الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفطرة والمعقول يثبتان صفات الله

وهذا هو المعقول في فطر الناس ، فإذا قالوا : فلان عديم المثل ، أو قد أصبح ولا مثل له في الناس ، أو ما له شبيه ولا من يكافيه ، فإنما يريدون بذلك أنه تفرد من الصفات والأفعال والمجد بما لا يلحقه فيه غيره ، فصار واحدا في الجنس لا مثيل له ، ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده لكان ذلك عندهم غاية الذم والنقص له ، فإذا أطلقوا ذلك في سياق المدح والثناء لم يشك عاقل في أنه إنما أراد كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه التي لها حقائق تحمل عليها ، فهل يقول عاقل لمن لا قدرة له ولا علم ولا بصر ولا يتصرف بنفسه ، ولا يفعل شيئا ولا يتكلم ، ولا له وجه ، ولا يد ولا قوة ، ولا فضيلة من الفضائل : إنه لا شبه له ولا مثل له ; وأنه وحيد دهره وفريد عصره ونسيج وحده ؟ وهل فطر الله الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك ؟ وهل كان رب العالمين أهل الثناء والمجد إلا بأوصاف كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه الحسنى ؟ وإلا فماذا يثني عليه المثنون ؟ ولأي شيء يقول أعرف الخلق به : " لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " ؟ ومعلوم أن هذا الثناء الذي أخبر أنه لا يحصيه لو كان بالنفي لكان هؤلاء أعلم به منه وأشد إحصاء له ، فإنهم نفوا عنه حقائق الأسماء والصفات نفيا مفصلا ، وذلك يحصيه المحصي بلا كلفة ولا تعب ، وقد فصله النفاة وأحصوه وحصروه ، يوضحه :

الوجه الرابع والثلاثون : أن الله سبحانه لما نفى عن نفسه ما يناقض الإثبات ويضاد ثبوت الصفات والأفعال فلم يبق الأمر عدميا أو ما يستلزم العدم ، كنفي السنة والنوم المستلزم لعدم كمال الحياة والقيومية ، ونفي العزوب والخفاء المستلزم لنفي كمال القدرة ، ونفي الظلم المستلزم لعدم كمال الغنى والعدل ، ونفي الشريك والظهير والشفيع المتقدم بالشفاعة المستلزم لعدم كمال الغنى والقهر والملك ، ونفي الشبيه والمثيل والكفء المستلزم لعدم الكمال المطلق ، ونفي إدراك الأبصار له وإحاطة العلم به المستلزمين لعدم كمال عظمته وكبريائه وسعته وإحاطته ، وكذلك نفي الحاجة والأكل [ ص: 163 ] والشرب عنه سبحانه ; لاستلزام ذلك عدم كمال غناه ، وإذا كان نفى عن نفسه العدم أو ما يستلزم العدم علم أنه أحق بكل وجود وثبوت لا يستلزم عدما ولا نقصا .

وهذا هو الذي دل عليه صريح العقل ، فإنه سبحانه له الوجود الدائم القديم الواجب بنفسه الذي لم يستفده من غيره ، ووجود كل موجود مفتقر إليه ، ومتوقف في تحقيقه عليه ، والوجود كمال كله ، والعدم نقص كله ، فإن العدم كاسمه لا شيء ، فعاد النفي الصحيح إلى نفي المماثلة في الكمال ، وعاد الأمران إلى نفي النقص ، وحقيقة ذلك نفي العدم وما يستلزم نفي العدم ، فتأمل هل نفى القرآن والسنة عنه سبحانه سوى ذلك ؟ وتأمل هل ينفي العقل الصحيح غير ذلك ؟ وهو سبحانه قد وصف نفسه بأنه لم يكن له كفوا أحد بعد وصفه نفسه بأنه الصمد ، والصمد : السيد الذي كمل في سؤدده ، ولهذا كانت العرب تسمي أشرافها بهذا الاسم لكثرة الأوصاف المحمودة للمسمى به ، قال شاعرهم :


ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد

فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة ، وذلك لكثرة خصال الخير فيه ، لهذا قال جمهور السلف ، منهم : ابن عباس : الصمد : الذي كمل سؤدده ، وهو العالم الذي كمل علمه ، القادر الذي كملت قدرته ، الحليم الذي كمل حلمه ، الرحيم الذي كملت رحمته ، الجواد الذي كمل جوده ، ومن قال : إنه الذي لا جوف له فقوله لا يناقض هذا التفسير ، فإن ما لم يكن أحد كفوا له لما كان صمدا كاملا في صمدانيته ، فلو لم يكن له صفات كمال ونعوت جلال ، ولم يكن له علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا يقوم به فعل ، ولا يفعل شيئا البتة ، ولا حياة له ولا إرادة ولا كلام ولا وجه ولا يد ، ولا هو فوق عرشه ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض ، ولا هو فاعل لما يريد ، ولا يرى ولا يمكن أن يرى ، ولا يشار إليه ولا يمكن أن يشار إليه ، لكان العدم المحض كفوا له ، فإن هذه الصفة منطبقة على المعدوم ، فلو كان ما يقوله المعطلون هو الحق لم يكن صمدا وكان العدم كفوا له .

وكذلك قوله : ( رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ) فأخبر أنه لا سمي له عقب قول العارفين به : ( وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ) .

[ ص: 164 ] فهذا الرب الذي له هذا الجند العظيم ولا يتنزلون إلا بأمره ، وهو المالك ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك ، وهو الذي كملت قدرته وسلطانه وملكه وكمل علمه ، فلا ينسى شيئا أبدا ، وهو القائم بتدبير السماوات والأرض وما بينهما ، كما هو الخالق لذلك كله ، وهو ربه ومليكه ، فهذا الرب هو الذي لا سمي له لتفرده بكمال هذه الصفات والأفعال ، فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق لأسمائه ، إن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني ، فالعدم سمي له .

وكذلك قوله سبحانه : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) فإنه سبحانه ذكر ذلك عقب ذكر كمال أوصافه فقال : ( حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ) إلى قوله : ( فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .

فهذا الموصوف بهذه الصفات والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية ، وإحياء الموتى والقدرة التامة الشاملة ، والحكم بين عباده ، وكونه فاطر السماوات والأرض وهو السميع البصير ، فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله ، وثبوتها على وجه الكمال لا يماثله فيه شيء ، فالمثبت لصفات كماله هو الذي يصفه أنه ليس كمثله شيء ، وأما المعطل النافي لصفاته وحقائق أسمائه فإن وصفه بأنه كمثله شيء مجاز لا حقيقة له ، كما يقول في سائر أوصافه وأسمائه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث