الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في اتخاذ الرضا درعا وهل هو كسبي أو وهبي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

واعلم أن للفقير الصابر آدابا . فمن جملتها أن لا يكره ما ابتلاه الله تعالى به من الفقر ، وهذا واجب عليه . وأرفع من هذا أن يكون راضيا بالفقر . وأرفع منه أن يكون طالبا له وفرحا به ، ولهذا قال الناظم رحمه الله تعالى :

مطلب : في اتخاذ الرضا درعا ، وهل هو كسبي أو وهبي ؟ ( وادرع ) أصله ادترع بعد نقل درع إلى الافتعال قلبت التاء دالا فصار اددرع بدالين فأدغمت الدال في الدال الأخرى لوجوب الادغام فصار ادرع أنت ( الرضا ) أي اتخذ الرضا درعا ، يقال ادرع الرجل إذا لبس الحديد بالدال المهملة وفلان ادرع الليل إذا دخل في ظلمته يسري كأنه جعل الليل درعا ; لأن الدرع يستر من وقع الأسنة والليل يستر بظلمته عن أعين الرقباء . فإذا لبس الفقير درع الرضا فقد سلم من حراب الجزع وأسنة التسخط ونبال التبرم . قال في القاموس : الرضا ضد السخط .

قال الإمام المحقق ابن القيم في شرح منازل السائرين : قد أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه ، واختلفوا في وجوبه على قولين . قال [ ص: 529 ] وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يحكيهما قولين لأصحاب الإمام أحمد رضي الله عنه ، وكان يذهب إلى القول باستحبابه . قال : ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر ، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم . قال : وأما ما يروى من الأثر : من لم يصبر على بلائي ولم يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي ، فهذا أثر إسرائيلي ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الإمام ابن القيم : قلت ولا سيما عند من يرى أنه من جملة الأحوال التي ليست مكتسبة وأنه موهبة محضة ، فكيف يؤمر به وليس مقدورا .

وهذه مسألة اختلف فيها أرباب السلوك على ثلاث طرق ، فالخراسانيون قالوا إن الرضا من جملة المقامات وهو نهاية التوكل . فعلى هذا يمكن أن يتوصل إليه العبد باكتسابه . والعراقيون قالوا هو من جملة الأحوال ، وليس كسبيا للعبد ، بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال . والفرق بين المقامات والأحوال أن المقامات عندهم من المكاسب ، والأحوال مجرد المواهب .

وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين منهم صاحب الرسالة يعني القشيري وغيره فقالوا : يمكن الجمع بينهما بأن يقال : بداية الرضا مكتسبة للعبد وهي من جملة المقامات ، ونهايته من جملة الأحوال ، فأوله مقام ونهايته حال . واحتج من جعله من جملة المقامات بأن الله مدح أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه فدل على أنه مقدور لهم .

وقال صلى الله عليه وسلم { ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا } وقال : { من قال حين يسمع النداء رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ، غفرت له ذنوبه } .

وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين ، وإليهما ينتهي ، وقد تضمنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته ، والرضا برسوله والانقياد له ، والرضا بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقا ، وهي سهلة بالدعوى واللسان ، ومن أصعب الأمور على الحقيقة والامتحان ، ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها . ولسنا بصدد بيان ذلك .

[ ص: 530 ] قال ابن القيم : والتحقيق في المسألة أن الرضا كسبي باعتبار سببه ، وهبي باعتبار حقيقته ، فمن تمكن بالكسب لأسبابه وغرس شجرته اجتنى منها ثمرة الرضا ، فإنه آخر التوكل ، فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض حصل له الرضا ولا بد . ولكن لعزته وعدم إجابة أكثر النفوس له وصعوبته عليها لم يوجبه الله على خلقه رحمة منه بهم وتخفيفا عنهم . نعم ندبهم إليه وأثنى على أهله ، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنات وما فيها ، فمن رضي عن ربه رضي الله عنه ، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه ، فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده ، رضا قبله أوجب له أن يرضى عنه ، ورضا بعده هو ثمرة رضاه عنه .

ولذا كان الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا ، ومستراح العارفين ، وحياة المحبين ، ونعيم العابدين ، وقرة أعين المشتاقين .

ومن أعظم أسباب حصول الرضا أن يلزم ما جعل الله سبحانه رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد . قيل ليحيى بن معاذ رحمه الله : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا ؟ فقال إذا أقام نفسه على أربعة فصول فيما يعامل به ربه ، فيقول إن أعطيتني قبلت ، وإن منعتني رضيت ، وإن تركتني عبدت ، وإن دعوتني أجبت .

ولهذا قال الناظم : رحمه الله تعالى بعد أمره باتخاذ الرضا درعا وجنة ووقاية يتحصن به عن اختلاج القلب واضطرابه من النوائب والخطرات والهواجس والشبهات ، بل يكون مطمئن القلب ساكن اللب ( ل ) جميع ( ما ) أي الذي ( قلب ) هـ ( الرحمن ) جل ثناؤه وصرفه وقضاه وقدره من المكروهات والمحبوبات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث