الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 597 ] وسئل رحمه الله - هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار أم لا ؟

                التالي السابق


                فأجاب : الحمد لله . " الليل والنهار " الذي هو حاصل بالشمس هو تبع للسموات والأرض ; لم يخلق هذا الليل وهذا النهار قبل هذه السموات والأرض ; بل خلق هذا الليل وهذا النهار تبعا لهذه السموات والأرض ; فإن الله إذا أطلع الشمس حصل النهار وإذا غابت حصل الليل ; فالنهار بظهورها والليل بغروبها فكيف يكون هذا الليل وهذا النهار قبل الشمس والشمس [ والقمر ] مخلوقان مع السموات والأرض . وقد قال تعالى : { وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون } وقال تعالى : { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } قال ابن عباس وغيره من السلف في فلكة مثل فلكة المغزل .

                فقد أخبر تعالى أن الليل والنهار والشمس والقمر : في الفلك و " الفلك " هو السموات عند أكثر العلماء ; بدليل أن الله ذكر في هاتين الآيتين أن الشمس والقمر في الفلك وقال في موضع آخر : { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا } { وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } فأخبر أنه جعل الشمس والقمر في السموات . وقال تعالى : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } بين أنه خلق السموات والأرض وأنه خلق الظلمات والنور ; لأن الجعل هو التصيير . يقال : جعل كذا إذا صيره فذكر أنه خلق السموات والأرض وأنه جعل الظلمات والنور لأن الظلمات والنور مجعولة من الشمس والقمر : المخلوقة في السموات ; وليس الظلمات والنور والليل والنهار جسما قائما بنفسه ولكنه صفة وعرض قائم بغيره . " فالنور " هو شعاع الشمس وضوءها الذي ينشره الله في الهواء وعلى الأرض . وأما " الظلمة في الليل " فقد قيل : هي كذلك وقيل هي أمر وجودي فهذا الليل وهذا النهار اللذان يختلفان علينا اللذان يولج الله أحدهما في الآخر فيولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخلف أحدهما الآخر يتعاقبان كما قال تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } وقال تعالى : { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } . بين سبحانه أنه جعل لكل شيء قدرا واحدا لا يتعداه . فالشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر وتلحقه بل لها مجرى قدره الله لها وللقمر مجرى قدره الله له كما قال تعالى : { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون } { والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } { والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم } ثم قال : { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } أي لا يفوته ويتقدم أمامه حتى يكون بينهما برزخ ; بل هو متصل به لا هذا ينفصل عن هذا ولا هذا ينفصل عن هذا { كل في فلك يسبحون }

                . فالمقصود : أن هذا الليل وهذا النهار جعلهما الله تبعا لهذه السموات والأرض ; ولكن كان - قبل أن يخلق الله هذه السموات وهذه الأرض وهذا النهار : كان - العرش على الماء كما قال تعالى : { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء } . وخلق الله من بخار ذلك الماء هذه السموات وهو الدخان المذكور في قوله تعالى { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } { فقضاهن سبع سماوات في يومين } . وذلك لما كان الماء غامرا لتربة الأرض وكانت الريح تهب على ذلك الماء ; فخلق الله هذه السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش . فتلك الأيام التي خلق الله تعالى فيها هذه .




                الخدمات العلمية