الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القياس المركب

[ ص: 552 ] الحادي عشر : تركيب القياس من المذهبين ، وهو القياس المركب المذكور قبل ، نحو قوله في البالغة : أنثى ، فلا تزوج نفسها ، كابنة خمس عشرة ، إذ الخصم يمنع تزويجها نفسها لصغرها لا لأنوثتها ، ففي صحة التمسك به خلاف .

الإثبات ، إذ أصله النزاع في الأصل فيثبته ، ويبطل مأخذ الخصم فيه ، وقد ثبت مدعاه .

والنفي ، لأنه فرار عن فقه المسألة إلى مقدار سن البلوغ ، وهي مسألة أخرى ، والأول أولى .

التالي السابق


السؤال " الحادي عشر : تركيب القياس من المذهبين " ، يعني مذهب المستدل والمعترض ، " وهو القياس المركب المذكور قبل " ، يعني عند ذكر شروط حكم الأصل ، وأنه هل يشترط أن يكون مجمعا عليه أم لا ؟ ومثلناه بقول المستدل : العبد منقوص بالرق ، فلا يقتل به الحر كالمكاتب .

ومثاله ههنا : أن يقول الحنبلي في المرأة البالغة : " أنثى ، فلا تزوج نفسها " بغير ولي " كابنة خمس عشرة " سنة .

قوله : " إذ الخصم " ، إلى آخره ، هذا كالتفسير والشرح ، لكون القياس مركبا ، وذلك لأن الخصم - وهو الحنفي - " يمنع تزويجها " ، أي : تزويج بنت خمس عشرة سنة " لصغرها ، لا لأنوثتها " ، أي : لكونها صغيرة لا لكونها أنثى فاختلفت العلة في الأصل ، وإنما اتفق صحة هذا القياس لاجتماع علة [ ص: 553 ] الخصمين فيه ، فتركب منهما .

وتحقيق التركيب ههنا : هو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل ، ويختلفان في علته ، فإذا ألحق أحدهما بذلك الأصل فرعا بغير علة صاحبه ، فالقياس منتظم ، لكن بناء على تركيب حكم الأصل من علتين .

مثاله في هذه الصورة : أن أحمد والشافعي - رضي الله عنهما - يعتقدان أن بنت خمس عشرة لا تزوج نفسها لأنوثتها ، وأبو حنيفة يعتقد أنها لا تزوج نفسها لصغرها ، إذ الجارية إنما تبلغ عنده لتسع عشرة ، وفي رواية لثماني عشرة كالغلام ، فالعلتان موجودة فيها ، والحكم متفق عليه بناء على ذلك . فإذا قال الحنبلي في البالغة : أنثى فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة انتظم القياس بناء على ما ذكرناه من تركيب حكم الأصل بين الخصمين من العلتين ، واستناده عند كل منهما إلى علته . ولهذا جاز لأحدهما منع صحة القياس لاختلاف العلة في الفرع والأصل ، مثل أن يقول الحنفي ههنا للمستدل : أنت عللت المنع في البالغة بالأنوثة ، والمنع في بنت خمس عشرة عندي معلل بالصغر ، فما اتفقت علة الأصل والفرع ، فلا يصح الإلحاق .

قوله : " ففي صحة التمسك به خلاف " ، هل يصح أم لا ؟

قوله : " الإثبات " ؛ بدل من " خلاف " ، و " النفي " بعده عطف عليه . أي : في ذلك خلاف : الإثبات والنفي ، أي : أثبت صحة التمسك به قوم ، ونفاه آخرون .

حجة الإثبات : أن حاصل سؤال التركيب يرجع إلى النزاع في الأصل ، لأن النزاع في علته ، كالنزاع في حكمه . وقد سبق أن القياس يجوز على أصل مختلف فيه ، فإذا منعه المعترض ، أثبته المستدل بطريقه ، وصح قياسه ، فههنا كذلك يثبت المستدل أن العلة في بنت خمس عشرة هي الأنوثة ، ويحققها في الفرع ، وهي البالغة ، ويبطل مأخذ الخصم وهو تعليله في بنت خمس عشرة [ ص: 554 ] بالصغر . وقد ثبت مدعاه ، وصح قياسه ، وهو أن البالغة أنثى ، فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة .

حجة النفي : " أنه فرار عن فقه المسألة " المنازع فيها " إلى " النزاع في " مقدار سن البلوغ وهي مسألة أخرى " فهو انتقال من الخصمين جميعا ، وذلك لأن الاستدلال إنما وقع على أن البالغة تستقل بتزويجها نفسها ، وقياسه على بنت خمس عشرة سنة أفضى إلى النزاع في أن علة المنع فيها الأنوثة ، أو الصغر ، وذلك مبني على أنها بالغة أو صغيرة ، وذلك مبني على أن خمس عشرة هي سن البلوغ أم لا ؟ وهذا انتقال عن محل النزاع بواسطتين فلا يصح التمسك به " والأول أولى " أي : صحة التمسك بهذا القياس المركب لما قررناه آنفا . وإذا ثبت صحة التمسك به ، صح سؤال التركيب عليه ، ولزم المستدل الجواب عنه بما ذكرناه من إبطال مأخذه في الأصل ، وتحقيق الجمع بينه وبين الفرع بعلته . وعلى القول ببطلان التمسك بالقياس المركب لا يتصور سؤال التركيب ، لأنه فرع على قياس باطل ، وفرع الباطل باطل ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث