الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خلقه سبحانه للخلق وهو عالم بهم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قوله : ( خلق الخلق بعلمه )

ش : خلق : أي : أوجد وأنشأ وأبدع . ويأتي خلق أيضا بمعنى : قدر . والخلق : مصدر ، وهو هنا بمعنى المخلوق . وقوله : بعلمه في محل نصب على الحال ، أي : خلقهم عالما بهم ، قال تعالى : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ( الملك : 14 ) . وقال تعالى : [ ص: 125 ] وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ( الأنعام : 59 - 60 ) . وفي ذلك رد على المعتزلة .

قال الإمام عبد العزيز المكي صاحب الإمام الشافعي رحمه الله وجليسه ، في كتاب الحيدة ، الذي حكى فيه مناظرته بشرا المريسي عند المأمون حين سأله عن علمه تعالى : فقال بشر : أقول : لا يجهل ، فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم ، تقريرا له ، وبشر يقول : لا يجهل ، ولا يعترف له أنه عالم بعلم ، فقال الإمام عبد العزيز : نفي الجهل لا يكون صفة مدح ، فإن [ قولي ] : هذه الأسطوانة لا تجهل [ ليس هو إثبات العلم لها ] وقد مدح الله تعالى الأنبياء والملائكة والمؤمنين بالعلم ، لا بنفي الجهل . فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل ، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم ، وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه ، وينفوا ما نفاه ، ويمسكوا عما أمسك عنه .

والدليل العقلي على علمه تعالى : أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع [ ص: 126 ] الجهل ، ولأن إيجاده الأشياء بإرادته ، والإرادة تستلزم تصور المراد ، وتصور المراد : هو العلم بالمراد ، فكان الإيجاد مستلزما للإرادة ، والإرادة مستلزمة للعلم ، فالإيجاد مستلزم للعلم . ولأن المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها ، لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم ، ولأن من المخلوقات ما هو عالم ، والعلم صفة كمال ، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما . وهذا له طريقان : أحدهما : أن يقال : نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق ، وأن الواجب أكمل من الممكن ، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين ، أحدهما عالم والآخر غير عالم - كان العالم أكمل ، فلو لم يكن الخالق عالما لزم أن يكون الممكن أكمل منه ، وهو ممتنع . الثاني : أن يقال : كل علم في الممكنات ، التي هي المخلوقات - فهو منه ، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريا منه بل هو أحق به . والله تعالى له المثل الأعلى ، ولا يستوي هو والمخلوقات ، لا في قياس تمثيلي ، ولا في قياس شمولي ، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق به أحق ، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزيه الخالق عنه أولى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث