الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 8051 ) مسألة ; قال : ( ولو كان الحانث عبدا ، لم يكفر بغير الصوم ) لا خلاف في أن العبد يجزئه الصيام في الكفارة ; لأن ذلك فرض المعسر من الأحرار ، وهو أحسن حالا من العبد فإنه يملك في الجملة ، ولأن العبد داخل في قوله تعالى { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } . وإن أذن السيد لعبده في التكفير بالمال ، لم يلزمه ; لأنه ليس بمالك لما أذن له فيه . وظاهر كلام الخرقي ، أنه لا يجزئه التكفير بغير الصيام .

                                                                                                                                            وقد قال غيره من أصحابنا ، فيما إذا أذن له سيده في التكفير بالمال ، روايتان ; إحداهما ، يجوز تكفيره به . والأخرى ، لا يجوز إلا بالصيام . وقد ذكرنا علل ذلك في الظهار ، والاختلاف فيه . وذكر القاضي ، أن أصل هذا عنده الروايتان في ملك العبد بالتمليك ، إن قلنا : يملك بالتمليك . فملكه سيده ، وأذن له بالتكفير ، بالمال جاز ; لأنه مالك لما يكفر به وإن قلنا : لا يملك بالتمليك . ففرضه الصيام ; لأنه لا يملك شيئا يكفر به . وكذلك إن قلنا : يملك ولم يأذن له سيده بالتكفير في المال ، ففرضه الصيام ، وإن ملك ; لأنه محجور عليه ، ممنوع من التصرف فيما في يديه .

                                                                                                                                            قال : وأصحابنا يجعلون في العبد روايتين مطلقا ، سواء قلنا : يملك . أو لا يملك . ثم على الرواية التي تجيز له التكفير بالمال ، له أن يطعم ، وهل له أن يعتق ؟ على روايتين ; إحداهما ، ليس له ذلك ; لأن العتق يقتضي الولاء والولاية والإرث ، وليس ذلك للعبد ، ولكن يكفر بالإطعام . وهذا رواية عن مالك . وبه قال الشافعي ، على القول الذي يجيز له التكفير بالمال .

                                                                                                                                            والثانية له التكفير بالعتق ; لأن من صح تكفيره بالمال ، صح بالعتق ، كالحر ، ولأنه يملك العبد ، فصح تكفيره بإعتاقه ، كالحر . وقولهم : إن العتق يقتضي الولاء والولاية . لا نسلم ذلك في العتق في الكفارة ، على ما أسلفناه ، وإن سلمنا ، فتخلف بعض الأحكام لا يمنع ثبوت المقتضي ، فإن الحكم يتخلف لتخلف سببه لا لتخلف أحكامه ، كما أنه يثبت لوجود سببه ، ولأن تخلف بعض الأحكام مع وجود المقتضي ، إنما يكون لمانع منعها ، ويجوز أن يختص المنع بها دون غيرها . ولهذا السبب المقتضي لهذه الأحكام لا يمنع ثبوته تخلفها عنه في الرقيق ، على أن الولاء يثبت بإعتاق العبد ، لكن لا يرث به ، كما لو اختلف ديناهما . وهذا اختيار أبي بكر ، وفرع عليه إذا أذن له سيده فأعتق نفسه ، ففيه قولان .

                                                                                                                                            [ ص: 17 ] أحدهما ، يجزئه ; لأنه رقبة تجزئ عن غيره فأجزأت عن نفسه كغيره . والآخر لا يجزئه ; لأن الإذن له في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره . وهذا التعليل يدل على أن سيده لو أذن له في إعتاق نفسه عن كفارته جاز ، فأما إن أطلق الإذن في الإعتاق ، فليس له أن يعتق إلا أقل رقبة تجزئ عن الواجب ، وليس له إعتاق نفسه إذا كانت أفضل مما يجزئ . وهذا من أبي بكر يقتضي أنه لا يعتبر في التكفير أن يملكه سيده ما يكفر به ; لأنه لا يملك نفسه ، بل متى أذن له في التكفير بالعتق أو الإطعام ، أجزأه ; لأنه لو اعتبر التمليك ، لما صح له أن يعتق نفسه لأنه لا يملكها ، ولأن التمليك لا يكون إلا في معين ، فلا يصح أن يأذن فيه مطلقا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية