الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب في الحكمين في الصيد وأصناف الجزاء وحكم جنين الصيد وبيضه وأين تخرج الكفارة

                                                                                                                                                                                        وقال مالك في الحكمين في الجزاء : يكونان عدلين فقيهين .

                                                                                                                                                                                        يريد : فقيهين بما يحتاج إليه من ذلك . فإن اختلفا لم يأخذ بقول أرفعهما ، وابتدأ الحكم غيرهما .

                                                                                                                                                                                        قال في كتاب محمد : وليس له أن يأخذ بقول أرفقهما .

                                                                                                                                                                                        وجعله بمنزلة من أخرج الجزاء بقول واحد .

                                                                                                                                                                                        وإن اتفقا على خطأ بين ، فحكما بما فيه بدنة أو بقرة بشاة ؛ نقض حكمهما ، وإن أخرج على ما حكما به لم يجزه . وإن حكما بما فيه شاة ببدنة أو بقرة لم يجزه .

                                                                                                                                                                                        والاستحسان أن يجزئ ؛ لأنه أتى بما هو أفضل قطعا .

                                                                                                                                                                                        وإن حكما بما فيه الطعام بالنعم لم يجزه . وقال ابن القاسم : إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من النعم ففعلا ، ثم أراد أن ينتقل إلى الطعام ؛ جاز . وقال ابن [ ص: 1328 ] شعبان : ذلك له قبل أن يحكما ، فإن حكما له لم يرد الحكم .

                                                                                                                                                                                        والأول أحسن ؛ لأن الإيجاب إلى الذي أصاب الصيد ، وليس رضاه مما يسقط التخيير الذي جعله الله تعالى . والكفارة ثلاثة أصناف حسب ما جاء في كتاب الله -عز وجل- فجزاء مثل ما قتل من النعم . . . الآية [المائدة : 95] .

                                                                                                                                                                                        فالأولى النظير من النعم ، وهي : الإبل ، والبقر ، والغنم . قال مالك : ولا يجزئه في ذلك إلا ما يجوز في الهدي ؛ الثني فصاعدا ، إلا الضأن فإن جذعها يجزئ . فإن لم يكن له نظير من النعم ، أو كان وأحب أن يخرج الإطعام ؛ أخرج قيمته بالموضع الذي أصابه فيه إن أصابه في عمارة ، وإلا فأقرب موضع من العمارة ويقوم بالطعام من عيش ذلك الموضع . وإن قوم بالدراهم ، ثم اشترى به طعاما أجزأه .

                                                                                                                                                                                        ويقوم على هيئته من الصغر والكبر على المستحسن من القول ، ولا يراعى عند مالك الجمال ولا الفراهية . ويطعم على نحو ما يفعل في الكفارات : كل مسكين الوسط من الغداء أو العشاء . وإن كان عيشهم القمح ، وكان المد الوسط عندهم فهو . وإن كان عيشهم الشعير أو التمر ؛ قوم به ، وأطعم كل مسكين الوسط مما يكون غداء وعشاء . وإن أحب الصيام ؛ لم يصم على عدد الأمداد ، وإنما يراعى أعداد المساكين ، فيصوم على عددهم ، ويصوم على كسر المد يوما . والإطعام عن قيمة الصيد نفسه وليس عن قيمة نظيره من النعم وكذلك الصوم وهو عن الإطعام الذي هو قيمة الصيد . [ ص: 1329 ]

                                                                                                                                                                                        وموضع القضاء في هذه الثلاثة مختلف ، فموضع النظير من النعم مكة ؛ لقوله تعالى : هديا بالغ الكعبة [المائدة : 95] .

                                                                                                                                                                                        وموضع الإطعام حيث أصاب الصيد وما يقاربه . والصوم بحيث أحب من البلاد ، إلا على القول أن الكفارة على الفور ؛ فيؤمر أن يأتي به هناك ، ولا يؤخره . فإن تعدى وأخره ؛ صام بحيث هو ، ولا يرجع لأجله .

                                                                                                                                                                                        ويفتقر إلى الحكمين في فصلين هما : الجزاء من النعم ، والإطعام . فإن حكما بالإطعام وقدر ما يستحقه كل مسكين ؛ لم يفتقر في الصوم إلى حكمين ، وهو يصوم عن كل مسكين يوما . واختلف في هذه الجملة في أسنان النظير من النعم وفي موضع نحره . وفي صفة القيمة إذا قوم بالطعام وكان صغيرا هل يقوم لو كان كبيرا أو ينظر ما يشبع لحمه ، وفي جنين الصيد إذا خرج حيا ولم يصرخ ، وفي بيض الصيد إذا لم يكن فيه فرخ ، وفي إفساد وكره إذا لم يهلك البيض . وإذا أخرج القيمة بغير الموضع الذي قوم فيه ، وفي قدر ما يغرمه عن الذر والنمل ، وهل يحتاج في مثل ذلك إلى حكمين ؟ .

                                                                                                                                                                                        فأجاز عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنه - ، وعطاء وغيرهم ما دون الثني من غير الضأن .

                                                                                                                                                                                        وذكر ذلك في الموطأ عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قضى في الغزال بعنزة ، وفي الأرنب بعناق ، وفي اليربوع بجفرة .

                                                                                                                                                                                        وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : في الأرنب حمل . وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - وعطاء : في اليربوع جفرة . [ ص: 1330 ]

                                                                                                                                                                                        وقال مجاهد : سخلة . وهذا لقول الله تعالى : مثل ما قتل [المائدة : 95] فمن أوجب فوق ذلك كان مخالفا للنص .

                                                                                                                                                                                        وقال محمد بن عبد الحكم : إن حكما بمثل ما قضى به عمر مضى . قال : ولا أقول في شيء قضى به عمر أنه يرد .

                                                                                                                                                                                        وقال مالك مثل ذلك في غير ما موضع ، أنه إن قضى قاض بمختلف فيه ؛ مضى ، ولم يرد وإن خالف رأيه .

                                                                                                                                                                                        وأما موضع نحره ؛ فهو مخير عند مالك بين أن ينحره بمكة ، وإن شاء نحره بمنى إن كان ساقه في حج . وقال أيضا في الصيد : يقوم بطعام على حاله التي كان عليها حين أصابه وهو حي ، وهو ظاهر قوله : إن قوم بدراهم .

                                                                                                                                                                                        وقال محمد : يقوم إذا كان صغيرا أو كان كبيرا . وذكر ابن اللباد رواية : أنه يطعم قدر ما يشبع لحم الصيد .

                                                                                                                                                                                        وهذا مثل قول مالك في المدونة أنه : يقوم على قدره ، ولا يقوم غيره . وهو أحسن ؛ بقوله : مثل ما قتل [المائدة : 95] . فلا يلزمه أكثر منه ، وليس مثل الدية ؛ لأن تلك ورد الأمر فيها على التساوي بين الصغير والكبير . وجعل الصيد موكولا إلى النظير من النعم والقيم على الأصل ، وفي الغرم على المتلفات ، وهو إذا أخرج القيمة من الطعام أبين أن يخرج قيمته على صغره ؛ لأن التعلق إذا أخرج النظير من النعم شبهه لأجل الهدايا ، ولا يعلق في القيمة [ ص: 1331 ] بالطعام والدراهم أن يغرم فوق ما أتلف .

                                                                                                                                                                                        ويختلف إذا أخرج الطعام بغير الموضع الذي صاد فيه الصيد ، فمنعه في المدونة ، وقال : يحكم عليه بالمدينة ، ويطعم بمصر! . قال محمد : إن حكم عليه بمصر ، فأطعم في المدينة ؛ أجزأه حيثما كان . وأرى إن حكم عليه بدراهم ، فاشترى بها بسعر الموضع الذي هو فيه ؛ أجزأه ، كان أرخص من الموضع الذي أصاب فيه الصيد أو أغلى . وإن حكم عليه بطعام ؛ لم يجزه أن يخرجه بموضع هو أرخص ، ويجزئه إن كان أغلى كما قال محمد .

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية