الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إذا أطلق لفظ الصلاح تناول جميع الخير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 83 ] فصل ومن هذا الباب لفظ " الصلاح " و " الفساد " : فإذا أطلق الصلاح تناول جميع الخير وكذلك الفساد يتناول جميع الشر كما تقدم في اسم الصالح وكذلك اسم المصلح والمفسد قال تعالى في قصة موسى : { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين } { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } وقال تعالى : { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون } { ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون } . والضمير عائد على المنافقين في قوله : { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } وهذا مطلق يتناول من كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن سيكون بعدهم ; ولهذا قال سلمان الفارسي : إنه عنى بهذه الآية قوما لم يكونوا خلقوا حين نزولها وكذا قال السدي عن أشياخه : الفساد الكفر والمعاصي . وعن مجاهد : ترك امتثال الأوامر واجتناب النواهي . والقولان معناهما واحد . وعن ابن عباس : الكفر . وهذا معنى قول من قال : النفاق الذي صافوا به الكفار وأطلعوهم على أسرار المؤمنين . وعن أبي العالية ومقاتل : العمل بالمعاصي . وهذا أيضا عام كالأولين . [ ص: 84 ] وقولهم : { إنما نحن مصلحون } فسر بإنكار ما أقروا به أي : إنا إنما نفعل ما أمرنا به الرسول .

وفسر : بأن الذي نفعله صلاح ونقصد به الصلاح وكلا القولين يروى عن ابن عباس وكلاهما حق فإنهم يقولون هذا وهذا ، يقولون الأول لمن لم يطلع على بواطنهم ويقولون الثاني لأنفسهم ولمن اطلع على بواطنهم . لكن الثاني يتناول الأول ; فإن من جملة أفعالهم إسرار خلاف ما يظهرون وهم يرون هذا صلاحا قال مجاهد : أرادوا أن مصافاة الكفار صلاح لا فساد . وعن السدي : إن فعلنا هذا هو الصلاح وتصديق محمد فساد ، وقيل : أرادوا أن هذا صلاح في الدنيا فإن الدولة إن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فقد أمنوا بمتابعته وإن كانت للكفار ; فقد أمنوهم بمصافاتهم . ولأجل القولين قيل في قوله : { ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون } أي لا يشعرون أن ما فعلوه فساد لا صلاح . وقيل : لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم . والقول الأول يتناول الثاني ; فهو المراد كما يدل عليه لفظ الآية . وقال تعالى { إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين } وقال { قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين } وقول يوسف { توفني مسلما وألحقني بالصالحين } .

وقد يقرن أحدهما بما هو أخص منه كقوله : { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } قيل : بالكفر وقيل : بالظلم ; وكلاهما صحيح وقال تعالى : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا } وقد تقدم قوله تعالى { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } . وقال تعالى : { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } وقتل النفس الأول من جملة الفساد لكن الحق في القتل لولي المقتول وفي الردة والمحاربة والزنا ; الحق فيها لعموم الناس ; ولهذا يقال : هو حق لله ولهذا لا يعفى عن هذا كما يعفى عن الأول لأن فساده عام قال تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } الآية . قيل : سبب نزول هذه الآية العرنيون الذين ارتدوا وقتلوا وأخذوا المال . وقيل : سببه ناس معاهدون نقضوا العهد وحاربوا . وقيل : المشركون ; فقد قرن بالمرتدين المحاربين وناقضي العهد المحاربين وبالمشركين المحاربين .

وجمهور السلف والخلف على أنها تتناول قطاع الطريق من المسلمين والآية تتناول ذلك كله ; ولهذا كان من تاب قبل القدرة عليه من جميع هؤلاء فإنه يسقط عنه حق الله تعالى . وكذلك قرن " الصلاح والإصلاح بالإيمان " في مواضع كثيرة كقوله تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } . { فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . ومعلوم أن الإيمان أفضل الإصلاح وأفضل العمل الصالح كما جاء في الحديث الصحيح أنه { قيل : يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال : إيمان بالله } . وقال تعالى : { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } . وقال : { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة } . وقال : { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } . وقال في القذف : { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } . وقال في السارق : { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه } . وقال : { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما } . ولهذا شرط الفقهاء في أحد قوليهم في قبول شهادة القاذف أن يصلح وقدروا ذلك بسنة كما فعل عمر بصبيغ بن عسل لما أجله سنة ، وبذلك أخذ أحمد في توبة الداعي إلى البدعة أنه يؤجل سنة كما أجل عمر صبيغ بن عسل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث