الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا

فكأنه قيل: لقد نصحا لهم؛ وبرا؛ واجتهدا في إصلاح الدين والدنيا؛ فما خدعا؛ ولا غرا؛ فما قالوا؟ فقيل: لم يزدهم ذلك إلا نفارا؛ واستضعافا لأنفسهم؛ لإعراضهم عن الله؛ واستصغارا؛ لأنهم قالوا ؛ معرضين عمن خاطباهم؛ غير عادين لهما؛ يا موسى ؛ وأكدوا نفيهم للإقدام عليهم بقولهم: إنا ؛ وعظموا تأكيدهم بقولهم: لن ندخلها ؛ وزادوه تأكيدا بقولهم: أبدا ؛ وقيدوا ذلك بقولهم: ما داموا ؛ أي: الجبابرة؛ فيها ؛ أي: لهم اليد عليها؛ ثم اتبعوه بما يدل على أنهم في غاية الجهل بالله؛ الفعال لما يريد؛ الغني عن جميع العبيد؛ فقالوا - مسببين عن نفيهم ذلك قولهم -: فاذهب أنت وربك ؛ أي: المحسن إليك؛ فلم يذكروا أنه أحسن إليهم؛ كثافة طباع؛ وغلظ أكباد؛ بل خصوه بالإحسان؛ وهذا القول إن لم يكن قائلوه يعتقدون التجسيم فهم مشارفون له؛ وكذلك أمثاله؛ وكان اليهود الآن عريقين في التجسيم؛ ثم سببوا عن الذهاب قولهم: فقاتلا ؛ ثم استأنفوا قولهم - مؤكدين لأن من له طبع سليم؛ وعقل مستقيم؛ لا يصدق أن أحدا يتخلف عن [ ص: 78 ] أمر الله؛ لا سيما إن كان بمشافهة الرسول -: إنا ها هنا ؛ أي: خاصة؛ قاعدون ؛ أي: لا نذهب معكما؛ فكان فعلهم فعل من يريد السعادة بمجرد ادعاء الإيمان؛ من غير تصديق له بامتحان؛ بفعل ما يدل على الإيقان; روى البخاري ؛ في المغازي والتفسير؛ عن عبد الله بن مسعود - رضي اللـه عنه - قال: قال المقداد بن عمرو يوم بدر: يا رسول الله؛ لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ؛ ولكن امض؛ ونحن معك؛ نقاتل عن يمينك؛ وعن شمالك؛ وبين يديك؛ وخلفك؛ فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرق وجهه؛ وسره.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث