الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم .

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .

كتاب الحوالة .

والحوالة معاملة صحيحة مستثناة من الدين بالدين ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " مطل الغني ظلم ، وإذا أحيل أحدكم على غني فليستحل " . والنظر في شروطها وفي حكمها .

فمن الشروط : اختلافهم في اعتبار رضا المحال ، والمحال عليه ، فمن الناس من اعتبر رضا المحال ولم يعتبر رضا المحال عليه ، وهو مالك . ومن الناس من اعتبر رضاهما معا; من الناس من لم يعتبر رضا المحال ، واعتبر رضا المحال عليه ، وهو نقيض مذهب مالك ، وبه قال داود .

فمن رأى أنها معاملة اعتبر رضا الصنفين ، ومن أنزل المحال عليه من المحال منزلته من المحيل لم يعتبر رضاه معه كما لا يعتبره مع المحيل إذا طلب منه حقه ولم يحل عليه أحدا . وأما داود : فحجته ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع " . والأمر على الوجوب ، وبقي المحال عليه من الأصل ، وهو اشتراط اعتبار رضاه .

ومن الشروط التي اتفق عليها في الجملة : كون ما على المحال عليه مجانسا لما على المحيل قدرا ووصفا ، إلا أن منهم من أجازها في الذهب والدراهم فقط ، ومنعها في الطعام ، والذين منعوها في ذلك رأوا أنها من باب بيع الطعام قبل أن يستوفى; لأنه باع الطعام الذي كان له على غريمه بالطعام الذي كان عليه ، وذلك قبل أن يستوفيه من غريمه; وأجاز ذلك مالك إذا كان الطعامان كلاهما من قرض إذا كان دين المحال حالا . وأما إن كان أحدهما من سلم فإنه لا يجوز ، إلا أن يكون الدينان حالين; وعند ابن القاسم وغيره [ ص: 639 ] من أصحاب مالك يجوز ذلك إذا كان الدين المحال به حالا; ولم يفرق بين ذلك الشافعي ; لأنه كالبيع في ضمان المستقرض .

وإنما رخص مالك في القرض; لأنه يجوز عنده بيع القرض قبل أن يستوفى . وأما أبو حنيفة : فأجاز الحوالة بالطعام ، وشبهها بالدراهم ، وجعلها خارجة عن الأصول كخروج الحوالة بالدراهم . والمسألة مبنية على أن ما شذ عن الأصول هل يقاس عليه أم لا ؟ والمسألة مشهورة في أصول الفقه .

وللحوالة عند مالك ثلاثة شروط :

أحدها : أن يكون دين المحال حالا; لأنه إن لم يكن حالا كان دينا بدين .

والثاني : أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة; لأنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعا ولم يكن حوالة ، فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع ، وإذا خرج من باب البيع دخله الدين بالدين .

والشرط الثالث : أن لا يكون الدين طعاما من سلم أو أحدهما ، ولم يحل الدين المستحال به على مذهب ابن القاسم ، وإذا كان الطعامان جميعا من سلم فلا تجوز الحوالة بأحدهما على الآخر ، حلت الآجال أو لم تحل ، أو حل أحدهما ولم يحل الآخر; لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى كما قلنا .

لكن أشهب يقول : إن استوت رءوس أموالهما جازت الحوالة وكانت تولية . وابن القاسم لا يقول ذلك كالحال إذا اختلفت ، ويتنزل المحال في الدين الذي أحيل عليه منزلة من أحاله ، ومنزلته في الدين الذي أحاله به ، وذلك فيما يريد أن يأخذ بدله منه أو يبيعه له من غيره ( أعني : أنه لا يجوز له من ذلك إلا ما يجوز له مع الذي أحاله وما يجوز للذي أحال مع الذي أحاله عليه ) .

ومثال ذلك : إن احتال بطعام كان له من قرض في طعام من سلم ، أو بطعام من سلم في طعام من قرض ، لم يجز له أن يبيعه من غيره قبل قبضه منه; لأنه إن كان احتال بطعام كان من قرض في طعام من سلم : نزل منزلة المحيل في أنه لا يجوز له بيع ما على غريمه قبل أن يستوفيه لكونه طعاما من بيع ، وإن كان احتال بطعام من سلم في طعام من قرض : نزل من المحتال عليه منزلته مع من أحاله ( أعني : أنه ما كان يجوز له أن يبيع الطعام الذي كان على غريمه المحيل له قبل أن يستوفيه ، كذلك لا يجوز أن يبيع الطعام الذي أحيل عليه ، وإن كان من قرض ) ، وهذا كله مذهب مالك ، وأدلة هذه الفروق ضعيفة .

وأما أحكامها : فإن جمهور العلماء على أن الحوالة ضد الحمالة في أنه إذا أفلس المحال عليه لم يرجع صاحب الدين على المحيل بشيء . قال مالك ، وأصحابه : إلا أن يكون المحيل غره فأحاله على عديم . وقال أبو حنيفة : يرجع صاحب الدين على المحيل إذا مات المحال عليه مفلسا ، أو جحد الحوالة وإن لم تكن له بينة ، وبه قالشريح ، وعثمان البتي ، وجماعة .

وسبب اختلافهم : مشابهة الحوالة للحمالة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث