الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 273 ] النوع التاسع

معرفة المكي والمدني

وما نزل بمكة والمدينة وترتيب ذلك

ومن فوائده معرفة الناسخ والمنسوخ ، والمكي أكثر من المدني .

اعلم أن للناس في ذلك ثلاثة اصطلاحات :

أحدها : أن المكي ما نزل بمكة ، والمدني ما نزل بالمدينة .

[ ص: 274 ] والثاني - وهو المشهور - : أن المكي ما نزل قبل الهجرة وإن كان بالمدينة ، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكة .

والثالث : أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة ، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة ، وعليه يحمل قول ابن مسعود الآتي ; لأن الغالب على أهل مكة الكفر فخوطبوا بـ ( ياأيها الناس ) ، وإن كان غيرهم داخلا فيها ، وكان الغالب على أهل المدينة الإيمان ; فخوطبوا بـ ( ياأيها الذين آمنوا ) ، وإن كان غيرهم داخلا فيهم .

وذكر الماوردي أن " البقرة " مدنية في قول الجميع إلا آية ، وهي : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) ( الآية : 281 ) ، فإنها نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى . انتهى .

ونزولها هناك لا يخرجها عن المدني لاصطلاح الثاني أن ما نزل بعد الهجرة مدني ; سواء كان بالمدينة أو بغيرها .

وقال الماوردي في سورة " النساء " : " هي مدنية ، إلا آية واحدة نزلت في مكة في عثمان بن طلحة حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منه مفاتيح الكعبة ، ويسلمها إلى العباس ، فنزلت : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) ( النساء : 58 ) ، والكلام فيه كما تقدم .

[ ص: 275 ] ومن جملة علاماته : أن كل سورة فيها : ( ياأيها الناس ) ، وليس فيها : ( ياأيها الذين آمنوا ) ، فهي مكية ، وفي " الحج " اختلاف ، وكل سورة فيها ( كلا ) فهي مكية ، وكل سورة فيها حروف المعجم فهي مكية إلا " البقرة " و " آل عمران " ، وفي " الرعد " خلاف ، وكل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى " البقرة " ، وكل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية سوى " العنكبوت " .

وقال هشام عن أبيه : كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهي مدنية ، وكل ما كان فيه ذكر القرون الماضية فهي مكية .

وذكر أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني ، بإسناده إلى يحيى بن سلام قال : " ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فهو من المكي ، وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني ، وما كان من القرآن ( ياأيها الذين آمنوا ) فهو مدني ، وما كان ( ياأيها الناس ) فهو مكي .

[ ص: 276 ] وذكر أيضا بإسناده إلى عروة بن الزبير قال : " ما كان من حد أو فريضة فإنه أنزل بالمدينة ، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه أنزل بمكة " .

وقال الجعبري : لمعرفة المكي والمدني طريقان : سماعي وقياسي ; فالسماعي ما وصل إلينا نزوله بأحدهما ، والقياسي قال علقمة عن عبد الله : " كل سورة فيها ( ياأيها الناس ) فقط أو ( كلا ) أو أولها حروف تهج سوى الزهراوين و " الرعد " في وجه ، أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى فهي مكية ، وكل سورة فيها قصص " الأنبياء " والأمم الخالية مكية ، وكل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية " . انتهى .

وذكر ابن أبي شيبة في " مصنفه " في كتاب " فضائل القرآن " : حدثنا وكيع ، عن [ ص: 277 ] الأعمش ، عن " إبراهيم " عن علقمة قال : كل شيء نزل فيه ( ياأيها الناس ) فهو بمكة ، وكل شيء نزل فيه ( ياأيها الذين آمنوا ) ، فهو بالمدينة " وهذا مرسل قد أسند عن عبد الله بن مسعود ، ورواه الحاكم في " مستدركه " في آخر كتاب الهجرة ، عن يحيى بن معين قال : حدثنا وكيع ، عن أبيه ، عن الأعمش ، وعن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله بن مسعود به .

ورواه البيهقي في أواخر دلائل النبوة ، وكذا رواه البزار في مسنده ، ثم قال : وهذا يرويه غير قيس عن علقمة مرسلا ، ولا نعلم أحدا أسنده إلا قيس . انتهى .

ورواه ابن مردويه في " تفسيره " في سورة " الحج " عن علقمة عن أبيه ، وذكر في آخر الكتاب عن عروة بن الزبير نحوه ، وقد نص على هذا القول جماعة من الأئمة ; منهم أحمد بن حنبل وغيره ، وبه قال كثير من المفسرين ، ونقله عن ابن عباس .

وهذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر ، فإن سورة " البقرة " مدنية ، وفيها : ( ياأيها الناس اعبدوا ربكم ) ( البقرة : 21 ) ، [ ص: 278 ] وفيها : ( ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ) ( الآية : 168 ) ، وسورة " النساء " مدنية ، وفيها : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم ) ( الآية : 1 ) ، وفيها : ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ) ( الآية : 133 ) ، وسورة " الحج " مكية ، وفيها : ( ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ) ( الآية : 77 ) ، فإن أراد المفسرون أن الغالب ذلك فهو صحيح ، ولذا قال مكي : " هذا إنما هو في الأكثر وليس بعام ، وفي كثير من السور المكية ( ياأيها الذين آمنوا ) " . انتهى .

والأقرب تنزيل قول من قال : مكي ومدني ، على أنه خطاب المقصود به - أو جل المقصود به - أهل مكة ( ياأيها الذين آمنوا ) كذلك بالنسبة إلى أهل المدينة .

وفي تفسير الرازي : " عن علقمة والحسن : أن ما في القرآن ( ياأيها الناس ) مكي ، وما كان ( ياأيها الذين آمنوا ) فبالمدينة - وأن القاضي قال - إن كان الرجوع في هذا إلى النقل فمسلم ، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فضعيف ; إذ يجوز خطاب المؤمنين بصفتهم واسمهم وجنسهم ، ويؤمر غير المؤمنين بالعبادة ، كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار عليها والازدياد منها . انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث