الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


كاد .

وللنحويين فيها أربعة مذاهب :

- ( أحدها ) : أن إثباتها إثبات ونفيها نفي كغيرها من الأفعال .

- ( والثاني ) أنها تفيد الدلالة على وقوع الفعل بعسر ، وهو مذهب ابن جني .

- ( والثالث ) أن إثباتها نفي ونفيها إثبات ، فإذا قيل : كاد يفعل ، فمعناه أنه لم يفعله ، بدليل قوله : ( وإن كادوا ليفتنونك ) ( الإسراء : 73 ) ، وإذا قيل لم يكد يفعل ، فمعناه أنه فعله بدليل قوله : ( وما كادوا يفعلون ) ( البقرة : 71 ) .

- ( والرابع ) التفصيل في النفي بين المضارع والماضي ، فنفي المضارع نفي ، ونفي الماضي إثبات بدليل : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ( البقرة : 71 ) وقوله : ( لم يكد يراها ) ( النور : 40 ) مع أنه لم ير شيئا ، وهذا حكاه ابن أبي الربيع في شرح الجمل ، وقال : إنه الصحيح .

والمختار هو الأول ، وذلك لأن معناها المقاربة ، فمعنى كاد يفعل : قارب الفعل ، ومعنى ما كاد يفعل : لم يقاربه . فخبرها منفي دائما . أما إذا كانت منفية فواضح لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل اقتضى عقلا عدم حصوله ، ويدل له قوله تعالى : ( إذا أخرج يده لم يكد يراها ) ( النور : 40 ) ولهذا كان أبلغ من قوله : لم يرها ، لأن من لم ير قد يقارب الرؤية .

[ ص: 121 ] وأما إذا كانت المقاربة منفية فلأن الإخبار بقرب الشيء يقتضي عرفا عدم حصوله ، وإلا لم يتجه الإخبار بقربه ، فأما قوله تعالى : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ( البقرة : 71 ) فإنها منفية مع إثبات الفعل لهم في قوله : فذبحوها

ووجهه أيضا إخبار عن حالهم في أول الأمر ، فإنهم كانوا أولا بعداء من ذبحها ، بدليل ما ذكر الله عنهم من تعنتهم ، وحصول الفعل إنما فهمناه من دليل آخر ، وهو قوله : " فذبحوها " .

والأقرب أن يقال : إن النفي وارد على الإثبات ، وإثبات هذا إنما هو قارب الفعل بنفسه لم يقارب ، وإذا لم يقارب فهو لم يفعله بعد ، والمعنى هنا : " وما كادوا يفعلون الذبح قبل ذلك " لأنهم قالوا : ( أتتخذنا هزوا ) ( البقرة : 67 ) وغير ذلك من التشديد .

وأما قوله تعالى : ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) ( الإسراء : 74 ) فالمعنى على النفي ، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يركن إليهم لا قليلا ولا كثيرا ، من جهة أن لولا الامتناعية تقتضي ذلك ، وأنه امتنع مقاربة الركون القليل لأجل وجود التثبيت لينتفي الكثير من طريق الأولى .

وتأمل كيف جاء " كاد " المقتضية المقاربة للفعل ، ونقل الظاهرة في التقليل ، كل ذلك تعظيما لشأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وما جبلت عليه نفسه الزكية من كونه لا يكاد يركن إليهم شيئا قليلا ولا كثيرا للتثبيت مع ما جبلت عليه .

هكذا ينبغي أن يفهم معنى هذه الآية خلافا لما وقع في كتب التفسير من ابن عطية وغيره ، فهم عن هذا المعنى اللطيف بمعزل .

وحكى الشريف الرضي في كتاب الغرر ثلاثة أقوال في قوله تعالى : ( لم يكد يراها ) ( النور : 40 ) .

الأول : أنها دالة على الرؤية بعسر ، أي رأها بعد عسر وبطء لتكاثف الظلم .

[ ص: 122 ] والثاني : أنها زائدة والكلام على النفي المحض ، ونقله عن أكثر المفسرين ، أي لم يرها أصلا ، لأن هذه الظلمات تحول بين العين وبين النظر إلى البدن وسائر المناظر .

والثالث : أنها بمعنى أراد من قوله تعالى : ( كدنا ليوسف ) ( يوسف : 76 ) أي لم يرد أن يراها .

وذكر غيره أن التقدير : إذا أخرج يده ممتحنا لبصره لم يكد يخرجها ، و " يراها " صفة للظلمات ، تقديره : ظلمات بعضها فوق بعض يراها . وأما قوله تعالى : ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى ) ( طه : 15 ) فيحتمل أن المعنى : أريد أخفيها لكي تجزى كل نفس بسعيها . ويجوز أن تكون زائدة أي أخفيها لتجزى .

( وقيل ) : تم الكلام عند قوله : ( آتية أكاد ) والمعنى : أكاد آتي بها ، ثم ابتدأ بقوله : ( أخفيها لتجزى ) . وقرأ سعيد بن جبير ( أكاد أخفيها ) بفتح الألف أي أظهرها ، يقال : أخفيت الشيء إذا سترته وإذا أظهرته .

وقراءة الضم تحتمل الأمرين ، وقراءة الفتح لا تحتمل غير الإظهار ، ومعنى سترتها لأجل الجزاء ; لأنه إذا أخفى وقتها قويت الدواعي على التأهب لها خوف المجيء بغتة .

وأما قوله تعالى : ( يكاد زيتها يضيء ) ( النور : 35 ) فلم يثبت للزيت الضوء ، وإنما أثبت له المقاربة من الضوء قبل أن تمسه النار ، ثم أثبت النور بقوله : ( نور على نور ) ( النور : 35 ) فيؤخذ منه أن النور دون الضوء لا نفسه .

فإن قلت : ظاهره أن المراد : يكاد يضيء ، مسته النار أو لم تمسه ، فيعطي ذلك [ ص: 123 ] أنه مع أن مساس النار لا يضيء ، ولكن يقارب الإضاءة ، لكن الواقع أنه عند المساس يضيء قطعا ، أجيب بأن الواو ليست عاطفة ، وإنما هي للحال ، أي يكاد يضيء ، والحال أنه لم تمسه نار ، فيفهم منه أنها لو مسته لأضاء قطعا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث