الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء . واتقوا الله إن كنتم مؤمنين وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون .

[ ص: 241 ] استئناف هو تأكيد لبعض مضمون الكلام الذي قبله ، فإن قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء تحذير من موالاة أهل الكتاب ليظهر تميز المسلمين . وهذه الآية تحذير من موالاة اليهود والمشركين الذين بالمدينة ، ولا مدخل للنصارى فيها ، إذ لم يكن في المدينة نصارى فيهزءوا بالدين .

وقد عدل عن لفظ اليهود إلى الموصول والصلة وهي الذين اتخذوا دينكم هزؤا إلخ لما في الصلة من الإيماء إلى تعليل موجب النهي .

والدين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة ، فهو عنوان عقل المتدين ورائد آماله وباعث أعماله ، فالذي يتخذ دين امرئ هزؤا فقد اتخذ ذلك المتدين هزؤا ورمقه بعين الاحتقار ، إذ عد أعظم شيء عنده سخرية ، فما دون ذلك أولى . والذي يرمق بهذا الاعتبار ليس جديرا بالموالاة ، لأن شرط الموالاة التماثل في التفكير ، ولأن الاستهزاء والاستخفاف احتقار ، والمودة تستدعي تعظيم المودود .

وأريد بالكفار في قوله : " والكفار " المشركون ، وهذا اصطلاح القرآن في إطلاق لفظ الكفار . والمراد بذلك المشركون من أهل المدينة الذين أظهروا الإسلام نفاقا مثل رفاعة بن زيد ، وسويد بن الحارث ، فقد كان بعض المسلمين يوادهما اغترارا بظاهر حالهما . روي عن ابن عباس : أن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم . وقال الكلبي : كانوا إذا نادى منادي رسول الله قالوا : صياح مثل صياح العير ، وتضاحكوا ، فأنزل الله هذه الآية .

[ ص: 242 ] وقرأ الجمهور " والكفار " بالنصب عطفا على الذين اتخذوا دينكم المبين بقوله : من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم . وقرأ أبو عمرو ، والكسائي ، ويعقوب " والكفار " بالخفض عطفا على الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، ومآل القراءتين واحد .

وقوله : واتقوا الله إن كنتم مؤمنين أي احذروه بامتثال ما نهاكم عنه . وذكر هذا الشرط استنهاض للهمة في الانتهاء ، وإلهاب لنفوس المؤمنين ليظهروا أنهم مؤمنون ، لأن شأن المؤمن الامتثال . وليس للشرط مفهوم هنا ، لأن الكلام إنشاء ولأن خبر " كان " لقب لا مفهوم له إذ لم يقصد به الموصوف بالتصديق ، ذلك لأن نفي التقوى لا ينفي الإيمان عند من يعتد به من علماء الإسلام الذين فهموا مقصد الإسلام في جامعته حق الفهم .

وإذا أريد بالموالاة المنهي عنها الموالاة التامة بمعنى الموافقة في الدين فالأمر بالتقوى ، أي الحذر من الوقوع فيما نهوا عنه معلق بكونهم مؤمنين بوجه ظاهر . والحاصل أن الآية مفسرة أو مؤولة على حسب ما تقدم في سالفتها ومن يتولهم منكم فإنه منهم .

والنداء إلى الصلاة هو الأذان ، وما عبر عنه في القرآن إلا بالنداء . وقد دلت الآية على أن الأذان شيء معروف ، فهي مؤيدة لمشروعية الأذان وليست مشرعة له ، لأنه شرع بالسنة .

وقوله : ذلك بأنهم قوم لا يعقلون تحقير لهم إذ ليس في النداء إلى الصلاة ما يوجب الاستهزاء; فجعله موجبا للاستهزاء سخافة لعقولهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث