الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة

4084 [ ص: 498 ] 58 - باب: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة

4339 - حدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر، وحدثني نعيم، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا. فجعلوا يقولون صبأنا، صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره; فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرناه، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده فقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد". مرتين. [7189 - فتح: 8 \ 56]

التالي السابق


ذكر فيه حديث سالم عن أبيه قال: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فجعلوا يقولون صبأنا .. الحديث.

وقد سلف قبل بدء الخلق واضحا.

قال الداودي: لم ير - عليه السلام - القود في ذلك; لأنه تأول ولم يذكر فيه دية ولا كفارة; فإما أن يكون قبل نزول الآية أو شبه على المحدث، أو سكت عنه; لعلم السامع، وقال الخطابي: إنما نقم - عليه السلام - على خالد في استعجاله بشأنهم وترك التثبت في أمرهم إلى أن يستبرئ المراد من قولهم: صبأنا; لأن الصبأ مقتضاه الخروج من دين إلى دين، يقال: صبأ الرجل فهو صابئ إذا خرج من دين; ولذلك دعا المشركون نبينا

[ ص: 499 ] - صلى الله عليه وسلم - الصابئ، وإنما تأول خالد في قولهم فيما يرى أنه كان مأمورا بقتالهم إلى أن يسلموا، وقولهم: (صبأنا) يحتمل أن يكون معناه: خرجنا من ديننا إلى دين آخر غير الإسلام، فلما لم يصرحوا بالدخول في الإسلام نفذ خالد الأمر الأول في قتالهم إذ لم يجد شريطة حقن الدم بصريح الاسم، ويحتمل أنه إنما لم يكف عنهم من قبل أنه ظن إنما عدلوا عن اسم الإسلام إليه أنفة من الاستسلام والانقياد، فلم ير ذلك القول إقرارا بالدين.

وقد روي أن ثمامة بن أثال لما أسلم دخل مكة معتمرا، فقال له كفار قريش: أصبأت؟ فقال: لا، ولكن أسلمت. وهو مثل حديثه الآخر أنه بعثه - صلى الله عليه وسلم - إلى أناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بنصف الدية ، وإنما كان عذر خالد في هذا; لأن السجود لا تمحض دلالته على قبول الدين; لأن كثيرا من الأمم يعظمون رؤساءهم بالسجود ويظهرون لهم الخضوع بأن يخروا على وجوههم. قال: وفيه دليل أن الكافر إذا لاذ بالصلاة لم يكن ذلك منه إسلاما حتى يصف الدين قولا بلسانه . وقيل: لما قتل الله مسيلمة وقتل خالد بني جذيمة، قال له مالك بن نويرة وكان قد أسلم: ما قال صاحبك في كذا -يعني: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له خالد: وليس

[ ص: 500 ] بصاحبك؟ فأمر به فقتل، فشكي ذلك منهم إلى أبي بكر، وأشار عليه عمر أن يقيد من خالد، فسكت عنه، فلما أكثر عليه، قال له أبو بكر: ليس ذلك عليه، هبه تأول فأخطأ.

وفيه دليل أن مفهوم الخطاب يجري مجرى الخطاب، وأن من تكلم بكلام في معنى كلام الإيمان يريد به الإيمان كان مؤمنا. قاله الداودي; لأنه - عليه السلام - لم يرض بصنع خالد وإنما عذره في ذلك. وقد أسلفنا عن الخطابي أن الكافر إذا لاذ بالصلاة لم يكن ذلك منه إسلاما.

فصل:

أسلفنا هذه السرية عند ابن سعد قبل حنين وأنها في شوال سنة ثمان، قال: وكانوا بأسفل مكة على ليلة ناحية يلملم وهو يوم الغميصاء بعد رجوع خالد من هدم العزى، أرسله - صلى الله عليه وسلم - داعيا إلى الإسلام لا مقاتلا في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فخرجوا إليهم وعليهم السلاح، وكانوا أسلموا وبنوا المساجد وأذنوا وصلوا، فقال: ما هذا السلاح؟ قالوا: ظننا أنكم عدو، فقال: ضعوا السلاح، فوضعوه، فاستأسرهم وقتل منهم، فلما قتلهم أرسل - عليه السلام - عليا يودي لهم قتلاهم وما ذهب منهم . وجذيمة هو ابن عامر بن مناة بن كنانة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث