الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رجوع إلى التشنيع بالقبوريين

رجوع إلى التشنيع بالقبوريين

وبيان المماثلة بين عقائدهم وعقائد عباد الأصنام

وبالجملة: فالوارد عن الشرع من الأدلة الدالة على قطع ذرائع الشرك، وهدم كل شيء يوصل إليه، في غاية الكثرة.

ولو رمت حصر ذلك على التمام لجاء في مؤلف بسيط، فلنقتصر على هذا المقدار، ونتكلم على حكم ما يفعله القبوريون من الاستغاثة بالأموات ومناداتهم لقضاء الحاجات، وتشريكهم مع الله في بعض الحالات، وإفرادهم بذلك في بعضها، فنقول:

[ ص: 63 ] اعلم أن الله لم يبعث رسله، ولم ينزل كتبه لتعريف خلقه بأنه الخالق لهم، والرازق لهم، ونحو ذلك، فإن هذا يقر به كل مشرك قبل بعثة الرسل: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [الزخرف: 87] ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم [الزخرف: 1] قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون [يونس: 231] قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون [المؤمنون: 84-85] قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون [المؤمنون: 86- 89]. ولهذا تجد كل ما ورد في الكتاب العزيز في شأن خالق الخلق ونحوه في مخاطبة الكفار معنونا باستفهام التقرير: هل من خالق غير الله [البقرة: 40] أفي الله شك فاطر السماوات والأرض [إبراهيم: 10] قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض [الأنعام: 14] فأروني ماذا خلق الذين من دونه [لقمان: 11].

بل بعث الله رسله، وأنزل كتبه لإخلاص توحيده، وإفراده بالعبادة: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، ألا تعبدوا إلا الله [هود: 2] اعبدوا الله واتقوه [نوح: 3] قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا [الأعراف: 70] اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، فإياي فاعبدون .

وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء، والاستغاثة، والرجاء، واستجلاب الخير، واستدفاع الشر له، ومنه، لا لغيره، ولا من غيره:

(ولا تدعوا مع الله أحدا)، له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء [الرعد: 14] وعلى الله فليتوكل المؤمنون [إبراهيم: 11] وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [المائدة: 23] وقد تقرر أن شرك المشركين الذين بعث الله إليهم خاتم رسله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن إلا باعتقادهم أن الأنداد التي اتخذوها تنفعهم، وتضرهم، وتقربهم إلى الله، وتشفع لهم عنده، مع اعترافهم بأن الله -سبحانه وتعالى- هو خالقها وخالقهم، ورازقها ورازقهم، ومحييها ومحييهم، ومميتها ومميتهم، [ ص: 64 ] ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ، تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 98- 97] وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ، هؤلاء شفعاؤنا عند الله .

وكانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك".

وإذا تقرر هذا، فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات، أو حي من الأحياء: أنه يضره، أو ينفعه، إما استقلالا، أو مع الله تعالى، وناداه، أو توجه إليه، أو استغاث به في أمر من الأمور، التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله، ولا أفرده بالعبادة، إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه، ودفع الضر عنه، هو نوع من أنواع العبادة.

ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله، أو معه، حجرا، أو شجرا، أو ملكا، أو شيطانا، كما كان يفعل ذلك الجاهلية، وبين أن يكون إنسانا من الأحياء، أو الأموات، كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم يعلم هذا ويقر به; فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد، وللحي كما يكون للميت.

فمن زعم أن ثم فرقا بين من اعتقد في وثن من الأوثان: أنه يضر وينفع، وبين من اعتقد في ميت من بني آدم، أو حي منهم: أنه يضر أو ينفع، أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله، فقد غلط غلطا بينا، وأقر على نفسه بجهل كثير.

فإن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، والتقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه.

ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكا، بالصنم والوثن والإله، لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد، كما يفعله كثير من المسلمين.

بل الحكم واحد، إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن.

[ ص: 65 ] إذ ليس الشرك هو بمجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئا يختص به سبحانه، سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية، أو أطلق عليه اسما آخر، فلا اعتبار بالاسم قط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم.

وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها، واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة، والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم.

وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور; فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده، أو قريبا منه; مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله، أو في مسجد من المساجد، أو قريبا من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا، ولم يحلف بالميت الذي يعتقده.

فأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع، فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتا أو حيا عند استجلابه لنفع، أو استدفاعه لضر قائلا: يا فلان! افعل لي كذا وكذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك.

وأما التقرب للأموات، فانظر ما يجعلونه من النذور لهم، وعلى قبورهم في كثير من المحلات.

ولو طلب الواحد منهم أن يسمح بجزء من ذلك لله تعالى لم يفعل، وهذا معلوم يعرفه من عرف أحوال هؤلاء.

فإن قلت: إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله هو الضار النافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات قصدا لإنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه.

قلت: وهكذا كانت الجاهلية، فإنهم يعلمون أن الله هو الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى، كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز.

[ ص: 66 ] نعم، إذا لم يحصل من المسلم إلا مجرد التوسل الذي قدمنا تحقيقه، فهو كما ذكرناه سابقا.

ولكن من زعم أنه لم يقع منه إلا مجرد التوسل، وهو يعتقد من تعظيم ذلك الميت ما لا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين، وزاد على مجرد الاعتقاد، فتقرب إلى الأموات بالذبائح والنذور، وناداهم مستغيثا بهم عند الحاجة، فهذا كاذب في دعواه أنه متوسل فقط، فلو كان الأمر كما زعمه، لم يقع منه شيء من ذلك المتوسل به، لا يحتاج إلى رشوة، بنذر، وذبح، ولا تعظيم، ولا اعتقاد; لأن المدعو هو الله سبحانه، وهو أيضا المجيب، ولا تأثير لمن وقع به التوسل قط، بل بمنزلة التوسل بالعمل الصالح.

فأي جدوى في رشوة من قد صار تحت أطباق الثرى بشيء من ذلك؟ وهل هذا إلا فعل من يعتقد التأثير اشتراكا أو استقلالا؟ ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدعاوى الباطلة العاطلة.

بل من زعم أنه لم يحصل منه إلا مجرد التوسل، وهو يقول بلسانه: يا فلان! مناديا لمن يعتقده من الأموات، فهو كاذب على نفسه.

ومن أنكر حصول النداء للأموات، والاستغاثة بهم استقلالا، فليخبرنا ما معنى ما سمعه في الأقطار اليمنية من قولهم: يا بن العجيل! يا زيلعي! يا بن علوان! يا فلان! يا فلان؟ وهل ينكر هذا منكر، أو يشك فيه شاك؟

وما عدا ديار اليمن، فالأمر فيها أطم وأعم، ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها، وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم، حتى إنهم في حرم الله ينادون: يا بن عباس! يا محجوب! فما ظنك بغير ذلك؟

فلقد تلطف إبليس وجنوده -أخزاهم الله- لغالب أهل الملة الإسلامية، بلطيفة تزلزل الأقدام عن الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

أين من يعقل معنى: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ، فلا تدعوا مع الله أحدا ، له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم .

[ ص: 67 ] وقد أخبرنا الله سبحانه أن الدعاء عبادة في محكم كتابه بقوله تعالى: ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي [غافر: 60] وأخرج أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح، من حديث النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدعاء هو العبادة" وفي رواية: "مخ العبادة" ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الآية المذكورة.

أخرج أيضا النسائي وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وابن أبي شيبة باللفظ المذكور.

وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك، وإخراج صدقة المال، والخضوع، والاستكانة عبادة لله -عز وجل- بلا خلاف.

ومن زعم أن ثم فرقا بين الأمرين، فليهده إلينا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث