الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


إذا

نوعان ظرف ومفاجأة . فالتي للمفاجأة ، نحو : خرجت فإذا السبع .

وتجيء اسما [ ص: 168 ] وحرفا فإذا كانت اسما كانت ظرف مكان ، وإذا كانت حرفا كانت من حروف المعاني الدالة على المفاجأة ، كما أن الهمزة تدل على الاستفهام ، فإذا قلت : خرجت فإذا زيد ، فلك أن تقدر إذا ظرف مكان ، ولك أن تقدرها حرفا ، فإن قدرتها حرفا كان الخبر محذوفا ، والتقدير موجود ، وإن قدرتها ظرفا كان الخبر ، وقد تقدم ، كما تقول : عندي زيد ، فتخبر بظرف المكان عن الجثة ، والمعنى حيث خرجت فهناك زيد .

ولا يجوز أن يكون في هذه الحالة ظرف زمان ، لامتناع وقوع الزمان خبرا عن الجثة ، وإذا امتنع أن تكون للزمان تعين أن تكون مكانا ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : ( فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ) ( الروم : 48 ) فإذا الأولى ظرفية ، والثانية مفاجأة . وتجيء ظرف زمان ، وحق زمانها أن يكون مستقبلا ، نحو : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) ( النصر : 1 ) .

وقد تستعمل للماضي من الزمان كـ " إذ " كما في قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ) ( آل عمران : 156 ) لأن قالوا ماض ، فيستحيل أن يكون زمانه مستقبلا . ومثله قوله تعالى : ( حتى إذا أتوا على وادي النمل ) ( النمل : 18 ) ( حتى إذا جاءوك يجادلونك ) ( الأنعام : 25 ) ( حتى إذا بلغ بين السدين ) ( الكهف : 93 ) ( حتى إذا ساوى بين الصدفين ) ( الكهف : 96 ) ( حتى إذا جعله نارا ) ( الكهف : 96 ) ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) ( الجمعة : 11 ) لأن الانفضاض واقع في الماضي .

وتجيء للحال كقوله تعالى : ( والنجم إذا هوى ) ( النجم : 1 ) ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ) ( الليل : 1 - 2 ) والتقدير : والنجم هاويا ، والليل غاشيا ، والنهار متجليا ، فإذا ظرف زمان ، والعامل فيه استقرار محذوف في موضع نصب على الحال ، والعامل فيها " أقسم " المحذوف .

[ ص: 169 ] وقد استشكل الزمخشري تقدير العامل في ذلك ، وأوضحه الشيخ أثير الدين ، فقال : في القول تقدير الفعل فإن إذا ظرف مستقبل ، ولا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف ، لأن " أقسم " إنشائي فهو في الحال ، و " إذا " لما يستقبل فيأبى أن يعمل الحال في المستقبل لاختلاف زمان العامل والمعمول ، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه ، أي وطلوع النجوم ، ومجيء الليل ، لأنه معمول لذلك الفعل ، فالطلوع حال ولا يعمل في المستقبل ضرورة أن زمان العامل زمان المعمول .

ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به ، لأنه ليس من قبيل ما يعمل ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف ، ويكون قد عمل فيه فيكون ذلك العامل في موضع الحال ، وتقديره : والنجم كائنا إذا هوى ، والليل كائنا إذا يغشى ، لأنه يلزم " كائنا " ألا يكون منصوبا بعامل إذ لا يصح ألا يكون معمولا لشيء مما فرضناه أن يكون عاملا . وأيضا فيكون المقسم به جثة ، وظروف الزمان لا تكون أحوالا عن الجثث كما لا تكون أخبارا لهن :

فأما الوجه الأول فهو الذي ذكره أبو البقاء قال في قوله تعالى : ( والنجم إذا هوى ) ( النجم : 29 ) العامل في الظرف فعل القسم المحذوف تقديره : أقسم بالنجم وقت هويه .

وما ذكره الشيخ عليه من الإشكال فقد يجاب عنه بوجهين :

[ ص: 170 ] ( أحدهما ) : أن الزمانين لما اشتركا في الوقوع المحقق نزلا منزلة الزمان الواحد ، ولهذا يصح عطف أحدهما على الآخر كقوله تعالى : ( إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) ( الفرقان : 10 ) ثم قال : ( ويجعل ) ( الفرقان : 10 ) .

وهو قريب من جواب الفارسي لما سأله أبو الفتح عن قوله تعالى : ( ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ) ( الزخرف : 39 ) مستشكلا إبدال " إذ " من " اليوم " فقال : " اليوم " حال ، " وظلمتم " في الماضي ، فقال : إن الدنيا والآخرة متصلتان ، وإنهما في حكم الله تعالى سواء ، فكأن " اليوم " ماض ، وكأن " إذ " مستقبله .

والثاني أنه على ظاهره ، ولا يلزم ما ذكر ؛ لأن الحال كما تأتي مقارنة تأتي مقدرة ، وهي أن تقدر المستقبل مقارنا ، فتكون أطلقت ما بالفعل على ما بالقوة مجازا ، وجعلت المستقبل حاضرا كقوله تعالى : ( فادخلوها خالدين ) ( الزمر : 73 ) .

وأما الوجه الثاني فيمكن أن يقال : يجوز تقديره ، وهو العامل ولا يلزم ما قال من اختلاف الزمانين ، لأنه يجوز الآن أن يقسم بطلوع النجم في المستقبل ، والقسم في الحال ، والطلوع في المستقبل ، ويجوز أن يقسم بالشيء الذي سيوجد .

وأما الوجه الأخير ، فهو الذي ذكره ابن الحاجب في شرح " المفصل " فقال : إذا ثبت أنها لمجرد الظرفية ، فليست متعلقة بفعل القسم ، لأنه يصير المعنى : أقسم في هذا الوقت بالليل ، فيصير القسم مقيدا ، والمعنى على خلافه بل تتعلق بفعل محذوف فهي إذن في موضع الحال من الليل انتهى .

[ ص: 171 ] وقد وقع في محذور آخر ، وهو أن الليل عبارة عن الزمان المعروف ، فإذا جعلت " إذا " معمولة لفعل هو حال من الليل ، لزم وقوع الزمان في الزمان وهو محال ، وأما ما ذكره الشيخ عليه فقد يمنع بل يجوز ذلك ويكون حالا مقدرة .

وقوله : يلزم ألا يكون له عامل . قلنا : بل له عامل ، وهو فعل القسم ، ولا يضر كونه إنشاء لما ذكرنا أنها حال مقدرة .

وأما الشبهة الأخيرة ، فقد سألها أبو الفتح ، فقال : كيف جاز لظرف الزمان هنا أن يكون حالا من الجثة ، وقد علم امتناع كونه صلة له وصفة وخبرا ! وأجاب بأنها جرت مجرى الوقت الذي يؤخر ويقدم . وهي أيضا بعيدة لا تنالها أيدينا ، ولا يحيط علمنا بها في حال نصبها ، إحاطتنا بما يقرب منها ، فجرت لذلك مجرى المعدوم .

فإن قيل : كيف جاز لظرف الزمان أن يكون حالا من النجم ؟ وأجاب بأن مثل هذا يجوز في الحال من حيث كان فضلة . انتهى .

وقد يقال : ولئن سلمنا الامتناع في الحال أيضا ، فيكون على حذف مضاف ، أي وحضور الليل ، وتجعله حالا من الحضور لا من الجثة .

والتحقيق - وبه يرتفع الإشكال في هذه المسألة - أن يدعى أن " إذا " كما تجرد عن الشرطية كذلك تجرد عن الظرفية ، فهي في هذه الآية الشريفة لمجرد الوقت من دون تعلق بالشيء تعلق الظرفية الصناعية ، وهي مجرورة المحل ههنا لكونها بدلا عن الليل ، كما جرت بـ " حتى " في قوله : ( حتى إذا جاءوها ) ( الزمر : 71 ) والتقدير : أقسم بالليل وقت غشيانه ، أي أقسم بوقت غشيان الليل ، وهذا واضح .

فإن قلت : هل صار أحد إلى تجردها عن الظرفية والشرطية معا ؟ قلت : نعم [ ص: 172 ] نص عليه في التسهيل ، فقال : وقد تفارقها الظرفية مفعولا بها ، أو مجرورة بحتى ، أو مبتدأ . وعلم مما ذكرنا زيادة رابع وهو البدلية

( فائدة ) . وتستعمل أيضا للاستمرار كقوله : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) ( البقرة : 14 ) وقوله : ( لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ) ( آل عمران : 156 ) فهذا فيما مضى لكن دخلت " إذا " لتدل على أن هذا شأنهم أبدا ، ومستمر فيما سيأتي ، كما في قوله :


وندمان يزيد الكأس طيبا سقيت إذا تغورت النجوم

ثم فيه مسائل .

( الأولى ) المفاجأة عبارة عن موافقة الشيء في حال أنت فيها ، قال تعالى : ( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) ( الأعراف : 107 ) وقوله : ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ) ( الروم : 36 ) .

قالوا : ولا تقع بعد " إذا " المفاجأة إلا الجملة الاسمية ، وبعد " إذ " إلا الفعل الماضي .

ومذهب المبرد وتبعه أكثر المتأخرين - أن المفاجأة نقلها إلى المكان عن الزمان ، ومعنى الآية : موافقة الثعبان لإلقاء موسى العصا في المكان ، وكذلك قولهم : خرجت فإذا السبع ، أي فإذا موافقة السبع ، لحرف حي في المكان ، وهي معنى قولهم : فإذا السبع بالحفرة ، وعلى هذا لا يكون مضافا إلى الجملة بعدها .

[ ص: 173 ] ( الثانية ) : الظرفية ضربان : ظرف محض ، وظرف مضمن معنى الشرط .

- فالأول نحو قولك : راحة المؤمن إذا دخل الجنة . ومنه قوله تعالى : ( والليل إذا يغشى ) ( الليل : 1 ) ومنه ( وإذا كنت فيهم ) ( النساء : 108 ) و إذا كنت علي راضية ، و " إذا كنت علي غضبى " لأنه لو كان فيها معنى الشرط ، لكان جوابها معنى ما تقدم ، ويصير التقدير في الأول : " إذا يغشى أقسم " فيفسد المعنى لغة ، أو يصير القسم متعلقا على شرط ، لا مطلقا فيؤدي إلى أن يكون القسم غير حاصل الآن ، وإنما يحصل إذا وجد شرطه ، وليس المعنى عليه ، بل على حصول القسم الآن من غير تقييد . وكذا حكم : ( والنجم إذا هوى ) ( النجم : 1 ) ( والليل إذا يسر ) ( الفجر : 4 ) .

ومما يتضمن للظرفية العارية من الشرط قوله : ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) ( الشورى : 39 ) لأنه لو كان فيها معنى الشرط لوجبت الفاء في جوابها .

والضرب الثاني يقتضي شرطا وجوابا ، ولهذا تقع الفاء بعدها على حد وقوعها بعد " إذ " كقوله تعالى : ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا ) ( الأنفال : 45 ) وكذا كثر وقوع الفعل بعد ماضي اللفظ مستقبل المعنى ، نحو : إذا جئتني أكرمتك . ومنه : إذا قلت [ ص: 174 ] لصاحبك أنصت فقد لغوت . وتختص المضمنة معنى الشرط بالفعل ، ومذهب سيبويه أنها لا تضاف إلا إلى جملة فعلية ، ولهذا إذا وقع بعدها اسم قدر بينه وبينها فعل محافظة على أصلها ، فإن كان الاسم مرفوعا كان فاعل ذلك الفعل المقدر ، كقوله تعالى : ( إذا السماء انشقت ) ( الانشقاق : 1 ) وإن كان منصوبا كان مفعولا ، والفاعل فيه أيضا ذلك المقدر ، كقوله :

إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته



والتقدير : إذا بلغت .

ومنهم من منع اختصاصها بالفعل ، لجواز : " إذا زيد ضربته " . وعلى هذا فالمرفوع بعدها مبتدأ ، وهو قول الكوفيين ، واختاره ابن مالك . وعلى القولين فمحل الجملة بعدها الجر بالإضافة ، والفاعل فيها جوابها ، وقيل : ليست مضافة والعامل فيها الفعل الذي يليها لا جوابها .

( تنبيه ) : مما يفرق فيه بين المفاجأة والمجازاة أن " إذا " التي للمفاجأة لا يبتدأ بها كقوله : ( إذا هم يقنطون ) ( الروم : 36 ) والتي بمعنى المجازاة يبتدأ بها ، نص عليه سيبويه ، فقال في الأولى : إذا جواب بمنزلة الفاء ، وإنما صارت جوابا بمنزلة الفاء ، لأنه لا يبدأ بها كما لا يبدأ بالفاء .

[ ص: 175 ] قال النحاس : ولكن قد عورض سيبويه بأن الفاء قد تدخل عليها ، فكيف تكون عوضا منها ؟

والجواب : أنها إنما تدخل توكيدا ، وأما قوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم ) ( الجاثية : 25 ) فيحتمل أنها متمحضة الظرفية لعدم الفاء في جوابها مع " ما " ، ويحتمل أن يكون " ما " جواب قسم مقدر ، لا جواب الشرط ، فلذلك لم يجئ بالفاء .

( الثالثة ) جوز ابن مالك أن تجيء لا ظرفا ولا شرطا ، وهي الداخلة عليها " حتى " الجارة كقوله تعالى : ( حتى إذا جاءوها ) ( الزمر : 71 ) أو الواقعة مفعولا كقوله عليه السلام : إني لأعلم إذا كنت علي راضية وكما جاز تجردها عن الشرط جاز تجردها عن الظرف .

وتحصل أنها تارة ظرف لما يستقبل ، وفيها معنى الشرط ، نحو : ( إذا طلقتم النساء ) ( الطلاق : 1 ) وتارة ظرف مستقبل غير شرط ، نحو : ( ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا ) ( مريم : 66 ) وتارة ظرف غير مستقبل ، نحو : ( إذا ما أتوك لتحملهم ) ( التوبة : 92 ) وتارة لا ظرف ولا شرط ، وتارة لا تكون اسم زمان ، وهي المفاجأة .

( الرابعة ) أصل " إذا " الظرفية لما يستقبل من الزمان كما أن " إذ " لما مضى منه ، ثم يتوسع فيها ، فتستعمل في الفعل المستمر في الأحوال كلها الحاضرة ، والماضية ، والمستقبلة ، فهي في ذلك شقيقة الفعل المستقبل الذي هو يفعل حيث يفعل به نحو ذلك . قالوا : إذا استعطي فلان أعطى ، وإذا استنصر نصر ، كما قالوا : فلان يعطي [ ص: 176 ] الراغب ، وينصر المستغيث ، من غير قصد إلى تخصيص وقت دون وقت ، وحال دون حال . قاله الزمخشري في كشافه القديم .

الخامسة : تجاب الشرطية بثلاثة أشياء .

- أحدها : الفعل نحو : إذا جئتني أكرمتك .

- وثانيها : الفاء نحو : إذا جئتني فأنا أكرمك .

- ثالثها : إذا المكانية قال تعالى : ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) ( الروم : 25 ) وقوله : ( حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون ) ( المؤمنون : 64 ) .

وما قبلها إما جوابها ، نحو : إذا جئتني أكرمتك ، أو ما دل عليه جوابها ، كقوله تعالى : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ) ( المؤمنون : 101 ) والمعنى فإذا نفخ في الصور تقاطعوا ، ودل عليه قوله : ( فلا أنساب بينهم ) . وكذا قوله : ( يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ) ( الفرقان : 22 ) وإنما احتيج لهذا التقدير لأن ما بعد " لا " النافية في مثل هذا الموضع لا يعمل فيه ما قبلها . وأيضا فإن " بشرى " مصدر ، والمصدر لا يتقدم عليه ما كان في صلته .

ومن ذلك قوله : ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) ( الروم : 25 ) فالعامل في " إذا " الأولى ما دل عليه ( إذا أنتم تخرجون ) والتقدير خرجتم . ولا يجوز أن يعمل فيه " تخرجون " لامتناع أن يعمل ما بعد " إذا " في المكانية فيما قبلها ، وحكمها في ذلك حكم الفاء .

[ ص: 177 ] ومنه قوله تعالى : ( فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ) ( المدثر : 8 - 9 ) فالعامل في " إذا " ما دل عليه قوله تعالى : ( فذلك يومئذ يوم عسير ) والتقدير : فإذا نقر في الناقور صعب الأمر . وقوله : ( هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم ) ( سبأ : 7 ) فالعامل في " إذا " ما دل عليه قوله تعالى : ( إنكم لفي خلق جديد ) ( سبأ : 7 ) من معنى " بعثتم " أو " مبعوثون " .

فإن قيل : أيجوز نصب " إذا " بقوله " جديد " لأن المعنى عليه ؟ قيل : لا يجوز لامتناع أن يعمل ما بعد " إن " فيما قبلها ، وهذا يسمى مجاوبة الإعراب ، والمعنى للشيء الواحد ، وكان أبو علي الفارسي يلم به كثيرا ، وذلك أنه يوجد في المنظوم والمنثور . والمعنى يدعو إلى أمر ، والإعراب يمنع منه ، وقد سبق بيانه في نوع ما يتعلق بالإعراب .

( المسألة السادسة ) : " إذا " توافق " إن " في بعض الأحكام ، وتخالفها في بعض ، فأما الموافقة : فهي إن كل واحد منهما يطلب شرطا وجزاء ، نحو : إذا قمت قمت ، وإذا زرتني أكرمتك .

وكل واحدة منهما تطلب الفعل ، فإن وقع الاسم بعد واحدة منهما قدر له فعل يرفعه يفسره الظاهر ، مثاله في " إن " قوله تعالى : ( وإن امرأة خافت ) ( النساء : 128 ) ( إن امرؤ هلك ) ( النساء : 176 ) وقوله : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) ( التوبة : 6 ) ومثاله في " إذا " قوله تعالى : ( إذا السماء انشقت ) ( الانشقاق : 1 ) و ( إذا الشمس كورت ) ( التكوير : 1 ) وما بعدها في السورة من النظائر ، وكذا قوله : ( إذا السماء انفطرت ) ( الانفطار : 1 ) وما بعدها من النظائر ، و ( إذا وقعت الواقعة ) ( الواقعة : 1 ) .

[ ص: 178 ] - وأما الأحكام التي تخالفها ففي مواضع :

الأول أن لا تدخل إلا على مشكوك نحو : إن جئتني أكرمتك ، ولا يجوز : إن طلعت الشمس آتيك ، لأن طلوع الشمس متيقن ، ثم إن كان المتيقن الوقوع مبهم الوقت جاز كقوله تعالى : ( أفإن مت ) ( الأنبياء : 34 ) ونظائره .

وأما " إذا " فظاهر كلام النحاة يشعر بأنها لا تدخل إلا على المتيقن ، وما في معناه ، نحو : إذا طلعت الشمس فأتني ، وقوله :


إذا مت فادفني إلى جنب كرمة



وقوله :

إذا طلعت شمس النهار فسلمي

وذلك لكونها للزمن المعين بالإضافة على مذهب الأكثر ، ولذلك لم يجزموا بها في الاختيار لعدم إبهامها كالشروط ، ولذلك وردت شروط القرآن بها ، كقوله : ( إذا الشمس كورت ) ( التكوير : 1 ) ونظائرها السابقة ، لكونها متحققة الوقوع .

وأما قوله تعالى : ( وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ) ( الإنسان : 28 ) فقد أشكل دخولها على غير الواقع ، وأجيب بأن التبديل محتمل وجهين : أحدهما : إعادتهم في الآخرة لأنهم أنكروا البعث . والثاني : إهلاكهم في الدنيا ، وتبديل أمثالهم ، فيكون كقوله : ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ) ( النساء : 133 ) فإن كان المراد في الدنيا ، [ ص: 179 ] وجب أن يجعل هذا بمعنى " إن " الشرطية ، لأن هذا شيء لم يكن ، فهي مكان " إن " لأن الشرط يمكن أن يكون ، وألا يكون ، ألا ترى إلى ظهورها في قوله تعالى : ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ) ( النساء : 133 ) ( إن نشأ نخسف بهم الأرض ) ( سبأ : 9 ) وإنما أجاز لـ " إذا " أن تقع موقع " إن " لما بينهما من التداخل والتشابه .

وقال ابن الخويي : الذي أظنه أنه يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك ، لأنها ظرف وشرط ، فبالنظر إلى الشرط تدخل على المشكوك كـ " إن " وبالنظر إلى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف .

وإنما اشترط فيما تدخل عليه ( إن ) أن يكون مشكوكا فيه ، لأنها تفيد الحث على الفعل المشروط لاستحقاق الجزاء ، ويمتنع فيه لامتناع الجزاء ، وإنما يحث على فعل ما يجوز ألا يقع ، أما ما لا بد من وقوعه فلا يحث عليه ، وإنما امتنع دخول " إذا " على المشكوك إذا لحظت فيها الظرفية ، لأن المعنى حينئذ التزام الجزاء في زمان وجود الشرط ، والتزام الشيء في زمان لا يعلم وجود شرط فيه ليس بالتزام .

ولما كان الفعل بعد " إن " مجزوما به يستعمل فيه ما ينبئ عن تحققه ، فيغلب لفظ الماضي كقوله : ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة ) ( الأعراف : 131 ) فجيء بـ " إذا " في جانب الحسنة ، وبـ " إن " في جانب السيئة ، لأن المراد بالحسنة جنس الحسنة ، ولهذا عرفت ، وحصول الحسنة المطلقة مقطوع به فاقتضت البلاغة التعبير بـ " إذا " وجيء بـ " إن " في جانب السيئة ، لأنها نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة ، كالمرض بالنسبة إلى الصحة ، والخوف بالنسبة إلى الأمن .

ومنه قوله تعالى في سورة الروم : ( وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ) ( الآية : 36 ) . وقوله : [ ص: 180 ] ( فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ) ( الروم : 48 ، 49 ) .

وأما قوله تعالى : ( وإذا مس الإنسان ضر ) ( الزمر : 8 ) بلفظ " إذا " مع " الضر " ، فقال السكاكي : نظر في ذلك إلى لفظ المس ، وتنكير الضر المفيد للتعليل ليستقيم التوبيخ ، وإلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضرر ، وللتنبيه على أن مس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء ، حقه أن يكون في حكم المقطوع به .

وأما قوله تعالى : ( وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) ( فصلت : 51 ) بعد قوله : ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ) ( فصلت : 51 ) أي أعرض عن الشكر ، وذهب بنفسه وتكبر ، والذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير للمعرض المتكبر لا لمطلق الإنسان ، ويكون لفظ " إذا " للتنبيه على أن مثل هذا المعرض المتكبر يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا .

الموضع الثاني : من الأحكام المخالفة أن المشروط بـ " إن " إذا كان عدما لم يمتنع الجزاء في الحال ، حتى يتحقق اليأس من وجوده ، ولو كان العدم مشروطا بـ " إذا " وقع الجزاء في الحال ، مثل : إن لم أطلقك فأنت طالق ، لم تطلق إلا في آخر العمر ، وإذا قال : إذا لم أطلقك فأنت طالق ، تطلق في الحال ، لأن معناه أنت طالق في زمان عدم تطليقي لك ، فأي زمان تخلف عن التطليق يقع فيه الطلاق . وقوله : إن لم أطلقك ، تعليق للطلاق على امتناع الطلاق ولا يتحقق ذلك إلا بموته غير مطلق .

الثالث : أن " إن " تجزم الفعل المضارع إذا دخلت عليه ، و " إذا " لا تجزمه لأنها لا تتمحض شرطا ، بل فيها معنى التزام الجزاء في وقت الشرط ، من غير وجوب أن يكون [ ص: 181 ] معللا بالشرط . وقد جاء الجزم بها إذا أريد بها معنى " إن " وأعرض عما فيها من معنى الزمان ، كقوله :

وإذا تصبك خصاصة فتجمل .

الرابع : أن " إذا " هل تفيد التكرار والعموم ؟ فيه قولان ، حكاهما ابن عصفور : ( أحدهما ) : نعم ، فإذا قلت : إذا قام زيد قام عمرو ، أفادت أنه كلما قام زيد قام عمرو . والثاني : لا يلزم . قال : والصحيح أن المراد بها العموم كسائر أسماء الشرط ، وأما " إن " ففيها كلام عن ابن جني يأتي في باب " إن " .

الخامس : أنك تقول : أقوم إذا قام زيد ، فيقتضي أن قيامك بعد قيامه مرتبط بقيامه لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ، بل يعاقبه على الاتصال ، بخلاف : أقوم إن قام زيد ، فيقتضي أن قيامك بعد قيامه ، وقد يكون عقبه ، وقد يتأخر عنه .

فالحاصل من " إن " التقييد بالاستقبال دون اقتضاء تعقيب ، أو مباعدة بخلاف " إذا " . ذكره أبو جعفر بن الزبير في كتابه " ملاك التأويل " .

المسألة السابعة : قيل قد تأتي زائدة كقوله : ( إذا السماء انشقت ) ( الانشقاق : 1 ) تقديره : انشقت السماء ، كما قال : ( اقتربت الساعة ) ( القمر : 1 ) ( أتى أمر الله ) ( النحل : 1 ) ورد هذا بأن الجواب مضمر .

[ ص: 182 ] ويجوز مجيئها بمعنى " إذ " وجعل منه ابن مالك قوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ) ( الجمعة : 11 ) . ورد بفوات المعنى لأن " إذا " تفيد أن هذا حالهم المستمر ، بخلاف " إذ " فإنها لا تعطي ذلك .

وقولهم : إذا فعلت كذا ، فيكون على ثلاثة أضرب : ( أحدها ) : يكون المأمور به قبل الفعل ، تقول : إذا أتيت الباب ، فالبس أحسن الثياب ، ومنه قوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) ( المائدة : 6 ) ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ ) ( النحل : 98 ) . ( الثاني ) : أن يكون مع الفعل كقولك : إذا قرأت فترسل . ( الثالث ) : أن يكون بعده كقوله تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) ( المائدة : 2 ) ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ) ( الجمعة : 9 )

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث