الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب طهورية ماء البحر وغيره

جزء التالي صفحة
السابق

باب طهورية ماء البحر وغيره

1 - ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال { : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ، ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ ، بماء البحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته } رواه الخمسة . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ) .

[ ص: 28 ]

التالي السابق


[ ص: 28 ] الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ، وابن الجارود في المنتقى ، والحاكم في المستدرك والدارقطني والبيهقي في سننهما ، وابن أبي شيبة . وحكى الترمذي عن البخاري تصحيحه ، وتعقبه ابن عبد البر بأنه لو كان صحيحا عنده لأخرجه في صحيحه ، ورده الحافظ وابن دقيق العيد بأنه لم يلتزم الاستيعاب ، ثم حكم ابن عبد البر مع ذلك بصحته لتلقي العلماء له بالقبول ، فرده من حيث الإسناد وقبله من حيث المعنى ، وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث لا تبلغ درجة هذا ولا تقاربه . وصححه أيضا ابن المنذر وابن منده والبغوي وقال : هذا الحديث صحيح متفق على صحته . وقال ابن الأثير في شرح المسند : هذا حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمة في كتبهم واحتجوا به ورجاله ثقات . وقال ابن الملقن في البدر المنير : هذا الحديث صحيح جليل مروي من طرق ، الذي حضرنا منها تسع ، ثم ذكرها جميعا وأطال الكلام . وسيأتي تلخيصها ، وقد ذكر ابن دقيق العيد في شرح الإمام جميع وجوه التعليل التي يعلل بها الحديث . قال ابن الملقن في البدر المنير : قلت : وحاصلها كما قال فيه أنه يعلل بأربعة أوجه ثم سردها وطول الكلام فيها . وملخصها أن الوجه الأول : الجهالة في سعيد بن سلمة ، والمغيرة بن أبي بردة المذكورين في إسناده ; لأنه لم يرو عن الأول إلا صفوان بن سليم ، ولم يرو عن الثاني إلا سعيد بن سلمة وأجاب بأنه قد رواه عن سعيد الجلاح بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره مهملة وهو ابن كثير ، رواه من طريقه أحمد والحاكم والبيهقي . وأما المغيرة فقد روى عنه يحيى بن سعيد ويزيد القرشي وحماد ، كما ذكره الحاكم في المستدرك . الوجه الثاني من التعليل : الاختلاف في اسم سعيد بن سلمة وأجاب بترجيح رواية مالك أنه سعيد بن سلمة من بني الأزرق ، ثم قال : فقد زالت عنه الجهالة عينا وحالا . الوجه الثالث : التعليل بالإرسال ; لأن يحيى بن سعيد أرسله . وأجاب بأنه أسنده سعيد بن سلمة وهو وإن كان دون يحيى بن سعيد ، فالرفع زيادة مقبولة عند أهل الأصول وبعض أهل الحديث . الوجه الرابع : التعليل بالاضطراب وأجاب بترجيح رواية مالك كما جزم به الدارقطني وغيره ، وقد لخص الحافظ ابن حجر في التلخيص ما ذكره ابن الملقن في البدر المنير فقال ما حاصله : ومداره على صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة . قال الشافعي : في إسناد هذا الحديث من لا أعرفه . قال البيهقي يحتمل أنه يريد سعيد بن سلمة أو المغيرة أو كليهما ، ولم يتفرد به سعيد عن المغيرة ، فقد رواه عنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، إلا أنه اختلف عليه فيه فروي عنه عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة أن ناسا من بني مدلج أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وروي عنه عن المغيرة عن رجل من بني مدلج ، وروي عنه عن المغيرة عن أبيه ، وروي عنه عن المغيرة بن عبد الله أو [ ص: 29 ] عبد الله بن المغيرة .

وروي عنه عن عبد الله بن المغيرة عن أبيه عن رجل من بني مدلج اسمه : عبد الله ، وروي عنه عن عبد الله بن المغيرة عن أبي بردة مرفوعا ، وروي عنه عن المغيرة عن عبد الله المدلجي هكذا قال الدارقطني ، وقال : أشبهها بالصواب عن المغيرة عن أبي هريرة . وكذا قال ابن حبان ، والمغيرة معروف كما قال أبو داود ، وقد وثقه النسائي ، وقال ابن عبد الحكم اجتمع عليه أهل أفريقية بعد قتل يزيد بن أبي مسلم فأبى قال الحافظ : فعلم من هذا غلط من زعم أنه مجهول لا يعرف . وأما سعيد بن سلمة فقد تابع صفوان بن سليم في روايته له عنه الجلاح بن كثير رواه جماعة منهم الليث بن سعد وعمرو بن الحارث . ومن طريق الليث رواه أحمد والحاكم والبيهقي ، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن حماد بن خالد عن مالك بسنده عن أبي هريرة .

وفي الباب عن جابر عند أحمد وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم بنحو حديث أبي هريرة ، وله طريق أخرى عنه عند الطبراني في الكبير والدارقطني والحاكم . قال الحافظ : وإسناده حسن ليس فيه إلا ما يخشى من التدليس انتهى ، وذلك ; لأن في إسناده ابن جريج وأبا الزبير وهما مدلسان ، قال ابن السكن : حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب . وعن ابن عباس عند الدارقطني والحاكم بلفظ : " ماء البحر طهور " قال في التلخيص : ورواته ثقات ، ولكن صحح الدارقطني وقفه ، وعن ابن الفراسي عند ابن ماجه بنحو حديث أبي هريرة ، وقد أعله البخاري بالإرسال ; لأن ابن الفراسي لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الدارقطني والحاكم بنحو حديث أبي هريرة ، وفي إسناده المثنى الراوي له عن عمر وهو ضعيف . قال الحافظ : ووقع في رواية الحاكم والأوزاعي بدل المثنى وهو غير محفوظ ، وعلي بن أبي طالب عند الدارقطني والحاكم بإسناد فيه من لا يعرف . وعن ابن عمر عند الدارقطني بنحو حديث أبي هريرة ، وعن أبي بكر الصديق عند الدارقطني وفي إسناده عبد العزيز بن أبي ثابت ، وهو كما قال الحافظ : ضعيف ، وصحح الدارقطني وقفه وابن حبان في الضعفاء . وعن أنس عند الدارقطني ، وفي إسناده أبان بن أبي ثوبان ، قال : وهو متروك . قوله : ( سأل رجل ) وقع في بعض الطرق التي تقدمت أن اسمه عبد الله ، وكذا ساقه ابن بشكوال بإسناده ، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبد ، وتبعه أبو موسى الحافظ الأصبهاني في كتاب معرفة الصحابة فقال : عبد أبو زمعة البلوي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر ، قال ابن منيع : بلغني أن اسمه عبد ، وقيل : اسمه عبيد بالتصغير ، وقال السمعاني في الأنساب : اسمه العركي ، وغلط في ذلك ، وإنما العركي وصف له وهو ملاح السفينة .

قوله : ( هو الطهور ) قد تقدم في أول الكتاب ضبطه وتفسيره ، وهو عند الشافعية ، المطهر ، وبه [ ص: 30 ] قال أحمد . وحكى بعض أصحاب أبي حنيفة عن مالك ، وبعض أصحاب أبي حنيفة أن الطهور هو الطاهر ، واحتج الأولون بأن هذه اللفظة جاءت في لسان الشرع للمطهر . كقوله تعالى : { ماء طهورا } وأيضا السائل إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التطهر بماء البحر لا عن طهارته ، ويدل على ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في بئر بضاعة : { إن الماء طهور } ; لأنهم إنما سألوه عن الوضوء به .

قال في الإمام شرح الإلمام : فإن قيل : لم لم يجبهم بنعم حين قالوا : ( أفنتوضأ به ) ؟ قلنا : لأنه يصير مقيدا بحال الضرورة وليس كذلك . وأيضا فإنه يفهم من الاقتصار على الجواب بنعم أنه إنما يتوضأ به فقط ، ولا يتطهر به لبقية الأحداث والأنجاس . فإن قيل : كيف شكوا في جواز الوضوء بماء البحر ؟ قلنا : يحتمل أنهم لما سمعوا قوله صلى الله عليه وسلم : { لا تركب البحر إلا حاجا أو معتمرا أو غازيا في سبيل الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا } أخرجه أبو داود وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمر مرفوعا ، ظنوا أنه لا يجزئ التطهر به . وقد روي موقوفا على ابن عمر بلفظ : { ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة ، إن تحت البحر نارا ثم ماء ثم نارا حتى عد سبعة أبحر وسبع أنيار } ، وروي أيضا عن ابن عمرو بن العاص أنه لا يجزئ التطهر به ، ولا حجة في أقوال الصحابة لا سيما إذا عارضت المرفوع والإجماع . وحديث ابن عمر المرفوع قال أبو داود : رواته مجهولون . وقال الخطابي : ضعفوا إسناده . وقال البخاري : ليس هذا الحديث بصحيح . وله طريق أخرى عند البزار ، وفيها ليث بن أبي سليم وهو ضعيف .

قال في البدر المنير : في الحديث جواز الطهارة بماء البحر وبه قال جميع العلماء إلا ابن عبد البر وابن عمر وسعيد بن المسيب .

وروي مثل ذلك عن أبي هريرة وروايته ترده ، وكذا رواية عبد الله بن عمر . وتعريف الطهور باللام الجنسية المفيدة للحصر لا ينفي طهورية غيره من المياه لوقوع ذلك جوابا لسؤال من شك في طهورية ماء البحر من غير قصد للحصر ، وعلى تسليم أنه لا تخصيص بالسبب ولا يقصر الخطاب العام عليه ، فمفهوم الحصر المفيد لنفي الطهورية عن غير مائه عموم مخصص بالمنطوقات الصحيحة الصريحة القاضية باتصاف غيره بها .

قوله : ( الحل ميتته ) فيه دليل على حل جميع حيوانات البحر حتى كلبه وخنزيره وثعبانه وهو المصحح عند الشافعية ، وفيه خلاف سيأتي في موضعه . ومن فوائد الحديث مشروعية الزيادة في الجواب على سؤال السائل لقصر الفائدة وعدم لزوم الاقتصار ، وقد عقد البخاري لذلك بابا فقال : باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله ، وذكر حديث ابن عمر : { أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم ؟ . فقال : لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرنس ولا ثوبا مسه الورس أو الزعفران ، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين } فكأنه سأله عن [ ص: 31 ] حالة الاختيار فأجابه عنها وزاد حالة الاضطرار ، وليست أجنبية عن السؤال ; لأن حالة السفر تقتضي ذلك . قال الخطابي : وفي حديث الباب دليل على أن المفتي إذا سئل عن شيء وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه ، ولم يكن ذلك تكلفا لما لا يعنيه ; لأنه ذكر الطعام وهم سألوه عن الماء لعلمه أنهم قد يعوزهم الزاد في البحر انتهى .

وأما ما وقع في كلام كثير من الأصوليين أن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال ، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة ، بل المراد أن الجواب يكون مفيدا للحكم المسئول عنه . وللحديث فوائد غير ما تقدم ، قال ابن الملقن : إنه حديث عظيم ، أصل من أصول الطهارة مشتمل على أحكام كثيرة وقواعد مهمة . قال الماوردي في الحاوي : قال الحميدي : قال الشافعي : هذا الحديث نصف علم الطهارة . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث