الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وجاء بعده قوله تعالى: إن يدعون من دونه إلا إناثا أي: ما يعبدون أو ما ينادون لحوائجهم من دون الله تعالى إلا أصناما، والجملة مبينة لوجه ما قبلها، ولذا لم تعطف عليه، وعبر عن الأصنام بالإناث لما روي عن الحسن أنه كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه، ويسمونه أنثى بني فلان؛ لأنهم يجعلون عليه الحلي وأنواع الزينة، كما يفعلون بالنسوان، أو لما أن أسماءها مؤنثة كما قيل، وهم يسمون ما اسمه مؤنث أنثى كما في قوله:


وما ذكر فإن يكبر فأنثى شديد اللزم ليس له ضروس

فإنه عنى القراد، وهو ما دام صغيرا يسمى قرادا، فإذا كبر سمي حلمة كثمرة.

واعترض بأن من الأصنام ما اسمه مذكر كهبل، وود، وسواع، وذي الخلصة، وكون ذلك باعتبار الغالب غير مسلم، وقيل: إنها جمادات وهي كثيرا ما تؤنث لمضاهاتها الإناث لانفعالها، ففي التعبير عنها بهذا الاسم تنبيه على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم، حيث يدعون ما ينفعل، ويدعون الفعال لما يريد.

وقيل: المراد بالإناث الأموات، فقد أخرج ابن جرير، وغيره عن الحسن: «أن الأنثى كل ميت ليس فيه روح مثل الخشبة اليابسة، والحجر اليابس» ففي التعبير بذلك دون (أصناما) التنبيه السابق أيضا، إلا أن وصف الأصنام بكونهم أمواتا مجاز.

وقيل: سماها الله تعالى إناثا لضعفها، وقلة خيرها، وعدم نصرها، وقيل: لاتضاع منزلتها، وانحطاط قدرها بناء على أن العرب تطلق الأنثى على كل ما اتضعت منزلته من أي جنس كان.

وقيل: كان في كل صنم شيطانة تتراءى للسدنة وتكلمهم أحيانا، فلذلك أخبر سبحانه أنهم ما يعبدون من دونه إلا إناثا، وروي ذلك عن أبي بن كعب، وقيل: المراد الملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله عز اسمه، وروي ذلك عن الضحاك، وهو جمع أنثى كرباب وربى في لغة من كسر الراء.

وقرئ: (إلا أنثى) على التوحيد (وإلا أنثى) بضمتين كـ(رسل) وهو إما صفة مفردة مثل امرأة جنب، وإما جمع أنيث كقليب وقلب، وقد جاء: حديد أنيث، وإما جمع إناث كثمار وثمر.

وقرئ وثنا وأثنا بالتخفيف والتثقيل وتقديم الثاء على النون جمع (وثن) كقولك: أسد، وأسد، وأسد، ووسد، وقلبت الواو ألفا كـ(أجوه) في وجوه.

وأخرج ابن جرير أنه كان في مصحف عائشة - رضي الله تعالى عنها – (إلا أوثانا).

وإن يدعون أي [ ص: 149 ] وما يعبدون بعبادة تلك الأوثان إلا شيطانا مريدا إذ هو الذي أمرهم بعبادتها، وأغراهم فكانت طاعتهم له عبادة، فالكلام محمول على المجاز، فلا ينافي الحصر السابق، وقيل: المراد من يدعون يطيعون، فلا منافاة أيضا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان أنه قال: «ليس من صنم إلا فيه شيطان» والظاهر أن المراد من الشيطان هنا إبليس، وهو المروي عن مقاتل وغيره.

والمريد والمارد والمتمرد: العاتي الخارج عن الطاعة، وأصل مادة (م ر د) للملامسة والتجرد، ومنه صرح ممرد وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها، ووصف الشيطان بذلك إما لتجرده للشر أو لتشبيهه بالأملس الذي لا يعلق به شيء، وقيل: لظهور شره كظهور ذقن الأمرد، وظهور عيدان الشجرة المرداء.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث