الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ جعل ]

ومن ذلك جعل وهي أحد الأفعال المشتركة التي هي أمهات الأحداث ، وهي : " فعل " ، و " عمل " ، و " جعل " ، و " طفق " ، و " أنشأ " ، و " أقبل " ، وأعمها ( فعل ) يقع على القول والهم ، وغيرهما : ( ويفعلون ما يؤمرون ) ( النحل : 50 ) . ودونه " عمل " لا ينتظم النية ، والهم ، والعزم والقول : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ) ( الفرقان : 23 ) أي من صلاة وصدقة وجهاد . ولـ " جعل " أحوال :

[ ص: 114 ] أحدها : بمعنى سمى كقوله تعالى : ( الذين جعلوا القرآن عضين ) ( الحجر : 91 ) أي سموه كذبا ، وقوله : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) ( الزخرف : 19 ) على قول . ويشهد له قوله تعالى : ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ) ( النجم : 27 ) .

الثاني : بمعنى المقاربة ، مثل " كاد " و " طفق " ، لكنها تفيد ملابسة الفعل ، والشروع فيه ، تقول : جعل يقول ، وجعل يفعل كذا ، إذا شرع فيه .

الثالث : بمعنى الخلق ، والاختراع ، فتعدى لواحد كقوله تعالى : ( وجعل الظلمات والنور ) ( الأنعام : 1 ) أي خلقهما . فإن قيل : ما الفرق بين الجعل والخلق ؟ قيل : إن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي الجعل معنى التصيير ، كإنشاء شيء من شيء ، أو تصيير شيء شيئا ، أو نقله من مكان ، ويتعدى لمفعول واحد لأنه لا يتعلق إلا بواحد وهو المخلوق .

وأيضا فالخلق يكون عن عدم سابق ، حيث لا يتقدم مادة ولا سبب محسوس ، والجعل يتوقف على موجود مغاير للمجعول ، يكون منه المجعول أو عنه ، كالمادة والسبب ، ولا يرد في القرآن العظيم لفظ " جعل " في الأكثر مرادا به الخلق ، إلا حيث يكون قبله ما يكون عنه أو منه ، أو شيئا فيه محسوسا عنه ، فيكون ذلك المخلوق الثاني ، بخلاف " خلق " ، فإن العبارة تقع كثيرا به عما لم يتقدم وجوده وجود مغاير ، يكون عنه هذا الثاني ، قال الله تعالى : ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ) ( الأنعام : 1 ) وإنما الظلمات والنور عن أجرام توجد بوجودها ، وتعدم بعدمها .

وقال تعالى : ( وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي ) ( الرعد : 3 ) . وقال : ( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ) ( الزخرف : 12 ) . وقال سبحانه في سورة الأعراف : ( وجعل منها زوجها ) ( الأعراف : 189 ) . وفي سورة النساء : ( وخلق منها زوجها ) [ ص: 115 ] ( النساء : 1 ) فهو يدل على أنهما قد يستعملان استعمال المترادفين .

الرابع : بمعنى النقل من حال إلى حال والتصيير ، فيتعدى إلى مفعولين إما حسا كقوله تعالى : ( الذي جعل لكم الأرض فراشا ) ( البقرة : 22 ) ( والله جعل لكم الأرض بساطا ) ( نوح : 19 ) ( فجعلهم جذاذا ) ( الأنبياء : 58 ) ( وجعلناهم أئمة ) ( القصص : 41 ) ( وجعلناكم أكثر نفيرا ) ( الإسراء : 6 ) . وإما عقلا ، مثل ( أجعل الآلهة إلها واحدا ) ( ص : 5 ) ( جاعل الملائكة رسلا ) ( فاطر : 1 ) .

ونحو قوله : ( اجعل هذا البلد آمنا ) ( إبراهيم : 35 ) وقوله : ( وجعلنا الليل لباسا ) ( النبأ : 10 ) لأنه يتعلق بشيئين : المنقول ، وهو الليل ، والمنقول إليه ، وهو اللباس . وأبين منه قوله تعالى : ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) ( الكهف : 8 ) ( جعلنا عاليها سافلها ) ( هود : 82 ) ( وجعلنا نومكم سباتا ) ( النبأ : 9 ) .

والمعاش في قوله : ( وجعلنا النهار معاشا ) ( النبأ : 11 ) اسم زمان لكون الثاني هو الأول ، ويجوز أن يكون مصدرا لمعنى المعيش ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) ( المؤمنون : 50 ) ومعناه صيرناه ، لأن مريم إنما صارت مع ولدها عليه السلام لما خلق من جسدها لا من أب ، فصارا عند ذلك آية للعالمين ، ومحال أنه يريد " خلقناهما " ، لأن مريم لم تخلق في حين خلق ولدها ، بل كانت موجودة قبله ، ومحال تعلق القدرة بجعل الموجود موجودا في حال بقائه .

فأما قوله تعالى : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) ( الزخرف : 3 ) فهو من هذا الباب على جهة الاتساع ، أي : صيرناه يقرأ بلسان عربي لأن غير القرآن ما هو عبري وسرياني ، ولأن معاني القرآن في الكتب السالفة ، بدليل قوله تعالى : ( وإنه لفي زبر الأولين ) ( الشعراء : 196 ) ( إن هذا لفي الصحف الأولى ) ( الأعلى : 18 ) .

وبهذا احتج من أجاز القراءة بالفارسية ، قال : لأنه ليس في زبر الأولين من القرآن إلا [ ص: 116 ] المعنى ، والفارسية تؤدي المعنى ، وإذا عرف هذا فكأنه نقل المعنى من لفظ القرآن فصيره عربيا .

وأخطأ الزمخشري حيث جعله بالخلق ، وهو مردود صناعة ، ومعنى ، أما الصناعة فلأنه يتعدى لمفعولين ، ولو كان بمعنى الخلق لم يتعد إلا إلى واحد ، وتعديته لمفعولين ، وإن احتمل هذا المعنى - لكن بجواز إرادة التسمية أو التصيير على ما سبق . وأما المعنى فلو كان بمعنى " خلقنا التلاوة العربية " ، فباطل لأنه ليس الخلاف في حدوث ما يقوم بألسنتنا ، وإنما الخلاف في أن كلام الله الذي هو أمره ونهيه وخبره ، فعندنا أنه صفة من صفات ذاته ، وهو قديم .

وقالت القدرية : إنه صفة فعل أوجده بعد عدمه ، وأحدثه لنفسه فصار عند حدوثه متكلما بعد أن لم يكن ، فظهر أن الآية على تأويله ليس فيها تأويل لعقيدته الباطلة .

وقال الآمدي في " أبكار الأفكار " : الجعل فيه بمعنى التسوية ، كقوله تعالى : ( الذين جعلوا القرآن عضين ) ( الحجر : 91 ) أي يسمونه كذبا .

قال : ويحتمل أن الجعل على بابه ، والمراد القرآن بمعنى القراءة دون مدلولها ، فإن القرآن قد يطلق بمعنى القراءة ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى في القرآن أي بالقراءة .

[ ص: 117 ] وقال بعضهم : قاعدة العرب في الجعل أن يتعدى لواحد ، وتارة يتعدى لاثنين ، فإن تعدى لواحد لم يكن إلا بمعنى الخلق ، وأما إذا تعدى لاثنين فيجيء كقوله تعالى : ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) ( الإسراء : 12 ) ، وبمعنى التسمية ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) ( الزخرف : 19 ) ( الذين جعلوا القرآن عضين ) ( الحجر : 91 ) .

ويجيء بمعنى التصيير كقوله تعالى : ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) ( المؤمنون : 50 ) أي صيرناهما .

إذا علمت هذا فإذا ثبت أن الجعل المتعدي لاثنين ليس نصا في الخلق ، بل يحتمل الخلق وغيره ، ولم يكن في الآية تعلق للقدرية على خلق القرآن ، لأن الدليل لا بد أن يكون قطعيا لا احتمال فيه ، ويجوز أن يكون بمعنى الخلق على معنى جعلنا التلاوة عربية . قلت : وهذا يمنع إطلاقه ، وإن جوزنا حدوث الألفاظ لأنها لم تأت عن السلف ، بل نقول القرآن غير مخلوق على الإطلاق .

( الخامس ) بمعنى الاعتقاد كقوله تعالى : ( وجعلوا لله شركاء الجن ) ( الأنعام : 100 ) ( ويجعلون لله ما يكرهون ) ( النحل : 62 ) . وكذلك قوله تعالى : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) ( الزخرف : 19 ) أي اعتقدوهم إناثا .

ويجوز أن يكون كما قبله ، ووجه النقل فيه هو أن الملائكة في نفس الأمر ليسوا إناثا ، فهؤلاء الكفار نقلوهم باعتقادهم فصيروهم في الوجود الذهني إناثا .

ومنهم من جعلها [ ص: 118 ] بمعنى التسمية كقوله تعالى : ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) ( البقرة : 22 ) أي لا تسموها أندادا وأنتم تعلمون أي لا تسموها أندادا ولا تعتقدوها لأنهم ما سموها حتى اعتقدوها . وكذلك ( الذين جعلوا القرآن عضين ) ( الحجر : 91 ) أي سموه ، وجزءوه أجزاء ، فجعلوا بعضه شعرا ، وبعضه سحرا ، وبعضه أساطير الأولين .

وقال الزجاج في : ( وجعلوا الملائكة ) ( الزخرف : 19 ) إنها بمعنى القول ، والحكم على الشيء ، وقوله : ( أجعلتم سقاية الحاج ) ( التوبة : 19 ) أي اعتقدتم هذا مثل هذا .

فأما قوله : ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ) ( ص : 28 ) فالنقل والتصيير راجعان إلى الحال ، أي لا تجعل حال هؤلاء مثل حال هؤلاء ، ولا تنقلها إليها . وكذلك قوله : ( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ) ( الرعد : 16 ) أي اعتقدوا له شركاء .

السادس : بمعنى الحكم بالشيء على الشيء يكون في الحق والباطل ، فالحق كقوله : ( إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) ( القصص : 7 ) . والباطل كقوله : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ) ( الأنعام : 136 ) الآية .

وبمعنى أوجب كقوله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ) ( البقرة : 143 ) أي أوجبنا الاستقبال إليها . وكقوله : ( ما جعل الله من بحيرة ) ( المائدة : 103 ) ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ) ( البقرة : 143 ) ومعنى كنت عليها أي : أنت عليها ، كقوله : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ( آل عمران : 110 ) أي أنتم .

[ ص: 119 ] السابع : ذكره الفارسي بمعنى ألقى ، فيتعدى لمفعولين ، أحدهما بنفسه ، والآخر بحرف الجر ، كما في قولك : جعلت متاعك بعضه فوق بعض ، ومثله قوله : ( وجعل فيها رواسي ) ( الرعد : 3 ) .

ومنه قوله تعالى : ( ويجعل الخبيث بعضه على بعض ) ( الأنفال : 37 ) أي يلقي ، و " بعضه " بدل من الخبيث . وقوله : " على بعض " أي فوق بعض . ومثله قوله : ( وجعل فيها رواسي ) ( الرعد : 3 ) أي ألقى بدليل قوله في الآية الأخرى التي علل فيها المراد بخلق الجبال ، وأبان إنعامه ، فقال : ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) ( النحل : 15 )

( فائدة ) قوله تعالى : ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) ( الإسراء : 12 ) قيل : كيف يستعمل لفظ الجعل هنا مع أن المجعول عنه ينبغي أن يتحقق قبل الجعل مع صفة المجعول ، كقولك : جعلت زيدا قائما ، فهو قبل ذلك كان متصفا بضد القيام ، وهنا لم يوجد الجعل إلا على هذه الصفة ، فكيف يصح استعمال الجعل فيه ؟

( والجواب ) أن الليل جوهر قام به السواد ، والنهار جوهر قام به النور ، وكذلك الشمس جسم قام به ضوء ، والأجسام والجواهر متقدمة على الأعراض بالذات ، والعرب تراعي مثل هذا ، نقل الفراء أنهم قالوا : أحسنت إليك فكسوتك ، فجعلوا الإحسان متقدما على الكسوة ، بدليل العطف بالفاء ، وليس ذلك إلا تقدم ذاتي ، لأن الإحسان في الخارج هو نفس الكسوة .

ولك أن تقول : لا نسلم أن الإحسان نفس الكسوة ، بل معنى يقوم بالنفس تنشأ عنه الكسوة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث