الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية على كلام الغزالي وابن رشد في مسألة التركيب

قلت: ما ذكره أبو حامد مستقيم مبطل لقول الفلاسفة، وما ذكره ابن رشد إنما نشأ من جهة ما في اللفظ من الإجمال والاشتراك، وكلامه في ذلك أكثر مغلطة من كلام ابن سينا الذي أقر بفساده وضعفه.

وذلك أن هؤلاء قالوا لأبي حامد والمثبتين: إذا أثبتم ذاتا وصفة وحلولا للصفة بالذات فهو مركب، وكل مركب يحتاج إلى مركب.

قال لهم: «قول القائل: كل مركب يحتاج إلى مركب كقول القائل: كل موجود يحتاج إلى موجد».

ومقصوده بذلك أن هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا ليس معنى كونه مركبا إلا كون الذات موصوفة بصفات قائمة بها، ليس معناه أنه كان هناك شيء متفرق فركبه مركب، بل ولا هناك شيء يقبل التفريق، فإن الكلام إنما هو في إثبات صفات واجب الوجود اللازمة له كالحياة والعلم [ ص: 403 ] والقدرة، وإذا كانت هذه الصفات لازمة للموصوف القديم الواجب الوجود بنفسه، لم يكن أن تفارقه، ولا أن توجد دونه، ولا يوجد إلا بها، فليس هناك شيئان كانا مفترقين فركبهما مركب.

ولفظ المركب في الأصل اسم مفعول لقول القائل: ركبته فهو مركب، كما تقول: فرقته فهو مفرق وجمعته فهو مجمع، وألفته فهو مؤلف، وحركته فهو محرك.

قال الله تعالى: في أي صورة ما شاء ركبك [سورة الانفطار: 8] يقال: ركبت الباب في موضعه.

هذا هو المركب في اللغة، لكن صار في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة يقع على عدة معان غير ما كان مفترقا فاجتمع، كما يقول أحدهم: الجسم إما بسيط، وإما مركب، يعنون بالبسيط الذي تشتبه أجزاؤه كالماء والهواء. وبالمركب ما اختلفت كالإنسان، وقد يقولون: كل جسم مركب من أجزائه، لأن هذا الجزء غير هذا الجزء، وإن كانوا يعتقدون أنه لم يتفرق قط، وأنه لم يزل كذلك، ويتنازعون هل الجسم مركب من الظواهر المنفردة أو من الهيولى والصورة، أم ليس مركبا من واحد منهما؟ مع اتفاقهم على أنه من الأجسام ما لم [ ص: 404 ] تكن أجزاؤه مفترقة فتركبت، وقد يعنون بالمركب المركب من الصفات كما يقولون: الإنسان مركب من الجنس والفصل، وهو الحيوان الناطق، وهاتان الصفتان لم تفارق إحداهما الأخرى، ولا يمكن وجود الناطق إلا مع الحيوان، ولا يمكن وجود حيوان إلا مع ناطق أو ما يقوم مقامه كالصاهل ونحوه.

فأبو حامد وأمثاله خاطبوا هؤلاء بلغتهم في أن الموصوف بصفة لازمة له يسمى مركبا، وقالوا لهم: قلتم: إن مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا يمتنع في الواجب الوجود، فقولهم: إن كل مركب مفتقر إلى مركب مغالطة نشأت من الإجمال في لفظ «مركب» فإنهم لم يسلموا لهم أن هناك تركيبا هو فعل مركب حتى يقال: إن المركب يفتقر إلى مركب، بل هناك ذات موصوفة بصفات لازمة له، فإذا قال القائل: كل موصوف بصفات لازمة له يفتقر إلى مركب ومؤلف يجمع بين الذات والصفات كان قوله باطلا، فقولهم في هذا الموضع: كل مركب يفتقر إلى مركب من هذا الباب.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث