الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ تعريف التخصيص ]

وأما التخصيص : وهو المقصود بالذكر ، فهو لغة : الإفراد ومنه الخاصة . واصطلاحا قال ابن السمعاني : تمييز بعض الجملة بالحكم ، وتخصيص العام بيان ما لم يرد بلفظ العام . وقال ابن الحاجب : قصر العام على بعض مسمياته ، ورد بأن لفظ القصر يحتمل القصر في التناول أو الدلالة أو الحمل أو الاستعمال . وذكر ابن الحاجب أن التخصيص يطلق على قصر اللفظ على بعض مسمياته ، وإن لم يكن عاما ، كما يطلق العام على اللفظ بمجرد تعدد مسمياته ، كالعشرة والمسلمين لمعهودين ، وضمائر الجمع . وقيل : إخراج ما يتناول الخطاب . وهو أحسن ، لأن الصيغة العامة شاملة لجميع الأفراد ، مع قطع النظر عن المعارض . مقتضى الإرادة شمول الحكم لجميع الأفراد . فيخصص بعض الأفراد بالحكم دون بعض . فهي داخلة في جملة مقتضيات اللفظ ظاهرا مخرجة عنه بالتخصيص ، وحينئذ فالإخراج عن الدلالة أو التناول غير ممكن ، والممكن إخراج بعض المتناول . وقال القفال الشاشي : إذا ثبت تخصيص العام ببعض ما اشتمل عليه ، [ ص: 326 ] علم أنه غير مقصود بالخطاب ، وأن المراد ما عداه ، ولا نقول : إنه كان داخلا في الخطاب ، فخرج عنه بدليل ، وإلا لكان نسخا ، ولم يكن تخصيصا ، فإن الفارق بينهما أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته ، والتخصيص بيان ما قصد له باللفظ العام .

وكذا قال إلكيا الطبري ، والقاضي عبد الوهاب : معنى قولنا : إن العموم مخصوص ، أن المتكلم به قد أراد بعض ما وضع له دون بعض ، وذلك مجاز لأنه شبيه بالخصوص الذي يوضع في الأصل للخصوص ، وإرادة البعض لا تصيره موضوعا في الأصل لذلك ، ولو كان حقيقة لكان العام خاصا ، وهو متناف ، وإنما يصير خاصا بالقصد كالأمر يصير أمرا بالطلب والاستدعاء . انتهى .

وكذا قال القاضي والغزالي : لا يجوز أن يقال : هذا عام مخصوص ، أو قد خص ، لأن القائلين بالعموم يقولون : هو للاستغراق ، فإن أريد البعض فقد تجوز به عن حقيقته ووضعه ، فلم يتصرف في الوضع ، ولم يغير حتى يقال ذلك ، وإلا فإذن هذا اللفظ مؤول ، ومعناه أن وضعه للعموم ، واستعمل في غير وضعه مجازا فهو عام من جهة اللفظ بالوضع ، وخاص بالإرادة أو التجوز إذ قصد به بعض مدلوله ، وإلا فالعام والخاص بالوضع لا ينقلب عن وضعه بالإرادة ، قالا : وهذا التأويل متعين ، لأن تخصيص العام محال ، بل هو علامة أنه أريد باللفظ العام بالوضع ، أو الصالح لإرادة العموم الخصوص . فيقال على سبيل التوسع لمن عرف ذلك : إنه خصص العموم أي أريد به الخصوص .

قال القاضي : وأما عندنا يعني الواقفية المنكرين للصيغ لا يوصف بأنه تخصيص للعام ، ولكنه بيان مشترك ، ويحتمل من اللفظ . [ ص: 327 ] وقال ابن دقيق العيد في " شرح الإلمام " : لما كان التخصيص إخراج بعض أفراد العام عن الإرادة منه وجب قطعا أن يكون شرطه قصد الإخراج عن الإرادة ، وأما العام فيتناول الأفراد بوضعه ، فيدخل تحته بما لا يمكن أن يخص من الأفراد ، وليس من شرطه إرادة الفرد المعين اتفاقا ، لأنه إذا لم يخرج منه بعض الأفراد ، كفت الإرادة العامة لتناول الحكم لجملة أفراده حصول الحكم في الفرد المعين ، وإن لم يخطر بالبال ذلك الفرد بخصوصه . قال : وهذا مما لا خلاف فيه ، أعني أنه ليس من شرط العام إرادة كل فرد من أفراده بخصوصه . انتهى .

وقال العبادي في زياداته " : العبارات أمارات الإرادات ، فإذا خصت العبارة خصت الإرادة ، وإذا عمت عمت ، وهو جار على أحد القولين السابقين . وهل يجب مقارنة المخصص الخصيص أم لا ؟ قولان . قالت الأشعرية بالثاني ، والمعتزلة بالأول . وهما القولان في تأخير البيان عن وقت الحاجة .

وقال أبو الحسين في " المعتمد " : مذهب أصحابنا يعني المعتزلة أنه يشترط في التخصيص مقارنة اللفظ العام ، والعقلي محل وفاق في اشتراط المقارنة .

واعلم أنه سيأتي في باب الحج حكاية خلاف في أنه لا يجوز إلا بعد أن يقترن بالتكليف ما يدل على النسخ ، ولم يذكروه هنا لأنه أخف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث