار المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، وما ذكرناه أولى، والتعرض لعنوان الرسالة لإظهار كمال شناعة ما اجترءوا إليه من المشاقة والمخالفة، وتعليل الحكم الآتي بذلك، والآية نزلت كما قدمناه في سارق الدرع أو مودعها، وقيل: في قوم طعمة لما ارتدوا بعد أن أسلموا، وأيا ما كان فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيندرج فيه ذلك وغيره من المشاقين.

من بعد ما تبين له الهدى أي: ظهر له الحق فيما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فيما يدعيه - عليه الصلاة والسلام -بالوقوف على المعجزات على نبوته ويتبع غير سبيل المؤمنين أي: غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل، فيعم الأصول والفروع والكل والبعض نوله ما تولى أي: نجعله واليا لما تولاه من الضلال، ويؤول إلى أنا نضله، وقيل: معناه نخل بينه وبين ما اختاره لنفسه، وقيل: نكله في الآخرة إلى ما اتكل عليه وانتصر به في الدنيا من الأوثان ونصله جهنم أي: ندخله إياها، وقد تقدم، وقرئ بفتح النون من (صلاه).

وساءت مصيرا أي: جهنم، أو التولية، واستدل الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - على حجية الإجماع بهذه الآية، فعن المزني أنه قال: كنت عند الشافعي يوما فجاءه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا، فلما رآه ذا مهابة استوى جالسا، وكان مستندا لأسطوانة، وسوى ثيابه، فقال له: ما الحجة في دين الله تعالى؟ قال: كتابه، قال: وماذا؟ قال: سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة، قال: من أين هذا الأخير أهو في كتاب الله تعالى؟ فتدبر ساعة ساكتا، فقال له الشيخ: أجلتك ثلاثة أيام بلياليهن فإن جئت بآية وإلا فاعتزل الناس، فمكث ثلاثة أيام لا يخرج، وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر، وقد تغير لونه، فجاءه الشيخ، وسلم عليه، وجلس، وقال: حاجتي؟ فقال: نعم، أعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له إلخ لم يصله جهنم على خلاف المؤمنين إلا واتباعهم فرض، قال: صدقت، وقام وذهب، وروي عنه أنه قال: قرأت القرآن في كل يوم وفي كل ليلة ثلاث مرات حتى ظفرت بها.

ونقل الإمام عنه أنه سئل عن آية من كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآية.

واعترض ذلك الراغب بأن سبيل المؤمنين الإيمان، كما إذا قيل: اسلك سبيل الصائمين والمصلين أي: في الصوم والصلاة، فلا دلالة في الآية على حجية الإجماع ووجوب اتباع المؤمنين في غير الإيمان، [ ص: 147 ] ورده في الكشف بأنه تخصيص بما يأباه الشرط الأول، ثم إنه إذا كان مألوف الصائمين الاعتكاف مثلا تناول الأمر باتباعهم ذلك أيضا، فكذلك يتناول ما هو مقتضى الإيمان فيما نحن فيه، فسبيل المؤمنين هنا عام على ما أشرنا إليه.

واعترض بأن المعطوف عليه مقيد بـ(تبين الهدى) فيلزم في المعطوف ذلك، فإذا لم يكن في الإجماع فائدة لأن الهدى عام لجميع الهداية، ومنها دليل الإجماع، وإذا حصل الدليل لم يكن للمدلول فائدة، وأجيب بمنع لزوم القيد في المعطوف، وعلى تقدير التسليم فالمراد بالهداية الدليل على التوحيد والنبوة، فتفيد الآية أن مخالفة المؤمنين بعد دليل التوحيد والنبوة حرام، فيكون الإجماع مفيدا في الفروع بعد تبين الأصول، وأوضح القاضي وجه الاستدلال بها على حجية الإجماع وحرمة مخالفته بأنه تعالى رتب فيها الوعيد الشديد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك إما لحرمة كل واحد منهما أو أحدهما أو الجمع بينهما، والثاني باطل؛ إذ يقبح أن يقال: من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحد، وكذا الثالث؛ لأن المشاقة محرمة ضم إليها غيرها أو لم يضم، وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرما كان اتباع سبيلهم واجبا؛ لأن ترك اتباع سبيلهم - ممن عرف سبيلهم - اتباع غير سبيلهم.

فإن قيل: لا نسلم أن ترك اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين؛ لأنه لا يمتنع أن لا يتبع سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين، أجيب بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يقتدوا في أفعالهم بالمؤمنين فكل من لم يتبع من المؤمنين سبيل المؤمنين فقد أتى بفعل غير المؤمنين، واقتفى أثرهم، فوجب أن يكون متبعا لهم.

وبعبارة أخرى: إن ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين؛ لأن المكلف لا يخلو من اتباع سبيل البتة، واعترض أيضا بأن هذا الدليل غير قاطع؛ لأن غير سبيل المؤمنين يحتمل وجوها من التخصيص لجواز أن يراد سبيلهم في متابعة الرسول أو في مناصرته أو في الاقتداء به - عليه الصلاة والسلام -أو فيما صاروا به مؤمنين، وإذا قام الاحتمال كان غايته الظهور، والتمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع، ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من اتباع الظن، فيكون إثباتا للإجماع بما لا يثبت حجيته إلا به فيصير دورا، واستصعب التفصي عنه، وقد ذكره ابن الحاجب في المختصر، وقريب منه قول الأصفهاني في اتباع سبيلهم لما احتمل ما ذكر وغيره صار عاما، ودلالته على فرد من أفراده غير قطعية لاحتمال تخصيصه بما يخرجه مع ما فيه من الدور.

وأجاب عن الدور بأنه إنما يلزم لو لم يقم عليه دليل آخر، وعليه دليل آخر وهو أنه مظنون يلزم العمل به؛ لأنا إن لم نعمل به وحده فإما أن نعمل به وبمقابله أو لا نعمل بهما أو نعمل بمقابله، وعلى الأول يلزم الجمع بين النقيضين، وعلى الثاني ارتفاعهما، وعلى الثالث العمل بالمرجوح مع وجود الراجح، والكل باطل، فيلزم العمل به قطعا، واعترض أيضا بمنع حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقا، بل بشرط المشاقة، وأجاب عنه القوم بما لا يخلو عن ضعف، وبأن الاستدلال يتوقف على تخصيص المؤمنين بأهل الحل والعقد في كل عصر، والقرينة عليه غير ظاهرة، وبأمور أخرى ذكرها الآمدي والتلمساني وغيرهما، وأجابوا عما أجابوا عنه منها.

وبالجملة لا يكاد يسلم هذا الاستدلال من قيل وقال، وليست حجية الإجماع موقوفة على ذلك كما لا يخفى.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث