الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المبحث الثالث: الرجوع بشراء الهبة

        وفيه مطلبان:

        المطلب الأول: شراء الواهب هبته من الموهوب له

        إذا لزمت الهبة جاز للموهوب له التصرف فيها ببيعها، أو هبتها، أو غير ذلك.

        ويجوز لغير الواهب اشتراؤها منه بغير خلاف.

        وهل يجوز للواهب اشتراء ما وهب من الموهوب له؟

        اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

        القول الأول: يحرم شراء الواهب هبته.

        وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.

        القول الثاني: يكره شراء الواهب هبته. [ ص: 203 ]

        وهذا قول الحنفية، والمالكية في المشهور من مذهبهم والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد.

        وقيد المالكية الكراهة بالهبة التي لا تعتصر، أي: غير هبة الوالد لولده.

        القول الثالث: يباح للواهب شراء هبته من الموهوب له.

        وهو رواية عن الإمام أحمد في الصدقة، والهبة من باب أولى.

        الأدلة:

        أدلة أصحاب القول الأول:

        1- حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه".

        (261) 2- ما رواه البخاري ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر -رضي الله عنه- يقول: "حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه -وظننت أنه يبيعه برخص- فسألت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "لا تشتر، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه".

        وفي رواية: أن عبد الله بن عمر كان يحدث "أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- [ ص: 204 ] تصدق بفرس في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يشتريه، ثم أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فاستأمره، فقال: "لا تعد في صدقتك" فبذلك كان ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يترك أن يبتاع شيئا تصدق به إلا جعله صدقة".

        وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عمر عن شراء هبته وصدقته، والهبة ملحقة بالصدقة بجامع الإحسان والتقرب إلى الله تعالى، والنهي يقتضي التحريم، ثم جعل شراءها عودا فيها، ثم شبه العود بأقبح وأشنع تشبيه، وهو عود الإنسان في قيئه مما يعين إرادة التحريم.

        3- ولأن شراء الهبة وسيلة إلى استرجاع شيء منها; لأنه يسامحه في ثمنها حياء أو رغبة أو رهبة، فيصير الواهب الذي اشتراها كالراجع في بعضها.

        والرجوع في الهبة أو في بعضها حرام، فيكون الشراء حراما.

        قال ابن حجر: "وسمى شراءه برخص عودا في الصدقة من حيث إن الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق فكيف بالمتصدق؟! فيصير راجعا في ذلك المقدار الذي سومح فيه".

        والهبة ملحقة بالصدقة كما تقدم.

        أدلة أصحاب القول الثاني: (الكراهة):

        (262) 1- ما رواه أبو داود من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه بها فأهدى منها لغني". [ ص: 205 ]

        [ ص: 206 ]

        الصواب مرسل، قاله الدارقطني وغيره.

        والشاهد من الحديث قوله: (أو رجل اشتراها بماله) فهو عام في المتصدق وفي غيره، وفي شرائها من المتصدق عليه ومن غيره.

        والهبة من باب أولى.

        ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:

        الوجه الأول: أن الحديث مرسل.

        الوجه الثاني: أنه يحمل على شراء الرجل صدقة غيره لا صدقة نفسه.

        الوجه الثالث: أنه يحمل على شراء الصدقة بقيمتها، أو بأكثر من قيمتها، لا بأقل.

        الوجه الرابع: أنه يحمل على صدقة الفريضة لا صدقة التطوع، فيكون الشراء جائزا في صدقة الفريضة وغير جائز في صدقة التطوع; لأنه لا يتصور الرجوع في صدقة الفريضة حتى يكون الشراء مشبها له، بخلاف صدقة التطوع، فإنه يتصور الرجوع فيها، فحرم ما يشبهه، وهو الشراء.

        قال ابن عبد البر في شرح هذا الحديث: قوله: "لا تحل لغني إلا لخمسة: يريد الصدقة، وأما التطوع فغير محرمة على أحد غير من ذكرنا على حسب ما وصفنا في هذا الباب، إلا أن التنزه عنها حسن، وقبولها من غير مسألة لا بأس به". [ ص: 207 ]

        2- ما جاء عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "أنه لا يتفق له اشتراء شيء تصدق به، إلا اشتراه وجعله صدقة مرة أخرى".

        فهذا فعل ابن عمر، وهو راوي الحديث عن أبيه، مما يدل على أن النهي ليس للتحريم، بل للكراهة.

        ونوقش من وجهين:

        الوجه الأول: أن العبرة بما رواه الراوي لا بما رآه، وفعل ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يعارض به قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ونهيه.

        الوجه الثاني: أن ابن عمر -رضي الله عنهما- فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملكها، لا لمن يريدها صدقة.

        قال الشوكاني: "فلو فهم منه التحريم لما فعله وتقرب بصدقة تستند إليه".

        قالوا: وأما تشبيه النبي -صلى الله عليه وسلم- العود في الهبة بعود الإنسان في قيئه، فالمراد به التنفير والاستقذار والعيافة لا التحريم بل للكراهة.

        وأجيب: بأن هذا حمل للحديث عن ظاهره بلا دليل يعتمد عليه.

        أدلة أصحاب القول الثالث: (الإباحة):

        1- عموم حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- المتقدم قريبا، الذي فيه "أو رجل اشتراها بماله".

        وتقدم أن الحديث مرسل. [ ص: 208 ]

        وجه الدلالة: أن الحديث عام في جواز شراء الصدقة، سواء كانت ما تصدق به الإنسان أو غيره.

        2- القياس على جواز رجوع الهبة إلى الواهب بالميراث.

        فيجوز رجوعها بالميراث، فكذا الشراء.

        ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:

        الوجه الأول: أنه قياس في مقابلة النص، فالنص قد جاء بالنهي عن شراء الصدقة، والأصل في النهي التحريم.

        الوجه الثاني: وجود الفارق بين رجوع الهبة بالميراث، ورجوعها بالشراء فرجوعها بالميراث بغير اختيار الشخص، ورجوعها بالشراء باختياره، وبهذا الفرق يكون الشراء أشبه بالرجوع في الهبة بخلاف الميراث.

        الترجيح:

        يترجح لي القول الأول، وهو تحريم شراء الإنسان هبته من الموهوب له; لتشبيه الراجع في هبته بالكلب في أقبح صورة، وأيضا فإن التشبيه في الكتاب والسنة بالحيوان لم يرد إلا في مواضع الذم.

        قال القرطبي: "والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم، فاجمع ألفاظه، وتدبر معانيها، يلح ذلك إن شاء الله تعالى ".

        * * * [ ص: 209 ]

        التالي السابق


        الخدمات العلمية