الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله

[ ص: 184 ] ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب )

قوله عز وجل : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب )

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر التوحيد بالدلائل القاهرة القاطعة أردف ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد ؛ لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء ، ولذلك قال الشاعر :

وبضدها تتبين الأشياء

وقالوا أيضا : النعمة مجهولة ، فإذا فقدت عرفت ، والناس لا يعرفون قدر الصحة ، فإذا مرضوا ثم عادت الصحة إليهم عرفوا قدرها ، وكذا القول في جميع النعم ، فلهذا السبب أردف الله تعالى الآية الدالة على التوحيد بهذه الآية ، وههنا مسائل :

المسألة الأولى : أما الند فهو المثل المنازع ، وقد بينا تحقيقه في قوله تعالى في أول هذه السورة : ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) [ البقرة : 22 ] واختلفوا في المراد بالأنداد على أقوال :

أحدها : أنها هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى ، ورجوا من عندها النفع والضر ، وقصدوها بالمسائل ، ونذروا لها النذور ، وقربوا لها القرابين ، وهو قول أكثر المفسرين ، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض ، أي أمثال ليس إنها أندادا لله ، أو المعنى : إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة .

وثانيها : أنهم السادة الذين كانوا يطيعونهم فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله ، ويحرمون ما أحل الله ، عن السدي . والقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه :

الأول : أن قوله : ( يحبونهم كحب الله ) الهاء والميم فيه ضمير العقلاء .

الثاني : أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع .

الثالث : أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) [ البقرة : 166 ] وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أندادا وأمثالا لله تعالى ، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله تعالى .

القول الثالث : في تفسير الأنداد : قول الصوفية والعارفين ، وهو أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى ، فقد جعلته في قلبك ندا لله تعالى ، وهو المراد من قوله : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) [الجاثية : 23] .

أما قوله تعالى : يحبونهم كحب الله فاعلم أنه ليس المراد محبة ذاتهم ، فلا بد من محذوف ، والمراد يحبون عادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم ، أو جميع ذلك ، وقوله : ( كحب الله ) فيه ثلاثة أقوال :

قيل فيه : كحبهم لله ، وقيل فيه : كالحب اللازم عليهم لله ، وقيل فيه : كحب المؤمنين لله ، وإنما اختلفوا هذا الاختلاف من حيث إنهم اختلفوا في أنهم هل كانوا يعرفون الله أم لا ؟ فمن قال : كانوا يعرفونه مع اتخاذهم الأنداد تأول على أن المراد كحبهم لله ، ومن قال : إنهم ما كانوا عارفين بربهم حمل الآية على أحد الوجهين [ ص: 185 ] الباقيين إما كالحب اللازم لهم أو كحب المؤمنين لله ، والقول الأول أقرب ؛ لأن قوله : ( يحبونهم كحب الله ) راجع إلى الناس الذين تقدم ذكرهم ، وظاهر قوله : ( كحب الله ) يقتضي حبا لله ثابتا فيهم ، فكأنه تعالى بين في الآية السالفة أن الإله واحد ، ونبه على دلائله ، ثم حكى قول من يشرك معه ، وذلك يقتضي كونهم مقرين بالله تعالى .

فإن قيل : العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله ؛ وذلك لأنه بضرورة العقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تنفع ولا تضر ، ولا تسمع ، ولا تبصر ولا تعقل ، وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعا مدبرا حكيما ، ولهذا قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) [ لقمان : 25 ] ومع هذا الاعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم لله تعالى ، وأيضا فإن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) [ الزمر : 3 ] وإذا كان كذلك ، كان المقصود الأصلي طلب مرضاة الله تعالى ، فكيف يعقل الاستواء في الحب مع هذا القول ؟ قلنا : قوله : ( يحبونهم كحب الله ) أي في الطاعة لها والتعظيم لها ، فالاستواء على هذا القول في المحبة لا ينافي ما ذكرتموه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث