الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 667 ] بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

كتاب الوصايا

والنظر فيها أولا ينقسم قسمين :

القسم الأول : النظر في الأركان .

والثاني : في الأحكام .

ونحن فإنما نتكلم من هذه فيما وقع فيها من المسائل المشهورة .

[ القسم الأول ]

القول في الأركان

والأركان أربعة : الموصي ، والموصى له ، والموصى به ، والوصية .

[ 1 - القول في الموصي ]

أما الموصي فاتفقوا على أنه كل مالك صحيح الملك ، ويصح عند مالك وصية السفيه والصبي الذي يعقل القرب ، وقال أبو حنيفة لا تجوز وصية الصبي الذي لم يبلغ ، وعن الشافعي القولان وكذلك وصية الكافر تصح عندهم إذا لم يوص بمحرم .

[ 2 - القول في الموصى له ] وأما الموصى له فإنهم اتفقوا على أن الوصية لا تجوز لوارث لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " لا وصية لوارث " واختلفوا هل تجوز لغير القرابة ؟ فقال جمهور العلماء : إنها تجوز لغير الأقربين مع الكراهية ، وقال الحسن ، وطاوس : ترد الوصية على القرابة ، وبه قال إسحاق .

وحجة هؤلاء ظاهر قوله تعالى : ( الوصية للوالدين والأقربين ) والألف واللام تقتضي الحصر .

واحتج الجمهور بحديث عمران بن حصين المشهور وهو " أن رجلا أعتق ستة أعبد له في مرضه عند موته ، لا مال له غيرهم ، فأقرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق اثنين وأرق أربعة " والعبيد غير القرابة .

وأجمعوا - كما قلنا - أنها لا تجوز لوارث إذا لم يجزها الورثة . واختلفوا - كما قلنا - إذا أجازتها الورثة ، فقال الجمهور : تجوز ، وقال أهل الظاهر والمزني : لا تجوز .

وسبب الخلاف هل المنع لعلة الورثة أو عبادة ؟ فمن قال عبادة قال : لا تجوز وإن أجازها الورثة ، ومن قال بالمنع لحق الورثة أجازها الورثة .

وتردد هذا الخلاف راجع إلى تردد المفهوم من قوله - عليه الصلاة والسلام - : " لا وصية لوارث " هل هو معقول المعنى أم ليس بمعقول ؟ واختلفوا في الوصية للميت ، فقال قوم : تبطل بموت الموصى له ، وهم الجمهور; وقال قوم : لا تبطل [ ص: 668 ] وفي الوصية للقاتل خطأ وعمدا .

وفي هذا الباب فرع مشهور ، وهو إذا أذن الورثة للميت هل لهم أن يرجعوا في ذلك بعد موته ؟ فقيل لهم ، وقيل ليس لهم ، وقيل بالفرق بين أن يكون الورثة في عيال الميت أو لا يكونوا ، أعني أنهم إن كانوا في عياله كان لهم الرجوع ، والثلاثة الأقوال في المذهب .

3 - القول في الموصى به

والنظر في جنسه وقدره .

أما جنسه : فإنهم اتفقوا على جواز الوصية في الرقاب ، واختلفوا في المنافع ، فقال جمهور فقهاء الأمصار : ذلك جائز ، وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة ، وأهل الظاهر : الوصية بالمنافع باطلة .

وعمدة الجمهور أن المنافع في معنى الأموال . وعمدة الطائفة الثانية أن المنافع متنقلة إلى ملك الوارث; لأن الميت لا ملك له فلا تصح له وصية بما يوجد في ملك غيره ، وإلى هذا القول ذهب أبو عمر بن عبد البر .

وأما القدر : فإن العلماء اتفقوا على أنه لا تجوز الوصية في أكثر من الثلث لمن ترك ورثة . واختلفوا فيمن لم يترك ورثة وفي القدر المستحب منها ، هل هو الثلث أو دونه ؟

وإنما صار الجميع إلى أن الوصية لا تجوز في أكثر من الثلث لمن له وارث بما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - " أنه عاد سعد بن أبي وقاص ، فقال له يا رسول الله : قد بلغ مني الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا ، فقال له سعد : فالشطر ؟ قال : لا ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " ، فصار الناس لمكان هذا الحديث إلى أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث .

واختلفوا في المستحب من ذلك .

فذهب قوم إلى أنه ما دون الثلث ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - في هذا الحديث : " والثلث كثير " ، وقال بهذا كثير من السلف . قال قتادة : أوصى أبو بكر بالخمس ، وأوصى عمر بالربع ، والخمس أحب إلي .

وأما من ذهب إلى أن المستحب هو الثلث فإنهم اعتمدوا على ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله جعل لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم " وهذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث .

وثبت عن ابن عباس أنه قال : لو غض الناس في الوصية من الثلث إلى الربع لكان أحب إلي ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الثلث والثلث كثير " .

وأما اختلافهم في جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له ، فإن مالكا لا يجيز ذلك والأوزاعي ، واختلف فيه قول أحمد ، وأجاز ذلك أبو حنيفة وإسحاق ، وهو قول ابن مسعود .

وسبب الخلاف هل هذا الحكم خاص بالعلة التي علله بها الشارع أم ليس بخاص ، وهو أن لا يترك ورثته عالة يتكففون الناس ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - : " إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " [ ص: 669 ] فمن جعل هذا السبب خاصا وجب أن يرتفع الحكم بارتفاع هذه العلة ، ومن جعل الحكم عبادة وإن كان قد علل بعلة ، أو جعل جميع المسلمين في هذا المعنى بمنزلة الورثة ، قال : لا تجوز الوصية بإطلاق بأكثر من الثلث .

4 - القول في المعنى الذي يدل عليه لفظ الوصية .

والوصية بالجملة هي هبة الرجل ماله لشخص آخر أو لأشخاص بعد موته ، أو عتق غلامه سواء صرح بلفظ الوصية أو لم يصرح به ، وهذا العقد عندهم هو من العقود الجائزة باتفاق ( أعني : أن للموصي أن يرجع فيما أوصى به ) إلا المدبر فإنهم اختلفوا فيه على ما سيأتي في كتاب التدبير .

وأجمعوا على أنه لا يجب للموصى له إلا بعد موت الموصي .

واختلفوا في قبول الموصى له هل هو شرط في صحتها أم لا ؟ فقال مالك : قبول الموصى له إياها شرط في صحة الوصية ، وروي عن الشافعي أنه ليس القبول شرطا في صحتها ، ومالك شبهها بالهبة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث