الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


60 - فصل

[ في أحكام أرض مكة ]

ولا خراج على مزارع مكة وإن فتحت عنوة .

وقيل : يضرب عليها الخراج كسائر أرض العنوة ، وهذا القول من أقبح الغلط في الإسلام ، وهو مردود على قائله ، ومكة أجل وأعظم من أن يضرب على أرضها الجزية ، وهي حرم الله وأمنه ودار نسك الإسلام ، وقد [ ص: 285 ] أعاذها الله مما هو دون الخراج بكثير ، وهذا القول استدراك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أبي بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم إلى زمن هذا القائل ، وكيف يسوغ ضرب الخراج الذي هو أخو الجزية وشقيقها ورضيع لبنها على خير بقاع الله وأحبها إلى الله ودار النسك ، ومتعبد الأنبياء وقرية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي أخرجته ، وحرم رب العالمين وأمنه ومحل بيته وقبلة أهل الأرض .

قال أبو عبيد : صحت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه افتتح مكة وأنه من على أهلها ، فردها عليهم فلم يقسمها ولم يجعلها فيئا فرأى بعض الناس أن هذا الفعل جائز للأئمة بعده .

ولا نرى مكة يشبهها شيء من البلاد من جهتين :

إحداهما : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد خصه الله من الأنفال والغنائم بما لم يجعله لغيره وذلك لقوله تعالى : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ، فنرى هذا كان خاصا له .

والجهة الأخرى : أنه قد سن لمكة سننا لم يسنها لشيء من سائر البلاد .

حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن [ ص: 286 ] يوسف بن ماهك عن أمه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله ألا تبني لك بيتا أو بناء يظلك من الشمس ؟ - تعني بمنى - فقال : " إنما هي مناخ لمن سبق " .

وحدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن مكة حرام حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا أجور بيوتها " .

[ ص: 287 ] وحدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن مكة حرام - أراه رفعه - قال : مكة مناخ لا يباع رباعها ، ولا تؤخذ إجارتها ، ولا تحل ضالتها إلا لمنشد " .

[ ص: 288 ] وحدثت عن محمد بن سلمة الحراني عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن عبيد بن عمير بنحوه ، وروايته : " لا تحل غنائمها " .

[ ص: 289 ] حدثنا وكيع عن عبيد الله بن أبي زياد عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو قال : " من أكل أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم " .

حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن عطاء أنه كره الكراء بمكة .

حدثنا إسماعيل بن عياش عن ابن جريج قال : قرأت كتاب عمر بن [ ص: 290 ] عبد العزيز إلى الناس : ينهى عن كراء بيوت مكة .

حدثنا إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير مكة : ألا يدع أهل مكة يأخذون على بيوت مكة أجرا فإنه لا يحل لهم .

حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه نهى أن تغلق دور مكة دون الحاج ، وأنهم يضطربون فيما وجدوا منها فارغا .

حدثنا أبو إسماعيل يعني المؤدب عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الحرم كله مسجد .

حدثنا إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر : الحرم كله مسجد .

[ ص: 291 ] قلت : ويدل عليه قوله تعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ، وهذا لمكة كلها .

قال أبو عبيد : فإذا كانت مكة هذه سننها أنها مناخ من سبق إليها ، وأنها لا تباع رباعها ولا يطيب كراء بيوتها ، وأنها مسجد لجماعة المسلمين ، فكيف تكون هذه غنيمة فتقسم بين قوم يحوزونها دون الناس ، أو تكون فيئا فتصير أرض خراج وهي أرض من أرض العرب الأميين الذين كان الحكم عليهم الإسلام أو القتل فإذا أسلموا كانت أرضهم أرض العشر ولا تكون خراجا أبدا ؟ ثم جاء الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مفسرا حين قال : " لا تحل غنائمها " .

قال : فليس تشبه مكة شيئا من البلاد لما خصت به ، فلا حجة لمن زعم أن الحكم على غيرها كالحكم عليها ، وليست تخلو بلاد العنوة - سوى مكة - من أن تكون غنيمة كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر أو تكون فيئا كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السواد وغيره من أرض الشام ومصر ، انتهى .

فغلط في مكة طائفتان : طائفة ألحقت غيرها بها فجوزت ألا تقسم ولا يضرب عليها خراج ولا تكون فيئا ، وطائفة شبهت مكة بغيرها فجوزت قسمتها ، وضرب الخراج عليها وهي أقبح الطائفتين وأسوءهم مقالة ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث