الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عدم مشروعية طلب المدد من الأموات مطلقا

عدم مشروعية طلب المدد من الأموات مطلقا

وأما الاستمداد بأهل القبور في غير النبي -صلى الله عليه وسلم- والأنبياء -عليهم السلام- فقد أنكره كثير من الفقهاء، وأثبته مشايخ الصوفية -قدس الله أسرارهم- وبعض الفقهاء -رحمهم الله تعالى- وذلك أمر مقرر عند أهل الكشف والكمال منهم، ولا شك في ذلك عندهم، حتى عند كثير منهم، حصل لهم الفيوض من الأرواح، وتسمى هذه الطائفة: "أويسية" في اصطلاحهم.

قال الشافعي: قبر موسى الكاظم ترياق مجرب لإجابة الدعاء.

وقال الغزالي: من يستمد به في حياته، يستمد به بعد مماته. انتهى.

وأقول: مسألة الاستمداد بأهل القبور مما كثرت فيه الزلازل والقلاقل من [ ص: 43 ] متأخري هذه الأمة، وصار الناس فيه أحزابا متحزبة، وفرقا متفرقة، وكل فرقة اعتقدت شيئا وقالت قولا، وجاءت في زعمها بدليل يدل لها، وآل الأمر إلى أن كفرت طائفة قائلة به طائفة أخرى لم تقل بذلك، واشتد الأمر، وصعب الخطب، وجهل الجاهلون فيه جهلا كثيرا، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا [الكهف: 54].

والحق البحت الذي لا محيص عنه: أن المراد بزيارة القبور هو ما تقدم، لا هذه الأمور التي يقول بها الجمهور من أهل الرأي، والفقه، والتصوف، فإنه لم يرد في ذلك حديث أصلا، لا مرفوع، ولا موقوف.

وما نسبوه إلى الشافعي سنده منقطع لا يصح، ولو صح لا يكون فيه دليل أبدا; لأن قوله -رحمه الله- ليس من أدلة الشرع في صدر ولا ورد، وكذا قول غيره من الأئمة المجتهدين إذا لم يكن معتمدا على برهان من السنة، أو من القرآن.

فما ظنك بآحاد العلماء من المقلدين؟ فإنهم بمعزل عن أن يسمع منهم حرف، أو يلتفت إليهم، أو يصح الخطاب معهم، أو يبالى بهم في أحكام الملة الإسلامية ومسائل الأمة المحمدية.

وهكذا ليس لكشف الأولياء وإلهامهم وقع في هذا الباب، وإن كان جاء هذا من ألف ولي كامل.

وقول الغزالي المتقدم، وكذا استثناء النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الأنبياء -عليهم السلام- قول بلا دليل، ومثل هذا القول يرد ولا يقبل.

وقد صان الله سبحانه رسله وأنبياءه من استمداد الناس بهم في قضاء الحاجات.

ولشيخ شيوخنا الإمام الرباني محمد بن علي الشوكاني -رضي الله عنه- جواب سؤال في هذه المسألة، حرره في رسالة مستقلة، وسماها: "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد" ذكر فيها كل ما له تعلق ما بمسألة القبور [ ص: 44 ] والاستمداد بأهلها، وفي مطاوي فحاويها مسائل أخرى ترشد إلى الحق، وتنهى عن الباطل، فاستحسنت أن أذكرها في هذا المقام في باب مستقل؛ لعل الله يصلح به بين الفئتين، ويسفر الصبح منه لذي العينين، وتعيها أذن واعية، وتصبح القلوب إليها داعية.

[ ص: 45 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث