الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ولما أنهى الكلام على قصر الصلاة بالسفر تكلم على الجمع بين الصلاتين المشتركتي الوقت ولجمعهما ستة أسباب السفر والمطر والوحل مع الظلمة والمرض وعرفة ومزدلفة وتكلم هنا على الأربعة الأول وسيذكر الباقي في محله فقال ( ورخص له ) أي للمسافر رجلا أو امرأة جوازا بمعنى خلاف الأولى ( جمع الظهرين ) لمشقة فعل كل منهما في وقته ومشقة السفر ( ببر ) أي فيه لا في بحر قصرا للرخصة على موردها إذا طال سفره بل ( وإن قصر ) عن مسافة القصر إن جد سيره بل ( و ) إن ( لم يجد بلا كره ) أي كراهة متعلق برخص أي بلا خلاف الأولى ( وفيها شرط الجد ) في السير ( لإدراك أمر ) لا لمجرد قطع المسافة والمشهور الأول ( بمنهل ) هو مكان نزول المسافر وإن لم يكن به ماء وإن كان في الأصل المورد ترده الإبل وهو بدل بعض من قوله ببر ( زالت ) الشمس وهو ( به ) أي بالمنهل .

( ونوى ) عند الرحيل ( النزول بعد الغروب ) فيجمعهما جمع تقديم بأن يصلي الظهر في أول وقتها الاختياري ويقدم العصر فيصليها معها قبل رحيله لأنه وقت ضروري لها اغتفر إيقاعها فيه لمشقة النزول ( و ) إن نوى النزول ( قبل الاصفرار ) صلى الظهر أول وقتها و ( أخر العصر ) وجوبا فيما يظهر ليوقعها في وقتها الاختياري فإن قدمها مع الظهر أجزأت ( و ) إن نوى النزول ( بعده ) أي بعد دخول الاصفرار وقبل الغروب ( خير فيها ) أي العصر إن شاء جمع فقدمها وإن شاء أخرها إليه وهو الأولى لأنه ضروريها الأصلي فهذه ثلاثة أحوال فيما إذا زالت عليه بالمنهل وأشار إلى ثلاثة أيضا فيما إذا زالت عليه راكبا بقوله ( وإن زالت ) عليه الشمس ( راكبا ) أي سائرا ( أخرهما ) بأن يجمع جمع تأخير ( إن نوى ) بنزوله ( الاصفرار أو ) نوى النزول ( قبله ) أي الاصفرار فهاتان صورتان وأشار للثالثة بقوله ( وإلا ) بأن نوى النزول بعد الغروب ( ففي وقتيهما ) المختار [ ص: 369 ] جمعا صوريا ، الظهر آخر القامة الأولى والعصر أول الثانية وهذا حكم من يضبط نزوله ثم شبه في حكم الأخير وهو الجمع الصوري قوله ( كمن لا يضبط نزوله ) .

وقد زالت عليه وهو راكب فإن زالت عليه نازلا صلى الظهر قبل رحيله وأخر العصر ( وكالمبطون ) ونحوه فيجمع جمعا صوريا ( وللصحيح فعله ) أي الجمع الصوري مع فوات فضيلة أول الوقت دون المعذور ( وهل العشاءان كذلك ) أي كالظهرين في التفصيل المتقدم بتنزيل الفجر منزلة الغروب والثلث الأول منزلة ما قبل الاصفرار وما بعده وما بعده للفجر منزلة الاصفرار أو ليسا كذلك فلا يجمعهما بحال بل يصلي كل صلاة بوقتها لأن وقتهما ليس وقت رحيل ( تأويلان ) فيمن غربت عليه نازلا وإلا اتفق على أنهما كذلك والراجح التأويل الأول ( وقدم ) العصر أول وقت الظهر والعشاء أول وقت المغرب جوازا وقيل ندبا فيجمع جمع تقديم ( خائف ) حصول ( الإغماء ) عند الثانية ( و ) خائف الحمى ( النافض و ) خائف ( الميد ) أي الدوخة التي لا يستطيع معها الصلاة على وجهان فإن حصل ما ذكر من الإغماء والنافض والميد وقت الثانية فالأمر ظاهر .

( وإن سلم ) بأن لم يحصل له ما ذكر ( أو قدم ) المسافر الثانية مع الأولى ( ولم يرتحل أو ارتحل قبل الزوال ) وأدركه الزوال راكبا ( ونزل عنده ) ونوى الرحيل بعد الغروب فظن جواز الجمع ( فجمع ) جمع تقديم ( أعاد ) الصلاة ( الثانية ) وهي العصر أو العشاء ( في الوقت ) الضروري في الفروع الثلاثة والمعتمد في الثاني أنه [ ص: 370 ] لا إعادة عليه أصلا

التالي السابق


( قوله وسيذكر الباقي ) أي وهو عرفة والمزدلفة وقوله في محله أي وهو باب الحج .

( قوله رجلا أو امرأة ) أي وسواء كان راكبا أو ماشيا على ما في طرر ابن عات وهو المعتمد خلافا لابن علاق من اختصاصه بالراكب .

( قوله وإن قصر عن مسافة القصر ) أي لكن لا بد في الجواز من كونه غير عاص بالسفر وغير لاه به فإن جمعا فلا إعادة بالأولى من القصر .

( قوله إن جد سيره ) أي إن جد في سيره لأجل إدراك رفقة أو لأجل قطع المسافة وقوله بل وإن لم يجد أي بل وإن لم يجد في سيره أصلا .

( قوله وفيها شرط الجد ) أي الاجتهاد في السير ونصها ولا يجمع المسافر إلا إذا جد به السير ويخاف فوات أمر فيجمع وظاهرها سواء كان ذلك الأمر مهما أم لا .

( قوله لإدراك أمر ) أي كرفقة أو مال أو ما يخاف فواته .

( قوله والمشهور الأول ) وهو جواز الجمع مطلقا سواء جد في السير أم لا كان جده لإدراك أمر أم لأجل قطع المسافة والذي حكى تشهيره هو الإمام ابن رشد .

( قوله وإن كان في الأصل ) أي وإن كان المنهل في الأصل .

( قوله وهو بدل بعض ) أي وحينئذ فالعامل فيه مقدر أي جمعهما بمنهل وأما قول عبق إن قوله ببر متعلق برخص وبمنهل متعلق بجمع فهو فاسد معنى وهو ظاهر وذلك لأن الترخيص فعل الشارع وهو متعلق بالجمع بقطع النظر عن كونه ببر أو بحر فهو غير مقيد بهما وفاسد صناعة لما فيه من الفصل بين المصدر ومعموله بالأجنبي .

( قوله فيجمعهما جمع تقديم ) أي ويؤذن لكل منهما .

( قوله لأنه وقت ضروري لها ) أي بالنسبة للمسافر .

( قوله لمشقة النزول ) أي لأجل صلاة العصر في وقتها الاختياري .

( قوله وأخر العصر وجوبا ) أي غير شرطي قاله شيخنا العدوي ويؤذن لكل من الصلاتين في هذه الحالة لأن كلا منهما وقعت في وقتها الاختياري .

( قوله فإن قدمها مع الظهر أجزأت ) وندب إعادتها بوقت .

( قوله إن شاء جمع فقدمها ) أي ويؤذن لكل من الصلاتين في هذه الحالة وقوله وإن شاء أخرها إليه إلخ أي ولا يؤذن لها حينئذ لما مر في الأذان من كراهته في الضروري المؤخر .

( قوله فيما إذا زالت عليه بالمنهل ) أي وهو نازل بالمنهل .

( قوله أي سائرا ) أي سواء كان راكبا أو ماشيا وإنما فسر الشارح راكبا بسائرا ليكون ماشيا على المعتمد وهو قول ابن عات من أن الجمع بين الصلاتين جائز للمسافر مطلقا سواء كان راكبا أو ماشيا كما مر .

( قوله أخرهما ) أي وجوبا كذا قيل وفيه شيء إذ مقتضى القياس جواز تأخيرهما في المسألة الأولى وأما في الثانية فتأخير الصلاة الأولى جائز والثانية واجب لنزوله بوقتها الاختياري كذا كتب والد عبق وللخمي أن تأخيرهما جائز أي ويجوز إيقاع كل صلاة في وقتها ولو جمعا صوريا ولا يجوز جمعهما جمع تقديم لكن إن وقع فالظاهر الإجزاء [ ص: 369 ] وندب إعادة الثانية في الوقت ويمكن الجمع بأن من قال بوجوب تأخيرهما مراده أنه لا يجوز له أن يقدمهما معا فلا ينافي أنه يجوز له إيقاع كل صلاة في وقتها والجواز في كلام اللخمي بالمعنى المتقدم فالخلف لفظي قاله شيخنا العدوي .

( قوله جمعا صوريا ) أي في الصورة لا أنه حقيقي لأن حقيقة الجمع تأخير إحدى الصلاتين أو تقديمها عن وقتها .

( قوله كمن لا يضبط نزوله ) أي تارة ينزل بعد الغروب وتارة في الاصفرار وتارة قبله .

( قوله وقد زالت عليه وهو راكب ) أي فيجمع جمعا صوريا ويحصل له فضيلة أول الوقت .

( قوله فإن زالت عليه ) أي على من لا يضبط نزوله حالة كونه نازلا .

( قوله وأخر العصر ) أي لوقتها فلو أخر الظهر لآخر إقامة الأولى وجمع جمعا صوريا لم يحصل له فضيلة أول الوقت فلو صلى الظهر والعصر أيضا قبل ارتحاله صحت العصر وندب إعادتها في الوقت إن نزل قبل الاصفرار .

( قوله ونحوه ) أي من كل من تلحقه مشقة بالوضوء أو بالقيام لكل صلاة لا تلحقه إذا صلاهما مجتمعين .

( قوله أي كالظهرين في التفصيل المتقدم إلخ ) وعليه إذا غربت عليه الشمس وهو نازل ونوى الارتحال والنزول بعد الفجر جمعهما جمع تقديم قبل ارتحاله وإن نوى النزول في الثلث الأول أخر العشاء وجوبا وإن نوى النزول بعد الثلث الأول وقبل الفجر خير في العشاء وأما إن غربت عليه الشمس وهو سائر ونوى النزول في الثلث الأول أو بعده وقبل الفجر أخرهما جوازا على ما مر وإن نوى النزول بعد الفجر جمع جمعا صوريا والجمع الصوري مبني على امتداد مختار المغرب للشفق وتقدم أنه قول قوي ( قوله تأويلان ) لفظ المدونة ولم يذكر مالك المغرب والعشاء في الجمع عند الرحيل كالظهر والعصر وقال سحنون الحكم مساو فقيل إن كلام سحنون تفسير وقيل خلاف ا هـ وعزا ابن بشير الأول لبعض المتأخرين والثاني للباجي ورجح الأول ابن بشير وابن هارون ا هـ بن .

( قوله وإلا اتفق ) أي وإلا بأن غربت عليه الشمس وهو سائر .

( قوله وقدم العصر أول وقت الظهر والعشاء أول وقت المغرب ) أي بعد فعل الصلاة الأولى فيهما وقوله جوازا أي عند ابن عبد السلام وندبا عند ابن يونس وهو المعتمد كما قال بعضهم وفي بن ما يفيد أن المشهور ما قاله ابن عبد السلام من الجواز وقال ابن نافع بمنع الجمع بين الصلاة ويصلي كل صلاة بوقتها بقدر الطاقة ولو بالإيماء فإن أغمي عليه حتى ذهب وقتها لم يكن عليه قضاؤها واستظهر ذلك لأنه على تقدير استغراق الإغماء للوقت فلا ضرورة تدعو للجمع وكما إذا خافت أن تموت أو تحيض فإنه لا يشرع لها الجمع وفرق بين الإغماء والحيض بأن الحيض يسقط الصلاة قطعا بخلاف الإغماء فإن فيه خلافا وبأن الغالب في الحيض أن يعم الوقت بخلاف الإغماء وهذا يقتضي مساواة الجنون ا هـ خش كبير .

( قوله عند الثانية ) أي سواء خاف استغراقه لوقت الثانية كله أو لبعضه كما هو ظاهره لإمكان تخلف ظنه .

( قوله وإن سلم إلخ ) اعترضه المواق بأن الذي نص عليه أصبغ وغيره أنه يعيد ومثله الجزولي إن سلم أعاد فظاهر ذلك أنه يعيد أبدا خلاف ما عند المصنف قلت في التوضيح إذا جمع أول الوقت لأجل الخوف على عقله ثم لم يذهب عقله فقال عيسى بن دينار يعيد الأخيرة قال سند يريد في الوقت وعند ابن شعبان لا يعيد ا هـ وعلى كلام سند اعتمد المصنف هنا ا هـ بن .

( قوله أو قدم المسافر الثانية مع الأولى ) أي لكونه زالت عليه الشمس وهو نازل ونوى الارتحال والنزول بعد الغروب وقوله لم يرتحل أي طرأ له عدم الارتحال إما لأمر أو لغير أمر هذا ظاهره ( قوله ونوى الرحيل بعد الغروب ) أي فجمع لظنه جواز الجمع جهلا منه وكان الأولى أن يقول ونزل عنده فجمع غير ناو الرحيل بعده أعم من أن يكون ناويا الرحيل بعد الغروب أو لم ينوه أصلا واعلم أن في كل من الفرع الثاني والثالث صورتين إحداهما [ ص: 370 ] أن يجمع ناويا للرحيل بعد الجمع لجد السير ثم يبدو له فلا يرتحل والثانية أن يجمع ولا نية له في الرحيل بعد الجمع أعم من كونه ناويا له بعد ذلك أو لم ينوه أصلا لكنه غير رافض للسفر بالإقامة التي تقطعه ففي الأولى لا إعادة عليه في الفرعين وفي الثانية يعيد العصر في الوقت وهذا كله يفهم من نقل ح فإن حمل الفرعان في المصنف على الصورة الثانية سقط الاعتراض عنه ا هـ بن والاعتراض الوارد عليه هو ما أشار له الشارح بقوله والمعتمد إلخ وحاصله أن كلام المصنف مطلق فظاهره أنه يطالب بالإعادة في الفرعين الأخيرين سواء جمع ناويا الارتحال بعده ولم يرتحل أو جمع غير ناو الارتحال بعده وهو مسلم في الحالة الثانية دون الأولى لأن المعتمد أنه إذا جمع في الفرعين ناويا الارتحال ولم يرتحل فلا إعادة عليه وحاصل الجواب أن كلام المصنف محمول على ما إذا جمع غير ناو الارتحال بعده في الفرعين وحينئذ فلا اعتراض .

( قوله لا إعادة عليه أصلا ) أي لا في وقت ولا في غيره حيث كان عند التقديم ناويا الارتحال



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث