الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع وطئ حليلته متفكرا في محاسن أجنبية حتى خيل إليه أنه يطؤها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فرع )

وطئ حليلته متفكرا في محاسن أجنبية حتى خيل إليه أنه يطؤها فهل يحرم ذلك التفكر والتخيل اختلف في ذلك جمع متأخرون بعد أن قالوا إن المسألة ليست منقولة فقال جمع محققون كابن الفركاح وجمال الإسلام ابن البزري والكمال الرداد شارح الإرشاد والجلال السيوطي وغيرهم يحل ذلك واقتضاه كلام التقي السبكي في كلامه على قاعدة سد الذرائع واستدل الأول لذلك بحديث { إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها } ولك رده بأن الحديث ليس في ذلك بل في خاطر تحرك في النفس هل يفعل المعصية كالزنا ومقدماته ، أو لا فلا يؤاخذ به إلا إن صمم على فعله بخلاف الهاجس والواجس وحديث النفس والعزم وما نحن فيه ليس بواحد من هذه الخمسة ؛ لأنه لم يخطر له عند ذلك التفكر والتخيل فعل زنا ولا مقدمة له فضلا عن العزم عليه وإنما الواقع منه تصور قبيح بصورة حسن فهو متناس للوصف الذاتي متذكر للوصف العارض باعتبار تخيله وذلك لا محذور فيه إذ غايته أنه تصور شيء في الذهن غير مطابق للخارج فإن قلت يلزم من تخيله وقوع وطئه في تلك الأجنبية أنه عازم على الزنا بها قلت ممنوع كما هو واضح وإنما اللازم فرض موطوءته هي تلك الحسناء وقد تقرر أنه لا محذور فيه على أنا لو فرضنا أنه يضم إليه خطور الزنا بتلك الحسناء لو ظفر بها حقيقة لم يأثم إلا إن صمم على ذلك فاتضح أن كلا من التفكر والتخيل حال غير تلك الخواطر الخمسة ، وأنه لا إثم إلا إن صمم على فعل المعصية بتلك المتخيلة لو ظفر بها في الخارج .

قال ابن البزري وينبغي كراهة ذلك ورد بأن الكراهة لا بد فيها من نهي خاص [ ص: 206 ] أي ، وإن استفيد من قياس ، أو قوة الخلاف في وجوب الفعل فيكره تركه كغسل الجمعة أو حرمته فيكره كلعب الشطرنج إذ لم يصح في النهي عنه حديث ونقل ابن الحاج المالكي عن بعض العلماء أنه يستحب فيؤجر عليه ؛ لأنه يصون به دينه واستقر به بعض المتأخرين منا إذا صح قصده بأن خشي تعلقها بقلبه واستأنس له بما في الحديث الصحيح من أمر { من رأى امرأة فأعجبته أنه يأتي امرأته فيواقعها } ا هـ وفيه نظر ؛ لأن إدمان ذلك التخيل يبقي له تعلقا ما بتلك الصورة فهو باعث على التعلق بها لا أنه قاطع له وإنما القاطع له تناسي أوصافها وخطورها بباله ولو بالتدريج حتى ينقطع تعلقه بها رأسا وقال ابن الحاج المالكي يحرم على من رأى امرأة أعجبته وأتى امرأته جعل تلك الصورة بين عينيه وهذا نوع من الزنا كما قال علماؤنا فيمن أخذ كوزا يشرب منه فتصور بين عينيه أنه خمر فشربه أن ذلك الماء يصير حراما عليه ا هـ ورده بعض المتأخرين بأنه في غاية البعد ولا دليل عليه وإنما بناه على قاعدة مذهبه في سد الذرائع وأصحابنا لا يقولون بها ووافقه الإمام أحمد الزاهد ، وهو شافعي غفلة عن هذا البناء ا هـ وقد بسطت الكلام على هذه الآراء الأربعة في الفتاوى وبينت أن قاعدة مذهبه لا تدل لما قاله في المرأة وفرقت بينها وبين صورة الماء بفرق واضح لا غبار عليه فراجع ذلك كله فإنه مهم فإن قلت يؤيد التحريم قول القاضي حسين كما يحرم النظر لما لا يحل يحرم التفكر فيما لا يحل لقوله تعالى { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } فمنع من التمني لما لا يحل كما منع من النظر لما لا يحل قلت استدلال القاضي بالآية وقوله عقبها فمنع من التمني إلخ صريحان في أن كلامه ليس فيما نحن فيه من التفكر والتخيل السابقين وإنما هو في حرمة تمني حصول ما لا يحل له بأن يتمنى الزنا بفلانة ، أو أن تحصل له نعمة فلان بعد سلبها عنه ومن ثم ذكر الزركشي كلامه في قاعدة حرمة تمني الرجل حال أخيه من دين ، أو دنيا قال والنهي في الآية للتحريم وغلطوا من جعله للتنزيه نعم إن ضم في مسألتنا إلى التخيل والتفكر تمني وطئها زنا فلا شك في الحرمة ؛ لأنه حينئذ مصمم على فعل الزنا راض به وكلاهما حرام ولم يتأمل كلام القاضي هذا من استدل به للحرمة ولا من أجاب عنه بأنه لا يلزم من تحريم التفكر تحريم التخيل إذ التفكر إعمال النظر في الشيء كما في القاموس ا هـ

.

التالي السابق


حاشية الشرواني

( قوله : فرع ) إلى قوله في كلامه في النهاية ( قوله ابن البزري ) بكسر الباء نسبة لبزر الكتان كما ذكره الشارح في صلاة الجمعة ( قوله يحل ذلك ) معتمد ا هـ ع ش ( قوله واستدل الأول ) أي الجمع المحققون غير السبكي ا هـ كردي ( قوله : ولك رده ) أي هذا الاستدلال ( قوله : في ذلك ) أي التفكر والتخيل ( قوله : من هذه الخمسة ) عبارته في فتح المبين في شرح الحديث السابع والثلاثين ما نصه قال أي السبكي في حلبياته ما حاصله ما يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب الأولى الهاجس ، وهو ما يلقى فيها ثم جريانه فيها ، وهو الخاطر ثم حديث النفس ، وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل ، أو لا ثم الهم ، وهو ما يرجح قصد الفعل ثم العزم ، وهو قوة ذلك القصد والجزم به فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعا ؛ لأنه ليس من فعله وإنما هو شيء طرقه قهرا عليه وما بعده من الخاطر وحديث النفس ، وإن قدر على دفعهما لكنهما مرفوعان بالحديث الصحيح وهذه المراتب الثلاث لا أجر لها في الحسنات أيضا لعدم القصد .

وأما الهم فقد بين الحديث الصحيح أنه بالحسنة تكتب حسنة وبالسيئة لا تكتب سيئة فإن تركها لله كتبت حسنة ، وإن فعلها كتبت سيئة واحدة وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به ا هـ بحذف وعلم بذلك مراد الشارح هنا بالهاجس الخاطر وبالعزم الهم ( قوله تصور قبيح ) وقوله بصورة حسن كل منهما بالإضافة ( قوله : وقوع وطئه ) مفعول تخيله وقوله : أنه عازم إلخ فاعل يلزم ( قوله : هي الظاهر أنه مفعول فرض إلخ ) وقوله تلك إلخ بدل منه ويجوز أن يكون قوله : هي بدلا عن موطوءته راجعا إلى حليلته ويكون قوله تلك إلخ مفعول فرض إلخ ( قوله : كراهة ذلك ) أي التفكر والتخيل ( قوله : ورد إلخ ) قد يجاب أنه أراد الكراهة باصطلاح القدماء ، وهي تشمل خلاف الأولى ا هـ سم .

( قوله : [ ص: 206 ] وإن استفيد إلخ ) غاية والضمير راجع إلى نهي خاص ( قوله : أو حرمته ) عطف على وجوب الفعل وقوله فيكره أي الفعل وقوله عنه أي لعب الشطرنج ( قوله : أنه يستحب ) أي التخيل المذكور ( قوله : منا ) أي الشافعية ( قوله تعلقها بقلبه ) فيه قلب والأصل تعلق قلبه بها ( قوله واستأنس ) أي البعض له أي الاستحباب ( قوله : بأنه ) متعلق بأمر ( قوله : انتهى ) أي قول البعض ( قوله جعل تلك إلخ ) فاعل يحرم ( فقوله علماؤنا ) أي السادة المالكية ( قوله إن ذلك إلخ ) مقول قال ( قوله : ورده ) أي ابن الحاج المالكي وكذا ضمير مذهبه في الموضعين الآتيين وضمير أوافقه الآتي ( قوله وأصحابنا ) أي الشافعية وقوله بها أي بتلك القاعدة ( قوله : انتهى ) أي كلام بعض المتأخرين الراد على ابن الحاج المالكي ( قوله : على هذه الآراء الأربعة ) أي قول جمع محققين بالحل والإباحة وقول ابن البزري بالكراهة وقول بعض العلماء بالاستحباب وقول ابن الحاج المالكي بالحرمة ( قوله : بينها ) أي صورة المرأة ( قوله : فمنع ) أي الله تعالى ويحتمل أنه ببناء المفعول وقوله من التمني نائب فاعله ( قوله بأن يتمنى الزنا بفلانة ) لا يخفى بعد دلالة الآية عليه ( قوله : كلامه ) أي القاضي ( قوله : قال ) أي الزركشي ( قوله : وغلطوا إلخ ) من كلام الزركشي ( قوله : وكلاهما ) أي التصميم على فعل الزنا والرضا به ( قوله : هذا ) بدل من كلام القاضي وقوله من استدل إلخ فاعل لم يتأمل وقوله به أي كلام القاضي وقوله للحرمة أي لحرمة التفكر والتخيل السابقين وقوله عنه أي عن الاستدلال المذكور ( قوله : انتهى ) أي كلام من أجاب إلخ

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث