الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 398 ] 73

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين

ذكر قتل عبد الله بن الزبير

لما بويع عبد الملك بالشام بعث إلى المدينة عروة بن أنيف في ستة آلاف من أهل الشام ، وأمره أن لا يدخل المدينة ، وأن يعسكر بالعرصة ، وكان عامل عبد الله بن الزبير على المدينة الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي ، فهرب الحارث ، وكان ابن أنيف يدخل ويصلي بالناس الجمعة ، ثم يعود إلى معسكره ، فأقام شهرا ولم يبعث إليهم ابن الزبير أحدا .

وكتب إليه عبد الملك بالعود إليه ، فعاد هو ومن معه ، وكان يصلي بالناس بعده عبد الرحمن بن سعد القرظي ، ثم عاد الحارث إلى المدينة ، وبعث ابن الزبير سليمان بن خالد الزرقي الأنصاري ، وكان رجلا صالحا عاملا على خيبر وفدك ، فنزل في عمله ، فبعث عبد الملك عبد الواحد بن الحارث بن الحكم - وقيل : اسمه عبد الملك ، وهو أصح - في أربعة آلاف ، فسار حتى نزل وادي القرى ، وسير سرية عليها أبو القمقام في خمسمائة إلى سليمان ، فوجده قد هرب ، فطلبوه فأدركوه ، فقتلوه ومن معه . فاغتم عبد الملك بن مروان لقتله وقال : قتلوا رجلا مسلما صالحا بغير ذنب .

وعزل ابن الزبير الحارث ، واستعمل مكانه جابر بن الأسود بن عوف الزهري ، فوجه جابر أبا بكر بن أبي قيس في ستمائة فارس وأربعين فارسا إلى خيبر ، فوجدوا أبا القمقام ومن معه مقيمين بفدك يعسفون الناس ، فقاتلوهم ، فانهزم أصحاب أبي القمقام ، وأسر منهم ثلاثون رجلا ، فقتلوا صبرا . وقيل : بل قتل الخمسمائة أو أكثرهم .

ووجه عبد الملك طارق بن عمرو مولى عثمان ، وأمره أن ينزل بين أيلة ووادي القرى ، ويمنع عمال ابن الزبير من الانتشار ، ويسد خللا إن ظهر له .

فوجه طارق إلى أبي بكر خيلا ، فاقتتلوا ، فأصيب أبو بكر في المعركة ، وأصيب من أصحابه أكثر من مائتي رجل .

[ ص: 399 ] وكان ابن الزبير قد كتب إلى القباع أيام كان عامله على البصرة يأمره أن يرسل إليه ألفي فارس ليعينوا عامله على المدينة ، فوجه إليه ألفي رجل ، فلما قتل أبو بكر أمر ابن الزبير جابر بن الأسود أن يسير جيش البصرة إلى قتال طارق ، فسار البصريون عن المدينة ، وبلغ طارقا الخبر ، فسار نحوه ، فالتقيا ، فقتل مقدم البصريين ، وقتل أصحابه قتلا ذريعا ، وطلب طارق مدبرهم ، وأجهز على جريحهم ، ولم يستبق أسيرهم .

ورجع طارق إلى وادي القرى ، وكان عامل ابن الزبير بالمدينة جابر بن الأسود ، وعزل ابن الزبير جابرا ، واستعمل طلحة بن عبيد الله بن عوف ، الذي يعرف بطلحة الندى ، سنة سبعين ، فلم يزل على المدينة حتى أخرجه طارق .

فلما قتل عبد الملك مصعبا وأتى الكوفة ، وجه منها الحجاج بن يوسف الثقفي في ألفين ، وقيل : في ثلاثة آلاف من أهل الشام ، لقتال عبد الله بن الزبير . وكان السبب في تسييره دون غيره أنه قال لعبد الملك : قد رأيت في المنام أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته ، فابعثني إليه وولني قتاله . فبعثه وكتب معه أمانا لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا ، فسار في جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ، ولم يعرض للمدينة ، ونزل الطائف ، وكان يبعث الخيل إلى عرفة ، ويبعث ابن الزبير أيضا فيقتتلون بعرفة ، فتنهزم خيل ابن الزبير في كل ذلك ، وتعود خيل الحجاج بالظفر .

ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم وحصر ابن الزبير ، ويخبره بضعفه وتفرق أصحابه ، ويستمده ، فكتب عبد الملك إلى طارق يأمره باللحاق بالحجاج ، فقدم المدينة في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين ، وأخرج عامل ابن الزبير عنها ، وجعل عليها رجلا من أهل الشام اسمه ثعلبة ، فكان ثعلبة يخرج المخ وهو على منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأكله ويأكل عليه التمر ليغيظ أهل المدينة ، وكان مع ذلك شديدا على أهل الزبير ، وقدم طارق على الحجاج بمكة في سلخ ذي الحجة في خمسة آلاف .

وأما الحجاج فإنه قدم مكة في ذي القعدة وقد أحرم بحجة ، فنزل بئر ميمون ، وحج بالناس تلك السنة الحجاج ، إلا أنه لم يطف بالكعبة ، ولا سعى بين الصفا والمروة ، منعه ابن الزبير من ذلك ، فكان يلبس السلاح ولا يقرب النساء ولا الطيب إلى أن قتل ابن الزبير ، ولم يحج ابن الزبير ولا أصحابه ; لأنهم لم يقفوا بعرفة ، ولم يرموا الجمار ، [ ص: 400 ] ونحر ابن الزبير بدنه بمكة .

ولما حصر الحجاج ابن الزبير نصب المنجنيق على أبي قبيس ، ورمى به الكعبة ، وكان عبد الملك ينكر ذلك أيام يزيد بن معاوية ثم أمر به ، فكان الناس يقولون : خذل في دينه .

وحج ابن عمر تلك السنة ، فأرسل إلى الحجاج : أن اتق الله ، واكفف هذه الحجارة عن الناس ، فإنك في شهر حرام وبلد حرام ، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله ويزدادوا خيرا ، وإن المنجنيق قد منعهم عن الطواف ، فاكفف عن الرمي حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكة . فبطل الرمي حتى عاد الناس من عرفات وطافوا وسعوا ، ولم يمنع ابن الزبير الحاج من الطواف والسعي ، فلما فرغوا من طواف الزيارة نادى منادي الحجاج : انصرفوا إلى بلادكم ، فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد .

وأول ما رمي بالمنجنيق إلى الكعبة رعدت السماء وبرقت ، وعلا صوت الرعد على الحجارة ، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم ، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق بيده ، فوضعه فيه ورمى به معهم ، فلما أصبحوا جاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا ، فانكسر أهل الشام ، فقال الحجاج : يا أهل الشام ، لا تنكروا هذا ، فإني ابن تهامة وهذه صواعقها ، وهذا الفتح قد حضر ، فأبشروا . فلما كان الغد جاءت الصاعقة ، فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدة ، فقال الحجاج : ألا ترون أنهم يصابون وأنتم على الطاعة وهم على خلافها ؟ وكان الحجر يقع بين يدي ابن الزبير وهو يصلي ، فلا ينصرف ، وكان أهل الشام يقولون : يا ابن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيتنا إليكا لتجزين بالذي أتيكا

[ ص: 401 ] يعنون : عصيت وأتيت .

وقدم عليه قوم من الأعراب فقالوا : قدمنا للقتال معك ، فنظر فإذا مع كل امرئ منهم سيف كأنه شفرة ، وقد خرج من غمده ، فقال : يا معشر الأعراب ، لا قربكم الله ! فوالله إن سلاحكم لرث ، وإن حديثكم لغث ، وإنكم لقتال في الجدب ، أعداء في الخصب . فتفرقوا ، ولم يزل القتال بينهم دائما ، فغلت الأسعار عند ابن الزبير ، وأصاب الناس مجاعة شديدة حتى ذبح فرسه ، وقسم لحمها في أصحابه ، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم ، والمد الذرة بعشرين درهما ، وإن بيوت ابن الزبير لمملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا ، وكان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده ، وكان يحفظ ذلك ولا ينفق منه إلا ما يمسك الرمق ، ويقول : أنفس أصحابي قوية ما لم يفن .

فلما كان قبيل مقتله تفرق الناس عنه وخرجوا إلى الحجاج بالأمان ، خرج من عنده نحو عشرة آلاف ، وكان ممن فارقه ابناه حمزة وخبيب ، أخذا لأنفسهما أمانا ، فقال عبد الله لابنه الزبير : خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك ، فوالله إني لأحب بقاءكم . فقال : ما كنت لأرغب بنفسي عنك . فصبر معه فقتل .

ولما تفرق أصحابه عنه خطب الحجاج الناس وقال : قد ترون قلة من مع ابن الزبير ، وما هم عليه من الجهد والضيق . ففرحوا واستبشروا ، فتقدموا ، فملئوا ما بين الحجون إلى الأبواء . فدخل على أمه فقال : يا أماه ، قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ، ولم يبق معي إلا اليسير ، ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة ، والقوم يعطوني ما أردت من الدنيا ، فما رأيك ؟ فقالت : أنت أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو ، فامض له ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية ، وإن كنت إنما أردت الدنيا ، فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك ومن قتل معك ، وإن قلت : كنت على حق ، فلما وهن أصحابي ضعفت - فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين ، كم خلودك في الدنيا ! القتل أحسن ! فقال : يا أماه ، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني . قالت : يا بني ، إن الشاة [ إذا ذبحت ] لا تتألم بالسلخ ، فامض على بصيرتك واستعن بالله .

[ ص: 402 ] فقبل رأسها وقال : هذا رأيي والذي ( قمت به داعيا ) إلى يومي هذا ، ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله ، وأن تستحل حرماته ، ولكني أحببت أن أعلم رأيك ، فقد زدتني بصيرة ، فانظري يا أماه ، فإني مقتول في يومي هذا ، فلا يشتد حزنك ، وسلمي الأمر إلى الله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ، ولا عملا بفاحشة ، ولم يجر في حكم الله ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمد ظلم مسلم أو معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به ، بل أنكرته ، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي ، اللهم لا أقول هذا تزكية لنفسي ، ولكني أقوله تعزية لأمي حتى تسلو عني ! .

فقالت أمه : [ إني ] لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا ، إن تقدمتني احتسبتك ، وإن ظفرت سررت بظفرك ، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك . فقال : جزاك الله خيرا ، فلا تدعي الدعاء لي . قالت : لا أدعه لك أبدا ، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق . ثم قالت : اللهم ارحم طول ذاك القيام في الليل الطويل ، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة ، وبره بأبيه وبي ! اللهم قد سلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين ! .

فتناول يديها ليقبلهما فقالت : هذا وداع فلا تبعد . فقال لها : جئت مودعا ; لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا . قالت : امض على بصيرتك ، وادن مني حتى أودعك . فدنا منها فعانقها وقبلها ، فوقعت يدها على الدرع فقالت : ما هذا صنيع من يريد ما تريد . فقال : ما لبسته إلا لأشد منك . قالت : فإنه لا يشد مني . فنزعها ثم درج كميه ، وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت أثناء السراويل ، وأدخل أسفلها تحت المنطقة ، وأمه تقول له : البس ثيابك مشمرة . فخرج وهو يقول : إني إذا أعرف يومي أصبر وإنما يعرف يومه الحر [ ص: 403 ] إذ بعضهم يعرف ثم ينكر

فسمعته فقالت : تصبر إن شاء الله ، أبواك أبو بكر والزبير ، وأمك صفية بنت عبد المطلب . فحمل على أهل الشام ( حملة منكرة فقتل منهم ، ثم انكشف هو وأصحابه ، وقال له بعض أصحابه : لو لحقت بموضع كذا . قال : بئس الشيخ أنا إذا في الإسلام لئن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم . ودنا أهل الشام ) حتى امتلأت منهم الأبواب ، وكانوا يصيحون به : يا ابن ذات النطاقين ، فيقول :

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها



وجعل أهل الشام على أبواب المسجد رجلا من أهل كل بلد ، فكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة ، ولأهل دمشق باب بني شيبة ، ولأهل الأردن باب الصفا ، ولأهل فلسطين باب بني جمح ، ولأهل قنسرين باب بني تميم ، وكان الحجاج وطارق من ناحية الأبطح إلى المروة ، فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية ومرة في هذه الناحية ، فكأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه الرجال ، يعدو في أثر القوم حتى يخرجهم ، ثم يصيح : أبا صفوان ! ويل أمه فتحا لو كان له رجال : لو كان قرني واحدا كفيته !

فيقول أبو صفوان عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف : إي والله وألف .

فلما رأى الحجاج أن الناس لا يقدمون على ابن الزبير غضب وترجل ، وأقبل يسوق [ ص: 404 ] الناس ويصمد بهم صمد صاحب علم ابن الزبير وهو بين يديه . فتقدم ابن الزبير على صاحب علمه وضاربهم وانكشفوا ، وعرج وصلى ركعتين عند المقام ، فحملوا على صاحب علمه فقتلوه عند باب بني شيبة ، وصار العلم بأيدي أصحاب الحجاج . فلما فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم ، فضرب رجلا من أهل الشام وقال : خذها وأنا ابن الحواري ! وضرب آخر وكان حبشيا ، فقطع يده وقال : اصبر أبا حممة ، اصبر ابن حام . وقاتل معه عبد الله بن مطيع وهو يقول :

أنا الذي فررت يوم الحره     والحر لا يفر إلا مره
واليوم أجزي فرة بكره



وقاتل حتى قتل ، وقيل : إنه أصابته جراح فمات منها بعد أيام .

وقال ابن الزبير لأصحابه وأهله - يوم قتل - بعد صلاة الصبح : اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم - وعليهم المغافر - . ففعلوا . فقال : يا آل الزبير ، لو طبتم بي نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلحنا في الله ، فلا يرعكم وقع السيوف ، فإن ألم الدواء للجراح أشد من ألم وقعها ، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم ، غضوا أبصاركم من البارقة ، وليشغل كل امرئ قرنه ، ولا تسألوا عني ، فمن كان سائلا عني فإني في الرعيل الأول ، احملوا على بركة الله . ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون ، فرمي بآجرة ، رماه رجل من السكون ، فأصابته في وجهه ، فأرعش لها ودمي وجهه ، فلما وجد الدم على وجهه قال :

فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا     ولكن على أقدامنا تقطر الدما



وقاتلهم قتالا شديدا ، فتعاوروا عليه ، فقتلوه يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة وله [ ص: 405 ] ثلاث وسبعون سنة ، وتولى قتله رجل من مراد ، وحمل رأسه إلى الحجاج فسجد ، ووفد السكوني والمرادي إلى عبد الملك بالخبر ، فأعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار .

وسار الحجاج وطارق حتى وقفا عليه ، فقال طارق : ما ولدت النساء أذكر من هذا . فقال الحجاج : أتمدح مخالف أمير المؤمنين ؟ قال : نعم هو أعذر لنا ، ولولا هذا لما كان لنا عذر ، إنا محاصروه منذ سبعة أشهر وهو في غير جند ولا حصن ولا منعة ، فينتصف منا ، بل يفضل علينا . فبلغ كلامهما عبد الملك ، فصوب طارقا .

ولما قتل ابن الزبير كبر أهل الشام فرحا بقتله ، فقال ابن عمر : انظروا إلى هؤلاء ، ولقد كبر المسلمون فرحا بولادته ، وهؤلاء يكبرون [ فرحا ] بقتله .

وبعث الحجاج برأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة ، ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان ، وأخذ جثته فصلبها على الثنية اليمنى بالحجون . فأرسلت إليه أسماء : قاتلك الله ! على ماذا صلبته ؟ قال : استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة وكانت له . فاستأذنته في تكفينه ودفنه ، فأبى ووكل بالخشبة من يحرسها ، وكتب إلى عبد الملك يخبره بصلبه ، فكتب إليه يلومه ويقول : ألا خليت بينه وبين أمه ! فأذن لها الحجاج ، فدفنته بالحجون ، فمر به عبد الله بن عمر فقال : السلام عليك يا أبا خبيب ! أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، ولقد كنت صواما قواما وصولا للرحم ، أما والله إن قوما أنت شرهم لنعم القوم .

وكان ابن الزبير قبل قتله بقي أياما يستعمل الصبر والمسك لئلا ينتن ، فلما صلب ظهرت منه رائحة المسك ، فقيل : ( إن الحجاج صلب معه كلبا ميتا ، فغلب على ريح المسك ، وقيل : بل صلب معه سنورا ) .

ولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة ناقة لم ير مثلها ، فسار إلى عبد الملك فقدم الشام قبل وصول رسل الحجاج بقتل عبد الله ، فأتى باب عبد الملك فاستأذن عليه فأذن [ ص: 406 ] له ، فلما دخل سلم عليه بالخلافة ، فرد عليه عبد الملك ورحب به وعانقه ، وأجلسه على السرير ، فقال عروة :

متت بأرحام إليك قريبة     ولا قرب للأرحام ما لم تقرب


ثم تحدثا حتى جرى ذكر عبد الله ، فقال عروة : إنه كان ، فقال عبد الملك : وما فعل ؟ قال : قتل . فخر ساجدا ، فقال عروة : إن الحجاج صلبه ، فهب جثته لأمه . قال : نعم . وكتب إلى الحجاج يعظم صلبه . وكان الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد الملك يقول له : إن عروة كان مع أخيه ، فلما قتل عبد الله أخذ مالا من مال الله فهرب . فكتب إليه عبد الملك : إنه لم يهرب ، ولكنه أتاني مبايعا وقد آمنته وحللته مما كان ، وهو قادم عليك فإياك وعروة . وعاد عروة إلى مكة ، وكانت غيبته عنها ثلاثين يوما .

فأنزل الحجاج جثة عبد الله عن الخشبة وبعث به إلى أمه ، فغسلته ، فلما أصابه الماء تقطع ، فغسلته عضوا عضوا فاستمسك ، وصلى عليه عروة ، فدفنته .

وقيل : إن عروة لما كان غائبا عند عبد الملك كتب إليه الحجاج وعاوده في إنفاذ عروة إليه ، فهم عبد الملك بإنفاذه فقال عروة : ليس الذليل من قتلتموه ، ولكن الذليل من ملكتموه ، وليس بملوم من صبر فمات ، ولكن الملوم من فر من الموت . فسمع مثل هذا الكلام ، فقال عبد الملك : يا أبا عبد الله ، لن تسمع منا شيئا تكرهه .

وإن عبد الله لم يصل عليه أحد ، منع الحجاج من الصلاة عليه ، وقال : إنما أمر أمير المؤمنين بدفنه ، وقيل : صلى عليه غير عروة ، والذي ذكره مسلم في صحيحه أن عبد الله بن الزبير ألقي في مقابر اليهود ، وعاشت أمه بعده قليلا وماتت ، وكانت قد أضرت ، وهي أم عروة أيضا .

فلما فرغ الحجاج من أمر ابن الزبير دخل مكة ، فبايعه أهلها لعبد الملك بن مروان ، وأمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة والدم ، وسار إلى المدينة ، وكان عبد الملك قد استعمله على مكة والمدينة ، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين ، فأساء إلى أهلها واستخف بهم ، وقال : أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان ، وختم أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم ، كما يفعل بأهل الذمة ، منهم جابر بن عبد الله ، [ ص: 407 ] وأنس بن مالك ، وسهل بن سعد ، ثم عاد إلى مكة ، فقال حين خرج منها : الحمد لله الذي أخرجني من ( أم نتن ) ، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين ، وأحسدهم له على نعمة الله ، والله لو ما كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعوادا يعودون بها ، ورمة قد بليت ، يغولون منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فبلغ جابر بن عبد الله قوله فقال : إن وراءه ما يسوءه ، قد قال فرعون ما قال ، ثم أخذه الله بعد أن أنظره .

وقيل : إن ولاية الحجاج المدينة وما فعله بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان سنة أربع وسبعين في صفر .

( خبيب بن عبد الله بن الزبير بضم الخاء المعجمة ، وببائين موحدتين بينهما ياء مثناة من تحت ، وكان عبد الله يكنى به وبأبي بكر أيضا ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث