الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث إنما الأعمال بالنيات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

1 - عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لامرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ، ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " . متفق عليه .

التالي السابق


1 - ( عن عمر بن الخطاب ) : وهو الناطق بالصواب ، المسمى بالفاروق على ما دل عليه الكتاب ، وأول من سمي بأمير المؤمنين فيما بين الأصحاب ( رضي الله عنه ) : وهو . عدوي قرشي يجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في كعب بن لؤي ، كناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي حفص ، وهو لغة : الأسد ، ولقبه بالفاروق لفرقانه بين الحق ، والباطل . قال القاضي في تفسيره عند قوله تعالى : ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحكم لليهودي ، فلم يرض المنافق ، وقال : نتحاكم إلى عمر ، فقال اليهودي لعمر : قضى لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرض بقضائه ، وخاصم إليك ، فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ قال : نعم ، فقال : مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل فأخذ سيفه ، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ، وقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ، فنزلت . وقال جبريل : إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي : الفاروق . وقيل بإسلامه ، إذ أمر المسلمين قبله كان في غاية من الخفاء ، وبعده على غاية من الظهور ، والجلاء ، أسلم بعد أربعين رجلا وعشرة سنة ست من النبوة . وقيل : أسلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وثلاثون رجلا ، وست نسوة ، ثم أسلم عمر ; فنزلت : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) . بويع له بالخلافة بعد موت الصديق بعهده إليه ، ونصه عليه سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، ففتح البلاد الكثيرة ، والفتوح الشهيرة ، واستشهد على يد نصراني اسمه أبو لؤلؤة غلام مغيرة بن شعبة بالمدينة في صلاة الصبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة عام ثلاث وعشرين من الهجرة ، وهو ابن ثلاث وستين على الأصح ، وكانت خلافته عشر سنين ونصفا ، وصلى عليه صهيب ، روى عنه أبو بكر ، وباقي العشرة ، وخلق كثير من الصحابة ، والتابعين ، أحاديثه المرفوعة خمسمائة وسبعة وثلاثون ، له في الصحيحين أحد وثمانون انفرد البخاري منها بأربعة وثلاثين ، ومسلم بأحد وعشرين ، نقش خاتمه : كفى بالموت [ ص: 41 ] شديدا في أمر الله ، عاقلا مجتهدا صابرا محتسبا ، جعل الحق على لسانه ، وأعز الدين به ، واستبشر أهل السماء بإسلامه ، وله فضائل لا تحد ، وشمائل لا تعد ( قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :

( 1 ) [ ( إنما الأعمال بالنيات ) ] قيل : كلمة : ( إنما ) بسيطة . وقيل : مركبة من : أن ، وما الكافة ، أو الزائدة للتأكيد . وقيل : مركبة من أن ، وما النافية فهي عاملة بركنيها إيجابا ، ونفيا فبحرف التحقيق يثبت الشيء ، وبحرف النفي ينفى ما عداه ، وما اعتراض عليه من لزوم اجتماع الضدين على شيء واحد ، ومن : أن ، وما كلاهما يقتضي الصدارة - مدفوع بأن هذا إنما هو قبل التركيب ، وأما بعده فقد صار علما مفردا على إفادة الحصر ، وتضاعيفه يفيد القصر ، لأنه ليس إلا تأكيدا للحكم على تأكيد ، واتفق أهل العربية ، والأصول على أنها موضوعة للحصر خلافا لما نقل عن أكثر النحاة لصحة : إنما قام زيد في جواب هل قام عمرو ؟ كما يجاب بـ : ما قام إلا زيد ، ولورود قوله تعالى ( فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) و ( ما على الرسول إلا البلاغ ) وإذا تقرر أنها للحصر فتثبت المذكور ، وتنفي الحكم عن غيره في نحو : إنما قام زيد أي : لا عمرو ، أو غير الحكم عن المذكور في نحو : إنما زيد قائم أي : لا قاعد ، ومما يدل له حديث : ( إنما الماء من الماء ) فإن الصحابة الآخذين بقضيته لم يعارضهم جمهورهم القائلون بوجوب الغسل ، وإن لم ينزل بأن إنما لا تفيده ، وإنما عارضوهم بأدلة أخرى كحديث : ( إذا التقى الختانان وجب الغسل " ، وقد استدل ابن عباس - لما تفرد به قيل : ورجع عنه لما اشتد إنكار أبي سعيد الخدري عليه - بخبر : ( إنما الربا في النسيئة ) ، ولم ينازعه الصحابة فيه ، بل عارضوه في الحكم بأدلة أخرى ، فدل على اتفاقهم على أنها للحصر فالتقدير : إن الأعمال تعتبر إذا كانت بنية ، ولا تعتبر إذا كانت بلا نية ; فتصير إنما بمعنى ما وإلا . وقيل : الحصر مستفاد من الجمع المحلى باللام ; فإنه مفيد للاستغراق ، وهو مستلزم للحصر ، فالمعنى ليست الأعمال حاصلة بالنية ، ولا يمكن هنا نفي نفس الأعمال لثبوتها حسا ، وصورة من غير اقتران النية بها ، فلا بد من إضمار شيء يتوجه إليه النفي ، ويتعلق به الجار . فقيل : التقدير صحيحة ، أو تصح كما هو رأي الشافعي ، وأتباعه . وقيل : كاملة ، أو تكمل على رأي أبي حنيفة ، وأصحابه ، والأظهر أن المقدر : معتبرة ، أو تعتبر ; ليشمل الأعمال كلها سواء كانت عبادات مستقلات كالصلاة ، والزكاة فإن النية تعتبر لصحتها إجماعا ، أو شروطا في الطاعات كالطهارة ، وستر العورة فإنها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقا ; لعدم توقف الشروط على النية في الصحة ، خلافا للشافعي في الطهارة فعليه بيان الفرق ، أو أمورا مباحة فإنها قد تنقلب بالنيات حسنات كما أنها قد تنقلب سيئات بلا خلاف . غاية ما في الباب أن متعلق الصحة ، والكمال يعرف من الخارج ، ولا محذور فيه ، ويدل على ما قلنا أن الأعمال جمع محلى باللام فيستغرق كل عمل سواء أكان من العبادات ، أو غيرها ، ويشمل المتروكات أيضا ، فإنه لا ثواب في ترك الزنا ، والغصب ، ونحوها إلا بالنية ، وإن كانت صحيحة بدونها ، وكان هذا ملحظ من قال : المراد أعمال المكلفين . ويؤيده ما قال ابن دقيق العيد : ولا تردد عندي أن الحديث يشمل الأقوال ، ثم الباء للاستعانة . وقيل للمصاحبة ليعلم منه وجوب المقارنة لكنها تشعر بوجوب استصحابها إلى آخر العمل ; لأنه الظاهر من المعية ، ولا قائل به . نعم ، يشترط اتفاقا استصحابها مع العمل حكما بأن لا ينشئ منافيا ، وأيضا تشير إلى عدم جواز تقدمها على العمل ، وهو منقوض بنية الزكاة فإنها جائزة عند أفراد مال الزكاة ، وبنية الصوم في الليل فإنها أفضل بلا خلاف فالأولى هي الأولى ، وأوقات النيات في العبادات مختلفة ، محل بسطها الكتب الفقهية ، والنية بتشديد الياء ، وقد تخفف لغة : القصد ، وشرعا : توجه القلب نحو الفعل ابتغاء لوجه الله ، والقصد بها تمييز العبادة عن العادة فإن قيل : النية عمل من أعمال القلب ، فيحتاج إلى النية ، وبتسلسل أجيب : بأن المراد أعمال الجوارح بدلالة العقل ، وبدليل الخبر المعتبر : ( نية المؤمن خير من عمله ) ، وبدليل أن في العرف لا يطلق العمل على فعل الناوي اهـ .

[ ص: 42 ] وفيه : أن سائر أعمال القلوب لا تعتبر شرعا إلا بالنية ، وأن معنى الحديث عمل النية خير من عمل الجارحة لوجوه ذكرها الحجة في الإحياء . وأنه لا عبرة بالعرف مع أنه يختلف ، فالأظهر في الجواب استثناء النية ، وكذا الأمور الاعتقادية للدلالة العقلية . ثم لا يخفى أن النية باللسان مع غفلة الجنان غير معتبرة لما ورد من أن الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ، وأعمالكم . وفي رواية : ولكن ينظر إلى قلوبكم ، ونياتكم ، فلو نوى الظهر بقلبه في وقته ، وتلفظ بنية العصر لا يضره بخلاف العكس ، وهذا معنى قولهم ، ولا معتبر باللسان . واختلفوا في التلفظ بما يدل على النية بعد اتفاقهم أن الجهر بالنية غير مشروع سواء يكون إماما ، أو مأموما ، أو منفردا فالأكثرون على أن الجمع بينهما مستحب ليسهل تعقل معنى النية ، واستحضارها . قال صاحب الهداية : ويحسن لاجتماع عزيمته . قال المحقق الإمام ابن الهمام : قال بعض الحفاظ : لم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق صحيح ، ولا ضعيف أنه كان - عليه الصلاة والسلام - يقول عند الافتتاح : أصلي كذا ، ولا عن أحد من الصحابة ، والتابعين ، بل المنقول أنه كان - عليه الصلاة والسلام - إذا قام إلى الصلاة كبر ، وهذه بدعة اهـ . قال : وقد يفهم من قول المصنف لاجتماع عزيمته أنه لا يحسن لغير هذا القصد ، وهذا لأن الإنسان قد يغلب عليه تفرق خاطره فإذا ذكر بلسانه كان عونا على جمعه ، ثم رأيته في التجنيس . قال : والنية بالقلب لأنه عمله ، والتكلم لا معتبر به ، ومن اختاره لتجتمع عزيمته اهـ . كلامه . وقيل : لا يجوز التلفظ بالنية فإنه بدعة ، والمتابعة كما تكون في الفعل تكون في الترك أيضا ، فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع ، فهو مبتدع . وقد يقال : نسلم أنها بدعة لكنها مستحسنة استحبها المشايخ للاستعانة على استحضار النية لمن احتاج إليها ، وهو - عليه الصلاة والسلام - ، وأصحابه لما كانوا في مقام الجمع والحضور لم يكونوا محتاجين إلى الاستحضار المذكور ، وقيل : التلفظ شرط لصحة الصلاة ، ونسبوه إلى الغلط ، والخطأ ، ومخالفة الإجماع ، لكن له محمل عندنا مختص بمن ابتلي بالوسوسة في تحصيل النية ، وعجز عن أدائها فإنه قيل في حقه إذا تلفظ بالنية سقط عنه الشرط دفعا للحرج . وأغرب ابن حجر ، وقال : إنه - عليه الصلاة والسلام - نطق بالنية في الحج فقسنا عليه سائر العبادات . قلنا له : ثبت العرش ، ثم انقش من جملة الواردات فإنه ما ورد نويت الحج ، وإنما ورد اللهم إني أريد الحج إلخ ، وهو دعاء ، وإخبار لا يقوم مقام النية إلا بجعله إنشاء ، وهو يتوقف على العقد ، والقصد الإنشائي غير معلوم ، فمع الاحتمال لا يصح الاستدلال ، مع عدم صحته جعله مقيسا عليه محال ، ثم قال : وعدم وروده لا يدل على عدم وقوعه . قلنا : هذا مردود بأن الأصل عدم وقوعه حتى يوجد دليل وروده ، وقد ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - قام إلى الصلاة فكبر فلو نطق بشيء آخر لنقلوه ، وورد في حديث المسيء صلاته أنه قال له : ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ) فدل على عدم وجود التلفظ . وذكر أبو داود أنه قال : قلت للبخاري : هل تقول شيئا قبل التكبير فقال : لا . انتهى .

وبما ذكرناه يتبين فساد بقية كلام ابن حجر من قوله : وأيضا فهو - عليه الصلاة والسلام - لا يأتي إلا بالأكمل ، وهو أفضل من تركه إجماعا ، والنقل الضروري حاصل بأنه لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره فثبت أنه أتى في نحو الوضوء ، والصلاة بالنية مع النطق ، ولم يثبت أنه تركه ، والشك لا يعارض اليقين اهـ .

وقد علمت أن الأفضل المكمل عدم النطق بالنية مع أن دعوى الإجماع غير صحيحة ، فإن المالكية قالوا : بكراهته ، والحنبلية نصوا على أنه بدعة غير مستحب ، وإن أراد به الاتفاق بين الشافعية ، والحنفية فليس على الإطلاق بل محله إن احتاج إليه بالاستعانة عليه ، وقد ثبت تركه عند الحفاظ المحدثين بلا ريب فقوله : والشك لا يعارض اليقين مجازفة عظيمة من أعجب العجائب الذي يتحير فيه أولو الألباب حيث جعل الوهم يقينا ، وثبوت الحفاظ ريبا ، لا يقال :

[ ص: 43 ] المثبت مقدم على النافي لأنا نقول : محله إذا تعارض دليلان أحدهما على النفي ، والآخر على الإثبات ، والخصم هنا سواء جعلناه مثبتا ، أو نافيا ، ليس معه دليل ، ودليلنا على النفي ثابت بنقل المحدثين المؤيد بالأصل الذي هو عدم الوقوع فتأمل فإنه موضع زلل ، ومحل خطل ، ثم رأيت ابن القيم ذكر في زاد المعاد في هدي خير العباد ، وهذا لفظه كان - عليه الصلاة والسلام - إذا قام إلى الصلاة قال : ( الله أكبر ) ، ولم يقل شيئا قبلها ، ولا تلفظ بالنية ، ولا قال : ( أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما ، أو مأموما ) ، ولا قال : أداء ، ولا قضاء ، ولا فرض الوقت ، وهذه عشر بدع لم ينقل عنه - عليه الصلاة والسلام - أحد قط بإسناد صحيح ، ولا ضعيف ، ولا مسند ، ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة ، بل ولا عن أحد من الصحابة ، ولا استحبه أحد من التابعين ، ولا الأئمة الأربعة ، وإنما غر بعض المتأخرين قول الشافعي في الصلاة أنها ليست كالصيام لا يدخل فيها أحد إلا بذكر فظن أن الذكر تلفظ المصلي بالنية ، وأن مراد الشافعي بالذكر تكبيرة الإحرام ليس إلا ، وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة واحدة ، ولا أحد من خلفائه ، وأصحابه ، وهذا هديهم ، وسيرتهم ; فإن أوجدنا أحد حرفا واحدا عنهم في ذلك قبلناه ، وقابلناه بالقبول ، والتسليم ، ولا هدي أكمل من هديهم ، ولا سنة إلا ما تلقوه عن صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - اهـ .

وصرح السيد جمال الدين المحدث بنفي رواية التلفظ بالنية عن المحدثين ، وكذا ذكره الفيروزأبادي صاحب القاموس في كتابه المسمى بالصراط المستقيم . وقال القسطلاني في المواهب : وبالجملة فلم ينقل أحد أنه - عليه الصلاة والسلام - تلفظ بالنية ، ولا أعلم أحدا من أصحابه التلفظ بها ، ولا أقره على ذلك بل المنقول عنه في السنن أنه قال : ( مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ) . نعم اختلف العلماء في التلفظ بها ، فقال قائلون : هو بدعة ؛ لأنه لم ينقل فعله ، وقال آخرون : هو مستحب ؛ لأنه عون على استحضار النية القلبية ، وعبادة للسان كما أنها عبودية للقلب ، والأفعال المنوية عبادة الجوارح ، وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين السبكي ، والحافظ عماد الدين ابن كثير ، وأطنب ابن القيم في الهدي في رد الاستحباب ، وأكثر من الاستدلال بما في ذكره طول يخرجنا عن المقصود ، لاسيما والذي استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها ، وقاسه بعضهم على ما في الصحيحين من حديث أنس أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبي بالحج ، والعمرة جميعا يقول : ( لبيك عمرة ، وحجة ) ، وهذا تصريح باللفظ ، والحكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس لكنه تعقب هذا بأنه - عليه الصلاة والسلام - قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ، ويقصدونه من النسك ، ولقد صلى - عليه الصلاة والسلام - ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال : نويت أصلي صلاة كذا ، وكذا ، وتركه سنة كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين ما فعله ، وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتي له في الموضع الذي فعله ، والفرق بين الحج ، والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما بالآخر ، ثم اللام في النيات عوض عن المضاف إليه أي : إنما الأعمال بنياتها ، أو الحديث من باب مقابلة الجمع بالجمع على حد ركب القوم دوابهم . قال ابن الهمام : هذا حديث مشهور متفق على صحته ، وأما ألفاظه فإنما الأعمال بالنيات ، وبالنية ، والأعمال بالنية ، والعمل بالنية كلها في الصحيح ، وأما الأعمال بالنيات كما في الكتاب يعني الهداية فقال النووي في كتابه بستان العارفين ، ولم يكمله نقلا عن الحافظ أبي موسى الأصفهاني : أنه لا يصح إسناده ، وأقره ، ونظر بعضهم فيه ، إذ قد رواه كذلك ابن حبان في صحيحه ، والحاكم في أربعينه ، ثم حكم بصحته . قلت : وهو رواية عن إمام المذهب في مسند أبي حنيفة - رحمه الله - رواه عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة عن أبي وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( الأعمال بالنيات ) الحديث . ورواه ابن الجارود في المنتقى : ( إن الأعمال بالنيات ، وإن لكل امرئ ما نوى ) اهـ .

وروي عن الشافعي في فضل هذا الحديث أنه يدخل فيه نصف العلم ، ووجهه : أن النية عبودية القلب ، والعمل عبودية القالب ، أو أن الدين إما ظاهر ، وهو العمل ، أو باطن ، وهو النية ، فهو كقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم ) لتعلقها بالموت المقابل للحياة ، وروي عنه ما يدل على أنه ربع العلم كما قال :


عمدة الخير عندنا كلمات أربع قالهن خير البرية

    اتق الشبهات ، وازهد ، ودع ما
ليس يعنيك ، واعمل بنية



[ ص: 44 ] إشارة إلى الأحاديث الأربعة فكأنه اعتبر اتقاء السيئات ، والزهد في المباحات ، وترك الفضولات ، والعمل بالنيات في جميع الحالات . وروي عنه ، وعن أحمد أنه ثلث الإسلام ، أو ثلث العلم ، ووجهه البيهقي بأن كسب العبد إما بقلبه كالنية ، أو بلسانه ، أو ببقية جوارحه ، والأول أحد الثلاثة بل أرجحها ؛ لأنه عبادة بانفرادها ، وهذا وجه خير ( نية المؤمن خير من عمله ) ، وفي رواية أبلغ ، وفي أخرى زيادة : ( إن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله ) ، وذلك أن النية لا رياء فيها ، والعمل يخالطه الرياء ، وله طرق ضعيفة يتقوى بمجموعها ، ولا يعارضه حديث : ( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له واحدة ، ومن عملها كتبت له عشرة ) الموهم أن العمل خير منها لأن كتابة العشر ليست على العمل وحده بل معها ؛ لأنها شرط لصحته ، وهو ليس شرطا لصحتها ، ولهذا يثاب على النية المجردة فانقلب هذا الحديث دليلا على خيريتها ، وظهر فساد ما قيل : المراد أن النية خير من العمل بلا نية لا معها لئلا يلزم أن الشيء خير من نفسه مع غيره ، والعجب من ابن حجر حيث ذكر هذا القيل ، وقرره بالتعليل ، وأما قوله : ومن خيريتها على العمل أنها تقتضي التخليد في الجنة ، أو النار إذ المؤمن ناو الإيمان دائما ، والكافر ناو الكفر دائما فقوبل التأبيد بالتأبيد ، ولو نظر للعمل لكان الثواب ، أو العقاب لقدر مدته فمدخول ومعلول فإنه لا يقال نية الكافر خير من عمله ، بل مفهوم الحديث أن عمل الكافر خير من نيته ، نعم ذكروا في جانب الجنة أن دخولها بالإيمان ، ودرجاتها بالأعمال ، وخلودها بالنية ، أو من باب الإفضال فلا إشكال ، وأما دخول الكفار في النار فلكفرهم ، ودركاتها على قدر أعمالهم السيئة فكان مقتضى العقل في ظاهر العدل أن الكافر الذي عاش في الدنيا مائة سنة مثلا أن يعذب قدرها ، فقالوا : التخليد في مقابلة نيته من التأبيد فإنه لو فرض أنه عاش أبد الآباد لاستمر على كفره المعتاد ، ثم قيل : ضمير عمله الكافر معهود ، وهو السابق كبناء قنطرة عزم مسلم على بنائها ، والقول بأن خير ليست بمعنى أفعل التفضيل : والمعنى النية خير من جملة الخيرات ساقط عن الاعتبار من جميع الجهات . قال ابن حجر : واختلفوا في النية السيئة ، والحق أنه لا عقاب عليها إلا إن انضم إليها عزم ، أو تصميم أي : عزم على الفعل بالفعل ، أو تصميم على أنه سيفعل ، وفيه أن النية لا تكون إلا مع العزيمة : وإلا فمع التردد تسمى خطرة ، وهي مرفوعة بالإجماع . قال في المدارك عند قوله تعالى : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم ) الآية ، ولا تدخل الوساوس ، وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو عنه ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، ولكن ما اعتقده ، وعزم عليه ، والحاصل أن عزم الكفر كفر ، وخطرة الذنوب من غير عزم معفو عنها ، وعزم الذنب إذا ندم عليه ، ورجع عنه معفو عنه بل يثاب ، فأما إذا هم بسيئة ، وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع لا باختياره فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله أي : بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا ، وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا ؟ قيل : لا ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسهم ما لم تعمل ، أو تتكلم به ) . والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم ، وأن المؤاخذة في العزم ثابتة ، وإليه مال الشيخ أبو منصور ، وشمس الأئمة الحلواني ، والدليل عليه قوله تعالى : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ) الآية . وقال ابن حجر : فإن قلت : ونية الحسنة كذلك قلت : فرق بأن ناوي الحسنة يثاب عليها ، وعلى نيتها ، وناوي السيئة إنما يعاقب على نيتها فقط . قلت : لا حاجة إلى الفرق فإن لكل امرئ ما نوى ، ثم ما ذكره من الفرق غير صحيح ؛ لأنه إن أراد التعدد الحقيقي ، فهو غير ثابت ، وإن أراد التعدد الحكمي ، وهو الزيادة في الكيفية دون الكمية كما أشار إليه بقوله : ومعنى ثوابه على الأولين أنه يكتب له حسنة عظيمة لكن باعتبارين ، فهذا جار في السيئة أيضا . ومن جملة الفروع المتعلقة بهذا الحديث أن من سبق لسانه بمكفر يدين خلافا لبعض المالكية إذ لا نية له ، ويؤيدنا خبر مسلم في الذي ضلت راحلته ، ثم وجدها ، فقال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي ، وأنا ربك قال - عليه الصلاة والسلام - : ( أخطأ من شدة الفرح ) .

[ ص: 45 ] قال ابن حجر : فإن قلت : ظاهر كلام بعضهم قبول دعواه سبق اللسان هنا ، ولو من غير قرينة فينافيه ما مر في نحو الطلاق أنه لا بد من قرينة فما الفرق ؟ قلت : أما بالنسبة إلى الباطن فهما على حد سواء فلا شيء عليه باطنا فيهما حيث سبق لسانه ، وأما ظاهرا فلا بد من قرينة في الطلاق ، وكذا الكفر كما هو ظاهر ، ويحتمل قبوله فيه ظاهرا مطلقا ، ويفرق بأنه يغتفر في حق الله ما لا يغتفر في حق غيره لبناء حقه تعالى على المسامحة ، وحق الآدمي على المشاحة ، ومنها أن من وطئ ، أو شرب ، أو قتل يظن الحليلة [ ونحو الماء ، وغير المعصوم ] فبان محرما لا يأثم ، وفي عكسه يأثم اعتبارا بالنية فيها . وقال بعض العلماء : استثنى بعض الأعمال من هذا العموم كصريح الطلاق ، والعتاق لأن تعيين الشارع هذه الألفاظ لأجل هذه المعاني بمنزلة النية ، ولا يخفى أن هذا إنما هو بالنسبة إلى الصحة ، والجواز ، وأما بالنسبة إلى الثواب فلا بد من تصحيح النية ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث