الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون

الأمر هنا للإباحة، وقال بعضهم: إنه للندب، وبعض يرى أنه واجب على المؤمن ألا يترك أمرا أباحه الله تعالى تركا مطلقا، ولا يكن قد حرم ذلك على نفسه، والتحريم [ ص: 2336 ] منهي عنه بقوله تعالى: لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم والرأي عندي أن يكون الأمر للإباحة المستحسنة; لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" وقد زكى سبحانه وتعالى الطلب الإباحي أو الندبي بأمور أربعة:

أولها: أنه جعله مما رزقه الله سبحانه وتعالى; وأن الله لا يرزق إلا ما يكون في تناوله خير، ولقد كان بعض التابعين يحرم على نفسه الفالوذج، فرد الحسن ذلك بأن الله تعالى رزقه إذ قال رضي الله تبارك وتعالى عنه: "لعاب النحل بلباب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم".

الأمر الثاني: أن الله وصفه بأن يكون حلالا قد أحله الله تعالى ولم يحرمه، فإن إحلال الله تعالى نوع من ضيافته سبحانه وتعالى على رزقه، وأنى يسوغ لمؤمن أن يرفض ضيافة الله سبحانه وتعالى، فإذا رزقك الله ثوبا حسنا وأباحه لك; لأنه كسب طيب لا خبث فيه، فاعلم أنه هدية الله تعالى أهداها إليك فإن اخترت خشن الثياب بدلا منه فقد رفضت هدية الله تعالى، وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الكبر، وذكر أنه لا يدخل الجنة متكبر، فقال بعض الصحابة: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، فهل هذا من التكبر؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس".

الأمر الثالث: أن الله تعالى وصف الرزق بأن يكون طيبا، والطيب يشمل وصفين: أحدهما: أن يكون طريق كسبه طيبا، لا خبث فيه، فقد يكون الشيء في [ ص: 2337 ] ذاته لم يحرمه الله تعالى، ولم يمنع استعماله، ولكن طريق الحصول عليه كان خبيثا، فالمال الذي اشتراه به كان كسبه خبيثا؛ كأن يكون من ربا أو سحت أو نحو ذلك من أسباب الكسب الخبيث، والوصف الثاني: الذي تشمله كلمة الطيب أن يكون مرغوبا فيه؛ فإن كان طعاما يكون بحيث لا تعافه نفس المتناول، فإن كان كذلك لا يطلب منه أكله; لأن ما تأكله وأنت تشتهيه فقد أكلته، وما تأكله وأنت لا تشتهيه فقد أكلك.

الأمر الرابع: هو أمره سبحانه وتعالى بتقوى الله تعالى، وقد زكى طلب التقوى بارتباطه بالإيمان بالله تعالى؛ إذ قال تعالت كلماته: واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون وجه التزكية ذكر لفظ الجلالة الذي يربي المهابة بالقلوب، وبيان أن الإيمان يقتضي التقوى، وأكد الإيمان بالله بالجملة الاسمية.

والتقوى أن يلاحظ الشخص حق الله تعالى وحق الناس فيما يتناوله من طيبات، وألا يدفعه ذلك إلى الغرور والتعالي، والتفاخر والاستطالة على الناس، وألا يدفعه طلب الحلال إلى نسيان الحمد والشكر، في كل ما يتناوله، ويناله، وأن يقوم بحق الله تعالى، وحق الناس، وأن ينعم بالنعمة، ويصبر إذا أزالها، ويكون من المتقين الصابرين المذكورين في قوله تعالى: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نـزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور

فالنعم تحتاج إلى صبر، وإعطائها حقها من الشكر، والنقم تحتاج إلى صبر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث