الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب قطع السرقة

الفصل الأول

3590 - عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقطع يد سارق إلا بربع دينار فصاعدا . متفق عليه .

التالي السابق


الفصل الأول

3590 - ( عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقطع ) بالتأنيث والرفع وفي نسخة بالتذكير والجزم ( يد السارق ) أي جنسه فيشمل السارقة أو يعرف حكمها بنص الآية والمقايسة والمراد يمينه لقراءة ابن مسعود ( فاقطعوا أيمانهما ) أي إلى الرسغ كما سيأتي تحقيقها ( إلا بربع دينار ) بضم الباء ويسكن ، وفي رواية في ربع دينار ، والمعنى بسببه أو لأجله ( فصاعدا ) أي فما فوقه من الزيادة ، وبه أخذ الشافعي في أنه لا يقطع فيما دون ربع دينار ، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم . ( متفق عليه ) [ ص: 2353 ] ورواه النسائي وابن ماجه وهو معارض بما روي عن ابن مسعود مرفوعا وموقوفا : لا يقطع إلا في دينار . على ما سيأتي قال النووي : اتفقوا على قطع يد السارق ، واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره فقال الشافعي : النصاب ربع دينار ذهبا أو ما قيمته ربع دينار ، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبى ثور وإسحاق وغيرهم ، وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية : يقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك ، والصحيح ما قاله الشافعي ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين النصاب بلفظه في الحديث وأنه ربع دينار ، وأما رواية أنه صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم فمحمولة على هذا القدر ربع دينار فصاعدا أو على أنها قضية عين لا عموم لها ، ولا يجوز ترك صريح اللفظ في تحديد النصاب للمحتمل ، بل يجب حملها على موافقة لفظه ، وأما الرواية الأخرى : لم تقطع يد سارق في أقل من ثمن المجن ، فمحمولة على أنه كان ربع دينار ، وأما ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت : قطع في مجن قيمته عشرة دراهم ، وفي رواية خمسة ، فهي ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت فكيف وهى مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة مع أنه يمكن حملها على أنه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقا لا أنه شرط ذلك في قطع السارق ، وأما رواية : " لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده " . فقال جماعة : المراد بهما بيضة الحديد وحبل السفينة وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار ، وأنكره المحققون ، وقالوا : ليس هذا السياق موضع استعمالهما بل البلاغة تأباه ; لأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر وإنما يذم من خاطر فيما لا قدر له ، فالمراد التنبيه على عظم ما خسر يده في مقابلة حقير من المال ، فربع دينار يشارك البيضة والحبل في الحقارة ، فالمراد جنس البيض وجنس الحبال ، وقيل : هو على عادة الولاة سياسة لا قطعا جائزا شرعا وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب ثم بين بعد ذلك النصاب والله تعالى أعلم بالصواب ، قال ابن الهمام : اختلف في أنه هل يقطع بكل مقدار من المال أو بمعين لا يقطع في أقل منه ، فقال بالأول الحسن البصري وداود والخوارج وابن بنت الشافعي لإطلاق الآية ولقوله عليه الصلاة والسلام : لعن الله السارق الحديث . ومن سوى هؤلاء من فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار على أنه لا قطع إلا بمال مقدر لقوله عليه الصلاة والسلام : لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا . فلزم في الأول التأويل بالحبل الذي يبلغ عشرة دراهم وبيضة من الحديد ، أو النسخ ولو قيل : ونسخه أيضا ليس أولى من نسخ ما رويتم قلنا : لا تاريخ بقي وجه أولوية الحمل وهو مع الجمهور فإن مثله في باب الحدود متعين عند التعارض ثم قد نقل إجماع الصحابة على ذلك ، وبه يتقيد إطلاق الآية ، وبالعقل إن الحقير مطلقا تفتر الرغبات فيه فلا يمنع أصلا كحبة قمح وهو مما يشمله إطلاق الآية ، وكذا لا يخفى أخذه فلا يتحقق بأخذه ركن السرقة وهو الأخذ خفية ولا حكمة الزجر أيضا ؛ لأنها فيما يغلب فإن ما يغلب لا يحتاج إلى شرع الزاجر ؛ لأنه لا يتعاطى فلا حاجة إلى الزجر عنه فهذا مخصص عقلي بعد كونها مخصوصة بما ليس من حرز بالإجماع ، ثم اختلف الشارحون لمقدار معين في تعيينه ، فذهب أصحابنا في جماعة من التابعين إلى أنه عشرة دراهم ، وذهب الشافعي إلى أنه ربع دينار ، وذهب مالك وأحمد إلى أنه ربع دينار أو ثلاثة دراهم لما روى مالك في موطئه ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقا سرق في زمن عثمان بن عفان أترجة ، فأمر بها عثمان ، فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر بدينار فقطع عثمان يده قال مالك : أحب ما يجب فيه القطع إلي ثلاثة دراهم سواء ارتفع الصرف أو اتضع ، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم ، وعثمان قطع في أترجة قيمتها ثلاثة دراهم ، وهذا أحب ما سمعته اه .

وكون مجن بثلاثة في حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم ، وأخرجهما الشيخان وفي لفظ لهما عن عائشة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : " لا يقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " . غير أن الشافعي يقول : كانت قيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اثني عشر درهما فالثلاثة ربعها ففي مسند أحمد عن عائشة عنه عليه الصلاة والسلام : " اقطعوا في ربع دينار فلا تقطعوا فيما هو [ ص: 2354 ] أدنى عن ذلك . وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم ، ولنا أن الأخذ بالأكثر في هذا الباب أولى احتيالا للدرء ، تعرف أنه قد قيل في ثمن المجن أكثر مما ذكر وهو ما رواه الحاكم في المستدرك عن مجاهد عن أيمن ، قال : لم تقطع اليد على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا في ثمن المجن وثمنه يومئذ دينار ، وسكت عليه ، ونقل عن الشافعي أنه قال لمحمد بن الحسن : هذه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقطع في ربع دينار فصاعدا ، فكيف قلت : لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم فصاعدا ، فقال : قد روى شريك ، عن مجاهد ، عن أيمن ابن أم أيمن أخي أسامة بن زيد لأمه ، وأن الشافعي أجاب بأن أيمن قتل مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم حنين قبل أن يولد مجاهد ، قال ابن أبي حاتم في المراسيل : سألت أبي عن حديث رواه الحسين بن صالح ، عن منصور ، عن الحكم ، عن عطاء ومجاهد ، عن أيمن وكان فقيها قال : تقطع يد السارق في ثمن المجن ، وكان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا قال أبي : هو مرسل . وأرى أنه والد عبد الواحد بن أيمن ، وليس له صحبة ، وظهر بهذا القدر أن أيمن اسم للصحابي ، وهو ابن أم أيمن ، وأنه استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين واسم التابعي آخر ، وقال أبو الحجاج المزني في كتابه : أيمن الحبشي مولى بني مخزوم روى عن سعد وعائشة وجابر وعنه ابنه عبد الواحد وثقه أبو زرعة ، ثم قال : أيمن مولى ابن الزبير ، وقيل : مولى ابن أبي عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في السرقة إلى أن قال : وعنه عطاء ومجاهد قال النسائي : ما أحسب أن له صحبة ، وقد جعله اسما لتابعين وأما ابن أبي حاتم وابن حبان فجعلاهما واحدا قال ابن أبي حاتم : أيمن الحبشي مولى ابن أبي عمر روى عن عائشة وجابر وروى عنه عطاء ومجاهد وابنه عبد الواحد سمعت أبي يقول ذلك ، وسئل أبو زرعة عن أيمن والد عبد الواحد ، فقال : مكي ثقة . وقال ابن حبان في الثقات : وأيمن بن عبيد الحبشي مولى لابن أبي عمر المخزومي من أهل مكة ، وروى عن عائشة ، وروى عنه مجاهد وعطاء وابنه عبد الواحد بن أيمن ، وكان أخا أسامة بن زيد لأمه ، وهو الذي يقال له : أيمن ابن أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن زعم أن له صحبة وهم حديثه في القطع مرسل فهذا يخالف الشافعي وغيره ممن ذكر أن أيمن ابن أم أيمن قتل يوم حنين وأنه صحابي حيث جعله من التابعين وهكذا قول الدارقطني في سننه : أيمن لا صحبة له وهو من التابعين ، ولم يدرك زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا الخلفاء بعده وهو الذي يروي أن ثمن المجن دينار ، وروى عنه ابنه عبد الواحد وعطاء ومجاهد ، والحاصل أنه اختلف في أيمن راوي قيمة المجن هل هو صاحبي أم تابعي ثقة فإن كان صحابيا فلا إشكال ، وإن كان تابعيا ثقة كما ذكر أبو زرعة الإمام العظيم الشأن وابن حبان فحديثه مرسل ، والإرسال ليس عندنا ، ولا عند جماهير العلماء قادحا بل هو حجة ، فوجب اعتباره حينئذ ، وقد اختلف في تقويم المجن أهو ثلاثة أو عشرة فيجب الأخذ بالأكثر هنا لا يجاب الشرع الدرء أمكن في الحدود ، ثم يقوى بما رواه النسائي أيضا بسنده عن أبي إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم . وأخرجه الدارقطني أيضا ، وأخرجه هو وأحمد في مسنده ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، وكذا إسحاق ابن راهويه ، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب اللقطة ، عن سعيد بن المسيب ، عن رجل من مزينة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما بلغ ثمن المجن قطعت يد صاحبها " . وكان ثمن المجن عشر دراهم ، قال المصنف يعني صاحب الهداية : ويؤيد ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام : " لا قطع إلا في دينار أو عشر دراهم " . وهذا بهذا اللفظ موقوف على ابن مسعود ، وهو مرسل عنه ، ورواه عبد الرزاق ومن طريق الطبراني في معجمه ، وأشار إليه الترمذي في كتاب الجامع ، فقال : وقد روي عن ابن مسعود أنه قال : لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم ، وهو مرسل . رواه القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود ، والقاسم بن عبد الرحمن لم يسمع من ابن مسعود اه . وهو صحيح ; لأن الكل ما ورد إلا عن القاسم لكن في مسند أبي حنيفة من رواية ابن مقاتل ، عن أبي حنيفة ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : كان تقطع اليد على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في عشرة دراهم . وهذا موصول وفي رواية خلف بن ياسين عن أبي حنيفة عندما كان القطع في عشرة دراهم ، وأخرجه ابن خسرو من حديث محمد بن الحسن ، عن أبيه ، عن أبي حنيفة يرفعه : لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم ، وهذا موصول مرفوع ولو كان موقوفا لكان له حكم الرفع ; لأن المقدرات الشرعية لا دخل للعقل فيها فالموقوف فيها محمول على الرفع المرفوع .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث