الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ويستفتونك في النساء أي: يطلبون منك تبيين المشكل من الأحكام في النساء، مما يجب لهن وعليهن مطلقا، فإنه - عليه الصلاة والسلام - قد سئل عن أحكام كثيرة مما يتعلق بهن، فما بين فيما سلف أحيل بيانه على ما ورد في ذلك من الكتاب، وما لم يبين بعد بين هنا، وقال غير واحد: إن المراد: يستفتونك في ميراثهن، والقرينة الدالة على ذلك سبب النزول، فقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جبير قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئا، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال والمرأة التي هي كذلك فيرثان كما يرث الرجل؟! فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء فانتظروا، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد، ثم قالوا: سلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئا، كانوا يقولون: لا يغزون ولا يغنمون خيرا، فنزلت.

وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - نحوه وإلى الأول مال شيخ الإسلام.

قل الله يفتيكم فيهن أي: يبين لكم حكمه فيهن، والإفتاء إظهار المشكل على السائل، وفي البحر يقال: أفتاه إفتاء وفتيا وفتوى، وأفتيت فلانا رؤياه عبرتها له.

وما يتلى عليكم في الكتاب في (ما) ثلاثة احتمالات: الرفع والنصب والجر:

وعلى الأول: إما أن تكون مبتدأ والخبر محذوف، أي: وما يتلى عليكم في القرآن يفتيكم ويبين لكم، وإيثار صيغة المضارع للإيذان بدوام التلاوة واستمرارها و(في الكتاب) متعلق بـ(يتلى) أو بمحذوف وقع حالا من المستكن فيه، أي: يتلى كائنا في الكتاب، وإما أن تكون مبتدأ و(في الكتاب) خبره، والمراد بالكتاب حينئذ اللوح المحفوظ، إذ لو أريد به معناه المتبادر لم يكن فيه فائدة إلا أن يتكلف له، والجملة معترضة، مسوقة لبيان عظم شأن المتلو (وما يتلى) [ ص: 160 ] متناول لما تلي وما سيتلى، وإما أن تكون معطوفة على الضمير المستتر في (يفتيكم) وصح ذلك للفصل والجمع بين الحقيقة والمجار، في المجاز العقلي سائغ شائع، فلا يرد أن الله تعالى فاعل حقيقي للفعل، والمتلو فاعل مجازي له، والإسناد إليه من قبيل الإسناد إلى السبب فلا يصح العطف، ونظير ذلك: أغناني زيد وعطاؤه، وإما أن تكون معطوفة على الاسم الجليل، والإيراد أيضا غير وارد، نعم، المتبادر أن هذا العطف من عطف المفرد على المفرد، ويبعده إفراد الضمير كما لا يخفى.

وعلى الثاني: تكون مفعولا لفعل محذوف، أي: ويبين لكم ما يتلى، والجملة إما معطوفة على جملة (يفتيكم) وإما معترضة.

وعلى الثالث: إما أن تكون في محل الجر على القسم المنبئ عن تعظيم المقسم به وتفخيمه، كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب، وإما أن تكون معطوفة على الضمير المجرور، كما نقل عن محمد بن أبي موسى، وما عند البصريين ليس بوحي فيجب اتباعه، نعم، فيه اختلال معنوي لا يكاد يندفع، وإما أن تكون معطوفة على النساء، كما نقله الطبرسي عن بعضهم، ولا يخفى ما فيه.

وقوله سبحانه: في يتامى النساء متعلق بـ(يتلى) في غالب الاحتمالات، أي: ما يتلى عليكم في شأنهن، ومنعوا ذلك على تقدير كون (ما) مبتدأ و(في الكتاب) خبره لما يلزم عليه من الفصل بالخبر بين أجزاء الصلة، وكذا على تقدير القسم، إذ لا معنى لتقييده بالمتلو بذلك ظاهرا، وجوزوا أن يكون بدلا من (فيهن) وأن يكون صلة أخرى لـ(يفتيكم) ومتى لزم تعلق حرفي جر بشيء واحد بدون اتباع يدفع بالتزام كونهما ليسا بمعنى، والممنوع تعلقهما كذلك إذا كانا بمعنى واحد.

وفي الثاني هنا سببية كما في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن امرأة دخلت النار في هرة» فالكلام إذا مثل (جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد) أي: بسببه، وإضافة اليتامى إلى النساء بمعنى من؛ لأنها إضافة الشيء إلى جنسه، وجعلها أبو حيان بمعنى اللام، ومعناها الاختصاص، وادعى أنه الأظهر وليس بشيء، كما قال الحلبي وغيره.

وقرئ (ييامى) بياءين على أنه جمع (أيم) والعرب تبدل الهمزة ياء كثيرا.

اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن أي: ما فرض لهن من الميراث وغيره على ما اختاره شيخ الإسلام، أو ما فرض لهن من الميراث فقط على ما روي عن ابن عباس، وابن جبير ومجاهد - رضي الله تعالى عنه - واختاره الطبري، أو ما وجب لهن من الصداق على ما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - واختاره الجبائي، وقيل: ما كتب لهن من النكاح؛ فإن الأولياء كانوا يمنعوهن من التزوج.

وروي ذلك عن الحسن، وقتادة، والسدي، وإبراهيم وترغبون عطف على صلة التي، أو على المنفي وحده، وجوز أن يكون حالا من فاعل تؤتونهن فإن قلنا بجواز اقتران الجملة المضارعية الحالية بالواو: فظاهر، وإذا قلنا بعدم الجواز: التزم تقدير مبتدأ، أي: وأنتم ترغبون أن تنكحوهن أي: في أن تنكحوهن، فإن أولياء اليتامى كما ورد في غير ما خبر كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات، ويأكلون مالهن، وإلا كانوا يعضلوهن طمعا في ميراثهن، وحذف الجار هنا لا يعد لبسا، بل إجمال، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل، واستدل بعض أصحابنا بالآية على جواز تزويج اليتيمة؛ لأنه ذكر الرغبة في نكاحها فاقتضى جوازه، والشافعية يقولون: إنه إنما ذكر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم، فلا دلالة فيها على ذلك، مع أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها فعله في حال الصغر، وهذا الخلاف في غير الأب والجد وأما هما فيجوز لهما تزويج الصغير بلا خلاف.

والمستضعفين من الولدان [ ص: 161 ] عطف على يتامى النساء وكانوا لا يورثونهم كما لا يورثون كما تقدم آنفا.

وأن تقوموا لليتامى بالقسط عطف على ما قبله، وإن جعل (في يتامى) بدلا فالوجه النصب في هذا و(المستضعفين) عطفا على محل (فيهن) ومنعوا العطف على البدل، بناء على أن المراد بالمستضعفين الصغار مطلقا، الذين منعوهم عن الميراث ولو ذكورا، ولو عطف على البدل لكان بدلا ولا يصح فيه غير بدل الغلط، وهو لا يقع في فصيح الكلام، وجوز في (أن تقوموا) الرفع على أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: خير ونحوه، والنصب بإضمار فعل أي: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأئمة أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم، أو للأولياء والأوصياء بالنصفة في حقهم.

وما تفعلوا في حقوق المذكورين من خير حسبما أمرتم به، أو ما تفعلوه من خير على الإطلاق ويندرج فيه ما يتعلق بهؤلاء اندراجا أوليا.

فإن الله كان به عليما فيجازيكم عليه، واقتصر على الخير؛ لأنه الذي رغب فيه، وفي ذلك إشارة إلى أن الشر مما لا ينبغي أن يقع منهم أو يخطر ببال

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث