الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

سر كون الزكاة من مباني الإسلام :

في ذلك ثلاثة معان :

المعنى الأول : أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد وشهادة بإفراد المعبود ، وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد ، فإن المحبة لا تقبل الشركة ، والتوحيد باللسان قليل الجدوى ، وإنما يمتحن به درجة الحب بمفارقة المحبوب ، والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا ، بسببها يأنسون بهذا العالم وينفردون عن الموت مع أن فيه لقاء المحبوب ، فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم ، ولذلك قال الله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) [ التوبة : 111 ] وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء الله عز وجل ، والمسامحة بالمال أهون ، ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام : قسم صدقوا التوحيد ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما كما جاء " أبو بكر " - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجميع أمواله . وقسم دون هؤلاء وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات ; فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم ، وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها ، وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة . وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة " كالنخعي والشعبي وعطاء ومجاهد . قال : " الشعبي " بعد [ ص: 51 ] أن قيل له : هل في المال حق سوى الزكاة قال : نعم أما سمعت قوله عز وجل : ( وآتى المال على حبه ذوي القربى ) [ البقرة : 177 ] الآية ، واستدلوا بقوله عز وجل : ( ومما رزقناهم ينفقون ) [ البقرة : 3 ، الأنفال : 3 ، والحج : 35 ، القصص : 54 ، السجدة : 16 والشورى : 38 ] وبقوله تعالى : ( وأنفقوا من ما رزقناكم ) [ المنافقون : 10 ] فهو داخل في حق المسلم على المسلم ، ومعناه أنه يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته عدا مال الزكاة . والقسم الثالث الذين يقتصرون على أداء الوجوب فلا يزيدون عليه ولا ينتقصون منه وهي أقل الرتب ، وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة .

المعنى الثاني : التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات ، قال تعالى : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [ الحشر : 9 ، والتغابن : 16 ] وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال ، فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير اعتيادا ، والزكاة بهذا المعنى طهرة ، أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك ، وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى .

المعنى الثالث : شكر النعمة ; فإن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وماله ، فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن ، والمالية شكر لنعمة المال ، وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث