الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثاني أن رسول الله نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة

1305 [ ص: 134 ] حديث ثان لأبي الرجال .

مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان ، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة .

التالي السابق


قال أبو عمر ، لا خلاف عن مالك فيما علمت في إرسال هذا الحديث ، وقد روي مسندا من هذا الوجه وغيره .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال : حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت ، عن أبي الرجال عن أمه عمرة عن عائشة قالت : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى ينجو من العاهة : حدثنا أحمد بن محمد قال : حدثنا أحمد بن الفضل ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن منير قال : حدثنا هاشم بن [ ص: 135 ] يونس ، قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثنا الليث قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة ، قال ابن سراقة : فسألت عبد الله بن عمر متى ذلك ؟ قال : طلوع الثريا .

وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا اللفظ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تذهب عاهتها من حديث ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد ، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرة كلها صحاح ثابتة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، وحتى تزهي ، وحتى تحمر ، وحتى تطعم ، وحتى تخرج من العاهة ألفاظ كلها محفوظة ، ومعناها واحد .

والمعنى فيها أن تنجو من العاهة ، وهي الجائحة في الأغلب ; لأن الثمار إذا بدا صلاحها نجت من العاهة جملة واحدة [ ص: 136 ] ولكنها إذا بدا طيبها كان أقرب إلى سلامتها ، وقلما يكون سقوط ما يسقط منها إلا قبل ذلك .

ثم ما اعتراها من جائحة من السماء أو غيرها فقد مضى القول في ذلك كله ، واختلاف العلماء فيه ، في باب حميد الطويل من كتابنا هذا ، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا .

وقد روى وهيب بن خالد عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة قال : قال رسول - صلى الله عليه وسلم - : إذا طلعت الثريا صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد . وقد ذكرنا هذا الخبر ، ومضى القول فيه في باب حميد الطويل ، والحمد لله . وطلوع الثريا صباحا لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار ، وهو شهر مايه .

وفي هذا الحديث مع قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث حميد عن أنس أرأيت إن منع الله الثمرة ، فيم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ دليل واضح على جواز بيع الثمار كلها قبل بدو صلاحها على القطع في الوقت ; لأنها إذا قطعت في الوقت أمنت فيها العاهة ، ولم يمنع الله المشتري شيئا أراده .

ومن هذا جواز بيع القصيل وشبهه على القطع ، وهذا أمر لم يختلف فيه ، قال مالك : لا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها إلا [ ص: 137 ] على القطع ، وكذلك القصيل ، وهو قول ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي والشافعي ، فقال مالك والشافعي : فإذا اشترى الثمرة بعد بدو صلاحها ، فسواء اشترط تبقيتها أو لم يشترط ، البيع صحيح ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجوز بيع الثمار قبل بدو الصلاح ، وبعد بدو الصلاح إذا لم يشترط التبقية والقطع ، ولكن باعها وسكت ، وإن اشترط تبقيتها فسد العقد سواء باعها قبل بدو الصلاح أو بعده ، وقال محمد بن الحسن : إذا تناهى عظمه فشرط تركه جاز استحسانا .

قال أبو عمر : جعل أبو حنيفة قوله - صلى الله عليه وسلم - حتى تنجو من العاهة ردا لقوله حتى يبدو صلاحها فقال ما ذكرنا ، واحتج أيضا بالنهي عن بيع الغرر ، وجعل مالك وجمهور الفقهاء ذلك كله معنى واحدا ، وحملوه على الأغلب في أنها تسلم حينئذ ( في الأغلب ) ، والله أعلم .

والحجة لمالك والشافعي ، ومن قال بقولهما عموم قوله عز وجل ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حتى يبدو صلاحها ، وحتى غاية يقتضي هذا القول أنه إذا بدا صلاحها جاز بيعها جوازا مطلقا سواء شرط التبقية أو لم يشترط ، والله أعلم .

وقد سئل عثمان البتي عن بيع الثمر قبل أن يزهي ، فقال : لولا ما قال الناس فيه ما رأيت به بأسا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث