الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى

199 [ ص: 193 ] حديث أول لمسلم بن أبي مريم .

مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الله المعاوي أنه قال : ( رآني عبد الله بن عمر ، وأنا أعبث بالحصباء في الصلاة فلما انصرفت نهاني ، وقال : اصنع كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ، فقلت : كيف كان يصنع قال : كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى فأتى أصابعه كلها ، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام ، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ، وقال : هكذا كان يفعل ، ولا تعبث بهما .

التالي السابق


وسيأتي القول في وضع اليمنى على اليسرى في قيام الصلاة في باب عبد الكريم إن شاء الله ، وما جاء في هذا الحديث من صفة الجلوس ، ورتبة اليدين على ما وصف ابن عمر رحمه الله هو قول مالك وسائر الفقهاء ، وعليه العمل ، وفيه الإشارة بالسباحة والسبابة ، وكلاهما اسم للإصبع التي تلي [ ص: 194 ] الإبهام ، وروي مثل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن حديث مالك بن نمير الخزاعي عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس يدعو ، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ، ويده اليسرى على فخذه اليسرى ، وأشار بإصبعه السبابة ، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى ، ويلقم كفه اليسرى ركبته ، وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال : أنبأنا محمد بن بكر قال : أنبأنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن عبد الرحيم البزار قال : حدثنا عفان قال : حدثنا عبد الواحد ( بن زياد ) قال : حدثنا عثمان بن حكيم قال : حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه ( وساقه ، وفرق بين قدمه اليمنى ، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ، ووضع [ ص: 195 ] يده اليمنى على فخذه اليمنى ) ، وأشار بإصبعه ، ورواه ابن جريج عن زياد بن سعد عن محمد بن عجلان عن عامر عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشير بإصبعه ، ولا يحركها ، ورواه روح بن القاسم عن ابن عجلان بإسناده ، وقال فيه : ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ، وقال بإصبعه : هكذا لم يمدها ، ولم يعقفها ، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا عصام أبو قدامة قال : حدثنا مالك بن نمير الخزاعي من أهل البصرة : أن أباه حدثه : أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعدا في الصلاة واضعا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعا إصبعه السبابة قد حناها شيئا وهو يدعو ، ورواه جماعة عن عصام أبي قدامة قال أبو عمر : لم نذكر في هذا الباب إلا وضع اليدين على الركبتين في الجلوس ، وهيئتها في ذلك ، والإشارة بالإصبع لا غير ، وسنذكر سنة الجلوس في الصلاة ، ومن قال : ينصب اليمنى ويثني اليسرى ، ويفضي بوركه إلى الأرض ، ومن قال غير ذلك ، ونذكر [ ص: 196 ] الآثار ، وما للعلماء في ذلك من الأقوال في باب عبد الرحمن بن القاسم من كتابنا هذا إن شاء الله .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا حامد بن يحيى قال : حدثنا سفيان عن مسلم بن أبي مريم قال : أخبرني علي بن عبد الرحمن المعاوي قال : صليت إلى جنب ابن عمر فقلبت الحصى فلما انصرف - ومرة قال : فرغ من صلاته - قال : لا تقلب الحصى فإن تقليب الحصا من الشيطان ، وافعل كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( يفعل ) فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ، وضم أصابعه الثلاثة ، ونصب السبابة ، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ، وبسطها قال سفيان : وكان يحيى بن سعيد قد حدثنا عنه أولا ، ثم لقيته فسمعته منه ، وزاد فيه مسلم ، وقال : هي مدية الشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بإصبعه ، ويقول هكذا قال أبو عمر : علي المعاوي منسوب إلى بني معاوية فخذ من الأنصار ، وفي هذا الحديث من الفقه أنه لا يجوز العبث في الصلاة بالحصباء ، وهو أمر مجتمع عليه ( وكذلك غير الحصباء ) .

[ ص: 197 ] ( أنه لا يجوز العبث في الصلاة بالحصباء ) ، ولا غيرها ، وإن ذلك على أي وجه كان إذا كثر وطال ، وشغل عن الصلاة أفسد الصلاة ، وإنما لم يأمر ابن عمر عليا هذا بالإعادة ، والله أعلم ; لأنه كان ذلك منه يسيرا ، وقد جاء في حديث أبي ذر أنه كره مسح الحصباء في الصلاة إلا مرة واحدة ; كراهية العمل في الصلاة فكيف العبث بها في الصلاة ، وقد روي عن الزهري عن أبي الأحوص شيخ من أهل المدينة عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك أيضا من حديث معيقيب ، وحذيفة بن اليمان ، وقد مضى القول فيما يجوز من العمل ، وما لا يجوز منه في الصلاة في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا .

وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن على اليدين عملا في الصلاة تشتغلان به فيها ، وذلك ما وصف ابن عمر في الجلوس ، وهيئته ، وأما القيام فالسنة أن يضع كفه اليمنى على كوعه ، وقد قيل : إن المقصد في وضعه اليمنى على كوعه الأيسر تسكين يديه ; لأن إرسالهما لا يؤمن معه العبث بهما ، وذلك أيضا سنة ، وقد قال ابن عمر : اليدان تسجدان كما يسجد الوجه فكان يخرج يديه في البرد فيباشر بهما ما يباشر بوجهه في سجوده فكأن ابن عمر قال له : اشغل يدك بما في السنة من العمل بها في الصلاة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث