الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير

يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير .

كرر الله موعظتهم ودعوتهم بعد أن بين لهم فساد عقائدهم وغرور أنفسهم بيانا لا يدع للمنصف متمسكا بتلك الضلالات ، كما وعظهم ودعاهم آنفا بمثل هذا عقب بيان نقضهم المواثيق . فموقع هذه الآية تكرير لموقع قوله : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب الآيات ، إلا أنه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم هنا بوصف مجيئه على فترة من الرسل ليذكرهم بأن كتبهم مصرحة بمجيء رسول عقب رسلهم ، وليريهم أن مجيئه لم يكن بدعا من الرسل إذ كانوا يجيئون على فتر بينهم . وذكر الرسول هنالك بوصف تبيينه ما يخفونه من الكتاب لأن [ ص: 158 ] ما ذكر قبل الموعظة هنا قد دل على مساواة الرسل في البشرية ومساواة الأمم في الحاجة إلى الرسالة ، وما ذكر قبل الموعظة هنالك إنما كان إنباء بأسرار كتبهم وما يخفون علمه عن الناس لما فيه من مساويهم وسوء سمعتهم . وحذف مفعول " يبين " لظهور أن المراد بيان الشريعة . فالكلام خطاب لأهل الكتاب يتنزل منزلة تأكيد لجملة يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون فلذلك فصلت .

وقوله : على فترة من الرسل حال من ضمير يبين لكم فهو ظرف مستقر ، ويجوز أن يكون ظرفا لغوا متعلقا بـ " جاءكم " . ويجوز تعلقه بفعل " يبين " لأن البيان انقطع في مدة الفترة .

و " على " للاستعلاء المجازي بمعنى ( بعد ) لأن المستعلي يستقر بعد استقرار ما يستعلي هو فوقه ، فشبه استقراره بعده باستعلائه عليه ، فاستعير له الحرف الدال على الاستعلاء .

والفترة : انقطاع عمل ما .

وحرف ( من ) في قوله : من الرسل للابتداء ، أي فترة من الزمن ابتداؤها مدة وجود الرسل ، أي أيام إرسال الرسل .

والمجيء مستعار لأمر الرسول بتبليغ الدين ، فكما سمي الرسول رسولا سمي تبليغه مجيئا تشبيها بمجيء المرسل من أحد إلى آخر .

والمراد بالرسل رسل أهل الكتاب المتعاقبين من عهد موسى إلى المسيح ، أو أريد المسيح خاصة . والفترة بين البعثة وبين رفع المسيح ، كانت نحو خمسمائة وثمانين سنة . وأما غير أهل الكتاب فقد جاءتهم رسل مثل خالد بن سنان وحنظلة بن صفوان .

و أن تقولوا تعليل لقوله : قد جاءكم لبيان بعض الحكم من بعثة [ ص: 159 ] الرسول ، وهي قطع معذرة أهل الكتاب عند مؤاخذتهم في الآخرة ، أو تقريعهم في الدنيا على ما غيروا من شرائعهم ، لئلا يكون من معاذيرهم أنهم اعتادوا تعاقب الرسل لإرشادهم وتجديد الديانة ، فلعلهم أن يعتذروا بأنهم لما مضت عليهم فترة بدون إرسال رسول لم يتجه عليهم ملام فيما أهملوا من شرعهم وأنهم لو جاءهم رسول لاهتدوا . فالمعنى أن تقولوا : ما جاءنا رسول في الفترة بعد موسى أو بعد عيسى . وليس المراد أن يقولوا : ما جاءنا رسول إلينا أصلا ، فإنهم لا يدعون ذلك ، وكيف وقد جاءهم موسى وعيسى . فكان قوله : أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير تعليلا لمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ، ومتعلقا بفعل ما جاءنا . ووجب تقدير لام التعليل قبل ( أن ) وهو تقدير يقتضيه المعنى . ومثل هذا التقدير كثير في حذف حرف الجر قبل ( أن ) حذفا مطردا ، والمقام يعين الحرف المحذوف; فالمحذوف هنا حرف اللام .

ويشكل معنى الآية بأن علة إرسال الرسول إليهم هي انتفاء أن يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير لا إثباته كما هو واضح ، فلماذا لم يقل : أن لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، وقد جاء في القرآن نظائر لهذه الآية ، وفي شعر العرب كقول عمرو بن كلثوم :


فعجلنا القرى أن تشتمونا

أراد أن لا تشتمونا . فاختلف النحويون في تقدير ما به يتقوم المعنى في الآيات وغيرها : فذهب البصريون إلى تقدير اسم يناسب أن يكون مفعولا لأجله لفعل " جاءكم " وقدروه : ( كراهية أن تقولوا ) وعليه درج صاحب الكشاف ومتابعوه من جمهور المفسرين; وذهب الكوفيون إلى تقدير حرف نفي محذوف بعد ( أن ) والتقدير : أن لا تقولوا ، ودرج عليه بعض المفسرين مثل البغوي فيكون من إيجاز الحذف اعتمادا على قرينة السياق والمقام . وزعم ابن هشام في مغني اللبيب أنه تعسف ، وذكر أن بعض النحويين زعم أن من معاني ( أن ) أن تكون بمعنى ( لئلا ) .

[ ص: 160 ] وعندي : أن الذي ألجأ النحويين والمفسرين لهذا التأويل هو البناء على أن ( أن ) تخلص المضارع للاستقبال فتقتضي أن قول أهل الكتاب : ما جاءنا من بشير ولا نذير غير حاصل في حال نزول الآية ، وأنه مقدر حصوله في المستقبل . ويظهر أن إفادة ( أن ) تخليص المضارع للمستقبل إفادة أكثرية وليست بمطردة ، وقد ذهب إلى ذلك أبو حيان وذكر أن أبا بكر الباقلاني ذهب إليه ، بل قد تفيد ( أن ) مجرد المصدرية كقوله تعالى وأن تصوموا خير لكم ، وقول امرئ القيس :


فإما تريني لا أغمض ساعة     من الليل إلا أن أكب وأنعسا

فإنه لا يريد أنه ينعس في المستقبل . وأن صرفها عن إفادة الاستقبال يعتمد على القرائن ، فيكون المعنى هنا أن أهل الكتاب قد قالوا هذا العذر لمن يلومهم مثل الذين اتبعوا الحنيفية ، كأمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل ، أو قاله اليهود لنصارى العرب .

وقوله : فقد جاءكم بشير ونذير الفاء فيه للفصيحة ، وقد ظهر حسن موقعها بما قررت به معنى التعليل ، أي لإن قلتم ذلك فقد بطل قولكم إذ قد جاءكم بشير ونذير . ونظير هذا قول عباس بن الأحنف :


قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا     ثم القفول فقد جئنا خراسـانـا



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث