الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني متى يخرجون من الحجر ومتى يحجر عليهم وبأي شروط يخرجون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الباب الثاني .

متى يخرجون من الحجر ، ومتى يحجر عليهم ، وبأي شروط يخرجون ؟

والنظر في هذا الباب في موضعين : في وقت خروج الصغار من الحجر ، ووقت خروج السفهاء . فنقول : إن الصغار بالجملة صنفان : ذكور ، وإناث ، وكل واحد من هؤلاء إما ذو أب ، وإما ذو وصي ، وإما مهمل ، وهم الذين يبلغون ولا وصي لهم ولا أب .

فأما الذكور الصغار ذوو الآباء : فاتفقوا على أنهم لا يخرجون من الحجر إلا ببلوغ سن التكليف وإيناس الرشد منهم ، وإن كانوا قد اختلفوا في الرشد ما هو ، وذلك لقوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) . واختلفوا في الإناث : فذهب الجمهور إلى أن حكمهن في ذلك حكم الذكور ( أعني : بلوغ المحيض ، وإيناس الرشد ) . وقال مالك : هي في ولاية أبيها - في المشهور عنه - حتى تتزوج ، ويدخل بها زوجها ، ويؤنس رشدها ، وروي عنه مثل قول الجمهور . ولأصحاب مالك في هذا أقوال غير هذه ، قيل : إنها في ولاية أبيها حتى يمر بها سنة بعد دخول زوجها بها ، وقيل : حتى يمر بها عامان ، وقيل : حتى تمر سبعة أعوام .

وحجة مالك : أن إيناس الرشد لا يتصور من المرأة إلا بعد اختبار الرجال . وأما أقاويل أصحابه فضعيفة مخالفة للنص ، والقياس : أما مخالفتها النص : فإنهم لم يشترطوا الرشد . وأما مخالفتها للقياس : فلأن الرشد ممكن تصوره منها قبل هذه المدة المحدودة .

وإذا قلنا على قول مالك لا على قول الجمهور : إن الاعتبار في الذكور ذوي الآباء البلوغ ، وإيناس الرشد ، فاختلف قول مالك إذا بلغ ولم يعلم سفهه من رشده ، وكان مجهول الحال : فقيل عنه : إنه محمول على السفه حتى يتبين رشده ، وهو المشهور . وقيل عنه : إنه محمول على الرشد حتى يتبين سفهه .

فأما ذوو الأوصياء : فلا يخرجون من الولاية في المشهور عن مالك إلا بإطلاق وصيه له من الحجر ( أي : يقول فيه إنه رشيد ) إن كان مقدما من قبل الأب بلا خلاف ، أو بإذن القاضي مع الوصي إن كان مقدما من غير الأب على اختلاف في ذلك . وقد قيل في وصي الأب : إنه لا يقبل قوله في أنه رشيد إلا حتى يعلم رشده ، وقد قيل : إن حاله مع الوصي كحاله مع الأب يخرجه من الحجر إذا آنس منه الرشد ، وإن لم يخرجه وصيه بالإشهاد ، وإن المجهول الحال في هذا حكمه حكم المجهول الحال ذي الأب .

وأما ابن القاسم فمذهبه أن الولاية غير معتبر ثبوتها إذا علم الرشد ، ولا سقوطها إذا علم السفه ، وهي [ ص: 625 ] رواية عن مالك ، وذلك من قوله في اليتيم لا في البكر .

والفرق بين المذهبين : أن من يعتبر الولاية يقول أفعاله كلها مردودة وإن ظهر رشده حتى يخرج من الولاية ، وهو قول ضعيف ، فإن المؤثر هو الرشد لا حكم الحاكم .

وأما اختلافهم في الرشد ما هو ؟ فإن مالكا يرى أن الرشد هو تثمير المال وإصلاحه فقط ، والشافعي يشترط مع هذا صلاح الدين .

وسبب اختلافهم : هل ينطلق اسم الرشد على غير صالح الدين ؟

وحال البكر مع الوصي كحال الذكر ، لا يخرج من الولاية إلا بالإخراج ما لم تعنس على اختلاف في ذلك ، وقيل : حالها مع الوصي كحالها مع الأب ، وهو قول ابن الماجشون . ولم يختلف قولهم إنه لا يعتبر فيها الرشد كاختلافهم في اليتيم .

وأما المهمل من الذكور : فإن المشهور أن أفعاله جائزة إذا بلغ الحلم كان سفيها متصل السفه ، أو غير متصل السفه ، معلنا به أو غير معلن . وأما ابن القاسم فيعتبر نفس فعله إذا وقع ، فإن كان رشدا جاز ، وإلا رده .

فأما اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي : فإن فيها في المذهب قولين :

أحدهما : أن أفعالها جائزة إذا بلغت المحيض . والثاني : أن أفعالها مردودة ما لم تعنس ، وهو المشهور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث