الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 392 ] الفصل الثاني

في تعريف الابتداء وما يلزم فيه

الابتداء في عرف القراء هو الشروع في القراءة بعد قطع أو وقف، فإذا كان بعد القطع فيتقدمه الاستعاذة ثم البسملة إذا كان الابتداء من أوائل السور، وإذا كان من أثنائها فللقارئ التخيير في الإتيان بالبسملة أو عدم الإتيان بها بعد الاستعاذة، كما سيأتي بيان ذلك قريبا في بابي الاستعاذة والبسملة، وكما سيأتي في تعريف القطع في الفصل التالي أيضا.

وأما إذا كان الابتداء بعد الوقف فلا يتقدمه الاستعاذة ولا البسملة؛ لأن القارئ في هذه الحال يعتبر مستمرا في قراءته، وإنما وقف ليريح نفسه، ثم يستأنف القراءة، كما تقدم في معنى الوقف.

أما إذا كان مستمرا في قراءته إلى أن وصل إلى آخر السورة، ثم قصد الشروع في السورة التالية - فيبسمل لمن له البسملة كحفص، كما هو مقرر.

هذا، ويطلب من القارئ حال الابتداء ما يطلب منه حال الوقف، فلا يكون الابتداء إلا بكلام مستقل، موف بالمقصود، غير مرتبط بما قبله في المعنى؛ لكونه مختارا فيه، بخلاف الوقف، فقد يكون مضطرا إليه، وتدعوه الحاجة إلى أن يقف في موضع لا يجوز الوقف عليه كما تقدم توضيحه.

وعليه، فلا يجوز أن يبتدئ بالفاعل دون فعله، ولا بالوصف دون موصوفه، ولا باسم الإشارة دون المشار إليه، ولا بالخبر دون المبتدأ، ولا بالحال دون صاحبها، ولا بالمعطوف عليه دون المعطوف، ولا بالبدل دون المبدل منه، ولا بالمضاف دون المضاف إليه، ولا بخبر كان وإن وأخواتهما دون كان وإن وأسمائهما، وهكذا إلى آخر المتعلقات.

وقصارى القول أنه لا يبتدأ بالمعمول دون عامله، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الابتداء في كل ما ذكرناه برؤوس الآي فإنه يجوز حينئذ لما تقدم.

وقد أحسن الحافظ ابن الجزري حيث ذكر في النشر قاعدة فيما يبتدأ به، فقال رحمه الله تعالى: [ ص: 393 ] "كل ما أجازوا الوقف عليه أجازوا الابتداء بما بعده" اهـ منه بلفظه.

هذا، وتتفاوت مراتب الابتداء كتفاوت مراتب الوقف في التمام والكفاية والحسن والقبح بحسب تمام الكلام وعدمه وفساد المعنى بإحالته إلى معنى غير مقصود.

فإذا كان الابتداء بكلام غير مستقل في معناه بسبب تعلقه بما قبله لفظا ومعنى في غير رؤوس الآي كان الابتداء قبيحا، مثله مثل الوقف القبيح، بل ويتفاوت في القبح، كما لو وقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا [الأحزاب: 12] فإن ابتدأ من لفظ الجلالة كان الابتداء قبيحا، وإن ابتدأ من "وعدنا" كان أقبح منه، وإن ابتدأ من "ما وعدنا" كان أقبح منهما.

وقد يكون الابتداء أشد قبحا من الوقف، كما لو وقف على لفظ "قالوا" في قوله تعالى: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء [آل عمران : 181] " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم " [المائدة: 17، 72] لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة [المائدة: 73] وابتدأ من "إن الله" في الآيات الثلاث، بل يكون الوقف على لفظ "أغنياء" في الآية الأولى، وعلى لفظ "مريم" في الآية الثانية، وعلى لفظ "ثلاثة" في الآية الثالثة، والابتداء يكون بما بعد هذه الألفاظ الثلاثة الموقوف عليها.

ومثل ذلك لو وقف على لفظي "اليهود والنصارى" في قوله تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا [المائدة: 64] وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم [التوبة: 30] وابتدأ من "يد الله" في الآية الأولى و"عزير ابن" و"المسيح ابن" في الآية الثانية، بل يكون الوقف على لفظ "مغلولة" في الآية الأولى، وعلى لفظ الجلالة الثاني في الآية الثانية.

وكذلك لو [ ص: 394 ] وقف على "من خالق" في قوله تعالى: هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو [فاطر: 3] وابتدأ من لفظ "غير" ومثله الوقف على "وما لي" في قوله تعالى: وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون [يس: 22] وابتدأ من لفظ "لا أعبد" فكل هذا وما ماثله قبيح في الابتداء لما فيه من سوء الأدب مع الله تبارك وتعالى، وإحالة المعنى إلى معنى آخر لا يمكن التفوه به مطلقا.

فالحذر الحذر من البدء بمثل هذا ونظائره مما لم نذكره اكتفاء بذكر مثيله، وليتدبر القارئ القرآن، وليع معانيه ودلالاته، وليعلم أنه كلام الله، فلا يجوز أن يطوعه لهواه، وليتق الله ربه؛ فإن تقوى الله خير زاد، وأفضل مستفاد، والله المستعان.

تنبيهان:

الأول: بخصوص الابتداء من أول بعض الأجزاء والأرباع والأحزاب.

درج كثير من القراء على التسامح في البدء من أول الأجزاء أو الأحزاب أو الأرباع التي في أثناء السور مهما كان تعلقها بما قبلها من حيث المعنى.

فأما الأجزاء المتعلقة بما قبلها في المعنى فنحو قوله تعالى: ولو أننا نـزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله [الأنعام: 111] الآية، وقوله سبحانه: قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا [الأعراف: 88] الآية، وقوله عز شأنه: قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا [الكهف: 75] ونظائره.

وأما الأحزاب فكقوله تعالى: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم [الأعراف: 171] الآية، وقوله سبحانه: قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون [الشعراء: 111] وقوله [ ص: 395 ] عز من قائل: فنبذناه بالعراء وهو سقيم [الصافات: 145].

وأما الأرباع فكثيرة، منها قوله تعالى: ليسوا سواء [آل عمران : 113] وقوله تعالى: ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين [الأنبياء: 29] وقوله جل جلاله: وعندهم قاصرات الطرف أتراب [ص: 52] ولم أر لهم دليلا يحسن التعلق به أو يصلح للتعويل عليه بخلاف ما تمسكوا به من أن هذه الآيات الكريمة وقعت في مستهل هذه الأجزاء أو الأحزاب أو الأرباع التي وردت فيها، وهذا غير كاف وغير شاف، ومثله لا ينهض لتبرير الابتداء بهذه المواضع ونحوها، ولا قطع القراءة دونها؛ لأن هذا الابتداء يقصر عن إبلاغ المستمع معنى بينا تاما لتعلق معنى الآيات بما تقدمها من سياقها الذي فصلت عنه أو بدئ به دونه، ولأن هذا القطع إنقاص لحد البلاغ الذي يشتمل عليه نص التنزيل ذو الموضوع الواحد، وكلاهما تحكم في نصوص التنزيل بغير مسوغ وبغير دليل، مع أن هذه الأجزاء والأحزاب والأرباع المعنية اجتهادية لا توقيفية، وليس فيها خبر صحيح من حديث نبوي، ولا أثر صريح عن صحابي أو تابعي، وإنما هي من قبيل الاجتهاد الذي يقال فيه: إن عدم المراد لا يمنع الإيراد.

ولو أن الذي يقطع قراءته دون قوله تعالى: ولو أننا نـزلنا إليهم الملائكة [الأنعام: 111] الآية وقف بها عند منتهى قوله تعالى: وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون [الأنعام: 105] فيكون استفتاحه فيما بعد إذا هو عاد إلى التلاوة أن يستهل تلاوته بقوله تعالى: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين [الأنعام: 106] لكان ذلك حسنا، ولكان [ ص: 396 ] جميلا، ولو أنه قطعها دون ذلك عند آخر قوله تعالى: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير [الأنعام: 103] ليكون استهلاله حين يعود إلى التلاوة بقوله تعالى: قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ [الأنعام: 104] لكان ذلك أحسن وأجدر وأجمل وأكمل. هذا إذا أراد القارئ القطع دون قوله تعالى: ولو أننا نـزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون [الأنعام: 111].

وأما إن كان يريد تجاوز هذا الموضع فماذا عليه لو قطع قراءته دون قوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنـزل إليكم الكتاب مفصلا [الأنعام: 114] الآية، أو انتهى إلى هذه الآية فقطع قراءته دون قوله سبحانه: وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم [الأنعام: 115] أو قرأ هذه أيضا ليكون استهلاله فيما بعد بقوله جل وعلا: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون [الأنعام: 116] فكل ذلك صحيح ومليح، لا خلاف على حسنه؛ لانقطاعه عن الكلام بعد تمام معناه، وبلوغه في التأثير في نفس القارئ والمستمع إلى منتهاه.

ولو أن الذي يقطع قراءته عند قوله تعالى أول الجزء التاسع: قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا [الأعراف: 88] الآية، أو يفتح قراءته به قطع دون قوله سبحانه: وإلى مدين أخاهم شعيبا [الأعراف: 85] الآية، أو وصل قراءته إلى قوله تعالى في نهاية قصة سيدنا شعيب فكيف آسى على قوم كافرين [الأعراف: 93] - لكان ذلك أقوم قيلا، وأهدى سبيلا.

[ ص: 397 ] ولو أن الذي يقطع قراءته عند قوله تعالى أول الجزء السادس عشر في المصحف الكريم: قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا [الكهف: 75] أو يستفتح به القراءة قطع دون قوله تعالى: وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا [الكهف: 60] في مفتتح ذكر القصة، أو بلغ بقراءته إلى نهايتها، فيجعل استفتاحه للتالية قوله تعالى: ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا [الكهف: 83] لكان خيرا وأقوم وأرعى لآيات القرآن وأحكم.

وبالمثل لا ينفك يراعي في الأحزاب ما راعاه في الأجزاء، فلا يستفتح بقوله سبحانه: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم [الأعراف: 171] الآية، ولا يقطع دونه مباشرة، بل يقطع عقب قوله تعالى: واتبعوه لعلكم تهتدون [الأعراف: 158] فيكون مستأنفه فيما بعد قوله تعالى: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [الأعراف: 159] أو ليتجاوز الآية الكريمة: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة [الأعراف: 171] إلى آخر الآية، فيقف عند منتهاها، فتكون بدايته من بعد بقوله عز شأنه: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين [الأعراف: 172] وهذا معنى مستأنف، لا يتوقف فهمه على ما سبقه من الآيات، ويحسن البدء به في كل الحالات.

كذلك لا يستفتح بقوله سبحانه: قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون [الشعراء: 111] ولا يقطع دونه، بل يقطع دون قوله تعالى: كذبت قوم نوح المرسلين [الشعراء: 105] ليبدأ به إذا [ ص: 398 ] شرع بعد في التلاوة، أو يتجاوزه إلى قوله تعالى في نهاية قصة سيدنا نوح عليه السلام: إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم [الشعراء: 121 - 122] ليكون دوره قوله سبحانه: كذبت عاد المرسلين [الشعراء: 123].

وكذلك لا يستفتح بقوله سبحانه: فنبذناه بالعراء وهو سقيم [الصافات: 145] ولا يقطع دونه، بل يقطع دون قوله تعالى: وإن يونس لمن المرسلين [الصافات: 139] ليبدأ به إذا أخذ ثانية في التلاوة، أو ليبلغ به إلى خاتمة قصة سيدنا يونس، فلا يقطع دون أن يقرأ قوله تعالى: فآمنوا فمتعناهم إلى حين [الصافات: 148] ليستوفي ذكر القصة في موضع واحد، فتحصل بها الموعظة، ويتم بها التذكير بما فيه من إنذار وتبشير.

وكذلك لا يزال القارئ الكريم لآي الذكر الحكيم يعتبر في الأرباع ما اعتبره في الأحزاب والأجزاء، فلا يقطع تلاوته دون قوله تعالى: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون [آل عمران : 113] ليبدأ به بعد ذلك، فيفصله عما سبقه من كلام الله المتمم لمعناه، وإنما اللائق بجلال القرآن الملائم لمعاني الفرقان أن يقطع دون قوله عز من قائل: ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور [آل عمران : 109] من قبل ذلك أو دون قوله سبحانه: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [آل عمران : 116] من بعد ذلك ليبدأ من بعد بأي هذين الموضعين انتهى إليه، ووقف عليه.

ولا يقطع تلاوته دون قوله جلا وعلا: ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين [الأنبياء: 29] مباشرة، بل عليه أن يضيف هذه الآية [ ص: 399 ] إلى ما تقدمها، فيقف عند منتهاها لا دون مبتداها، كما قد يفعله الكثيرون، وإلا فعليه ألا يتجاوز قول رب العالمين: أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون [الأنبياء: 24] على رأس الآية الرابعة والعشرين ليحسن له الابتداء بما بعدها حسنا بالغا للغاية، بيقين لا تخمين في ولا تظنين.

ولا يقطع تلاوته دون قوله في محكم آي الكتاب وعندهم قاصرات الطرف أتراب [ص: 52] وليقطع دون قول العزيز الوهاب: هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب [ص: 49] ليستهل به من بعد التلاوة قراءة حلاوة وطلاوة، أو ليبلغ بتلاوته نهاية ذكر خبر أهل الجنة من سورة ص في قوله تعالى: إن هذا لرزقنا ما له من نفاد [ص: 54].

ليت قارئنا الأغر، وطالبنا الزكي الأبر - يفعل ذلك ... وليته إذ يقرأ القرآن الكريم العظيم الحكيم يقرؤه بتدبر في خشوع على بصيرة، فيصل ما أمر الله به أن يوصل من كلماته وآياته ومبانيه ومعانيه؛ فإنه أجدر به وأجدى له، وإنه لأعظم له في الأجر، وأرضى له في الذخر، وأطيب له في الزاد يوم النفاد ويوم المعاد ... والله ولي التوفيق، والهادي لأقوم طريق.

وبعد هذا الذي أفضنا لك فيه، ووسعناه بالتفهيم والتنبيه مما ينبغي التفطن له حال التلاوة والأداء من عموم القراء - ندع المقام للعلامة الكبير الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي - رحمه الله - فإنه قد سبق في بيان ذلك الذي نبهنا عليه، وأشار إليه فأفاد وأجاد.

قال رحمه الله تعالى في كتابه (التبيان في أدب حملة القرآن) ما نصه:

"فصل": ينبغي للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أو وقف على غير آخرها أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض، وأن يقف على الكلام المرتبط، ولا يتقيد بالأعشار والأجزاء؛ فإنها قد تكون في وسط الكلام المرتبط كالجزء الذي في قوله تعالى: والمحصنات من النساء [النساء: 24] وفي قوله: [ ص: 400 ] وما أبرئ نفسي [يوسف: 53] وفي قوله تعالى: فما كان جواب قومه [النمل: 56] وقوله تعالى: ومن يقنت منكن لله ورسوله [الأحزاب: 31] وفي وقوله تعالى: وما أنـزلنا على قومه من بعده من جند من السماء [يس: 28] وفي قوله تعالى: إليه يرد علم الساعة [فصلت: 47] وفي قوله تعالى: وبدا لهم سيئات ما عملوا [الجاثية: 33] وفي قوله تعالى: قال فما خطبكم أيها المرسلون [الذاريات: 31] وكذلك الأحزاب كقوله تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات [البقرة: 203] وقوله تعالى: قل أأنبئكم بخير من ذلكم [آل عمران : 15].

فكل هذا وشبهه ينبغي ألا يبتدأ به ولا يوقف عليه؛ فإنه متعلق بما قبله ولا يغترن بكثرة الغافلين له من القراء الذين لا يراعون هذه الآداب، ولا يفكرون في هذه المعاني.

وامتثل ما روى الحاكم أبو عبد الله بإسناده عن السيد الجليل الفضيل بن عياض - رضي الله عنه - قال: "لا تستوحشن طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغترن بكثرة الهالكين، ولا يضرك قلة السالكين" ولهذا المعنى قالت العلماء: "قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة بعض سورة طويلة بقدر القصيرة" فإنه قد يخفى الارتباط على بعض الناس في بعض الأحوال.

وقد روى ابن أبي داود بإسناده عن عبد الله بن الهذيل التابعي المعروف - رضي الله عنه - قال: "كانوا يكرهون أن يقرأوا بعض الآية ويتركوا بعضها". اهـ منه بلفظه.

[ ص: 401 ] فهذا الذي ذكره الإمام النووي - رحمه الله تعالى - مع أنه من الإيجاز بمكان إلا أنه في غاية الوضوح والبيان، وليس على القارئ إلا أن يراعي في هذه المواضع التي عددها الإمام النووي للاستشهاد مثل الذي ضربنا له الأمثال من الاعتبارات بالاستطراد، وليقس القارئ ما ذكره الإمام النووي وذكرناه على ما لم نذكره جميعا في سائر المصحف الشريف، فلا يقطع التلاوة إلا على معنى تام يحسن الاستئناف بما بعده على حدة، وليجعل رائده في كل ذلك توخي الوفاء بالمعنى المراد ما استطاع في البدء والمنتهى، فهو أحجى لأولي النهى، وإنه ليثاب على نيته هذه متى توخاه، والله يتولى الجميع بهداه، ويوفقهم لما يرضاه.

التنبيه الثاني: في بيان وجوب الابتداء بلفظ "الذي والذين" في مواضع خاصة في القرآن الكريم ، وكنا قد وعدنا بذكرها في فصل تعريف الابتداء وما يلزم فيه، ووفاء بالوعد نقول:

قال الإمام بدر الدين الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن" ما نصه: "قاعدة" في الذي والذين في القرآن:

جميع ما في القرآن من "الذي" و"الذين" يجوز فيه الوصل بما قبله نعتا له والقطع على أنه خبر مبتدأ، إلا في سبعة مواضع فإن الابتداء بها هو المعين:

الأول: قوله: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته [البقرة: 121].

الثاني: قوله: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146].

الثالث: في الأنعام كذلك.

الرابع: قوله: الذين يأكلون الربا لا يقومون [البقرة: 275].

الخامس: قوله في سورة التوبة: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله [الآية: 20].

[ ص: 402 ] السادس: قوله في سورة الفرقان: الذين يحشرون على وجوههم [الآية: 34].

السابع: قوله في سورة حم المؤمن: أنهم أصحاب النار الذين يحملون العرش ومن حوله [الآيتان: 6 - 7].

وقال الزمخشري في تفسير سورة الناس: يجوز أن يقف القارئ على الموصوف ويبتدئ الذي يوسوس [الناس: 5] إن جعله على القطع بالرفع والنصب بخلاف ما إذا جعله صفة. اهـ منه بلفظه.

قلت: وذكر هذه القاعدة أيضا الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" مع ذكره لكلام الزمخشري أيضا.

وكذلك ذكرها العلامة الأشموني في كتابه "منار الهدى في بيان الوقف والابتدا" إلا أنه أسقط موضع سورة الأنعام وهو قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [الآية: 20] وهو سهو منه - رحمه الله تعالى - ثم قال بعد ذكر هذه المواضع: لا يجوز وصلها بما قبلها؛ لأنه يوقع في محظور كما بين فيما تقدم. اهـ منه بلفظه.

قلت: والمحظور الذي عناه العلامة الأشموني لم يبينه في المواضع كلها [ ص: 403 ] كما يؤخذ من عبارته، بل بينه في موضعين اثنين، وهما موضعا سورة التوبة وغافر، على أن توضيحه للمحظور في هذين الموضعين كان توضيحا خفيفا مع كلمات أخرى ليست من باب "الذي" و"الذين".

وها نحن أولاء نفسر لك ما أجمله العلامة الأشموني بتوضيح المحظور الذي عناه في المواضع كلها بمشيئة الله تعالى.

أما الموضع الأول: فالكلام فيه مستأنف ولا تعلق له بما قبله لفظا ولا معنى؛ إذ ما قبله جملة شرطية تم الكلام فيها بذكر جواب الشرط، وذلك في قوله تعالى: ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير [البقرة: 120] والذي بعده وهو قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته [البقرة: 121] واقع موقع المبتدأ الموصوف بقوله: "يتلونه حق تلاوته" والمخبر عنه بقوله: أولئك يؤمنون به [البقرة: 121] والمبتدأ إنما سمي مبتدأ لابتداء الكلام به، فعدم البدء به محظور، لكنه محظور صناعي؛ لأن مقتضى صنعة الكلام أن يبتدأ بالمبتدأ كما هو مذكور في مواضعه في كتب اللغة.

وأما الموضع الثاني: فإن الوصل فيه بجعل جملة الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146] صفة لـ الظالمين [البقرة: 145] فاصلة الآية الكريمة ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين [البقرة: 145] فيوهم معنى غير مراد؛ إذ يظن منه أن الذين يعرفون النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يعرفون أبناءهم من الذين آتاهم الله تعالى الكتاب جميعا ظالمون - وليس كذلك - فقد قال القرآن الكريم: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون [البقرة: 146] فالفريق الكاتم وحده هو الفريق الظالم، وما خلاه [ ص: 404 ] ممن عرف فلم ينكر، وعلم فعمل، وآمن وصدق - فلا يدخل معه فيما اتصف به، كما يظهر للمتأمل، فتعين الاستئناف به؛ لكون الوصل محظورا شرعا لإيهام معنى فاسد غير مراد. هذا في موضع البقرة.

وأما في موضع الأنعام وهو الموضع الثالث وهو قوله سبحانه: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [الأنعام: 20] فيتعين الاستئناف بالموصول فيه؛ لأنه مستأنف، ولأنه ليس مفعولا للفعل الذي تقدمه فاصلة للآية السابقة عليه التي هي قوله تعالى: وإنني بريء مما تشركون [الأنعام: 19] من حيث إن أولئك المشركين لم يشركوا المذكورين في الآية التي بعد هذه، فالمحظور هنا محظور شرعي كالذي تقدمه، وصناعي أيضا؛ لأن الاسم الموصول واقع موقع المبتدأ، فحقه الابتداء به كما تقدم. وهذا من الوضوح بمكان.

وأما الموضع الرابع: فإن الله تبارك وتعالى يقول: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 274] في مدح الإنفاق في سبيله على الصفة التي جاء ذكرها فيه، وأثنى على أهله ووعدهم عليه جزاء الحسنى، ثم إن الآية التالية للآية المتضمنة لذلك وهي قوله سبحانه: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس [البقرة: 275] ليست صفة للمتقدم ذكرهم في الآية السابقة، وإنما هو معنى مستأنف لحال أخرى مناقضة لحال أولئك الصلحاء الأخيار، ولا تعلق لها بها إلا على أن ما فيها من الصورة الوصفية لحال المرابين ضد تزداد به الصورة الوصفية لأولئك المنفقين وضوحا وجلاء، فيظهر حسن أثر العمل الصالح وسوء أثر العمل الطالح، ويكتمل فيها جانبا البلاغ من تبشير وإنذار أيما اكتمال.

والوصل موهم معنى غير مراد شرعا للمنافاة بين البابين: أحدهما ممدوح [ ص: 405 ] والآخر مقدوح، فالوصل محظور شرعا وصناعة معا، والله أعلم.

وكذا الموضع الخامس، وهو بين لا يحتاج إلى تطويل؛ لأن تعين البدء بالموصول مدرأة لفساد المعنى الناتج عن الوصل في قوله تعالى: والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله [التوبة: 19 - 20] فالوصل فيه محظور شرعا وصناعة أيضا؛ لإيهامه معنى غير مراد؛ إذ لا يصح بحال أن يوصف الظالمون بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله بالمال والنفس، فتأمل.

وأما الموضع السادس: فقد تم الجواب عن اعتراض الكفار: لولا نـزل عليه القرآن جملة واحدة [الفرقان: 32] كافيا شافيا بقوله تعالى - جل ذكره، وعز شأنه، وعلت حكمته، وتمت كلمته - : وقال الذين كفروا لولا نـزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [الفرقان: 32 - 33] ولزم الاستئناف بعد انتهاء المبني وانقضاء المعنى بالموصول الآتي بعد الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا [الفرقان: 34] لأن هذه الآية حديث آخر في معنى جديد، يذكر استهلالا دون سبق الإشارة إليه في الآية المتقدمة قبل، فحظر الوصل هنا حظر صناعي على نحو ما سلف بيانه.

ولم يبق بعد إلا الموضع السابع موضع سورة المؤمن، وهو بين لا خفاء به ولا غموض فيه، ولا يحتاج إلى طويل تفكر أو كثير تدبر؛ فإن الذين عناهم الله تعالى بقوله: وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار [غافر: 6] ليسوا هم الذين يحملون العرش ومن حوله [غافر: 7] الفاعل في المعنى للتسبيح والإيمان والاستغفار المذكور في قوله تعالى: يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا [غافر: 7] [ ص: 406 ] وحاشا هؤلاء الملائكة البررة المقربين أن يكونوا أولئك الكفرة الفجرة المبعدين، فيلزم القطع على لفظ النار [غافر: 6] ويتعين الاستئناف بقوله سبحانه: الذين يحملون العرش [غافر: 7] أما الوصل فإنه محظور شرعا؛ لإيهامه معنى غير صحيح، والله تعالى أعلم.

وأما لفظ "الذي" فلم يقع إلا في موضع واحد من سورة الناس هو قوله تعالى: الذي يوسوس في صدور الناس [الناس: 5] وقد سبق تفصيل الزمخشري فيه، وهو تفصيل حسن، فتأمل، والله الموفق.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث