الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في رد قول من قال ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد والابتلاء

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في رد قول من قال ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد والابتلاء ممن هو غني عن أذانا .

وقال في موضع آخر : رأيت كثيرا من المتغفلين يظهر عليهم السخط بالأقدار وفيهم من قل إيمانه فأخذ يعترض ، وفيهم من خرج إلى الكفر ، ورأى أن ما يجري كالعبث ، وقال ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد . والابتلاء ممن هو غني عن أذانا . فقلت لبعض من كان يرمز إلى هذا : إن حضر عقلك وقلبك حدثتك . وإن كنت تتكلم بمجرد واقعتك من غير نظر ولا إنصاف فالحديث معك ضائع . ويحك أحضر عقلك واسمع ما أقول :

أليس قد ثبت أن الحق سبحانه مالك وللمالك أن يتصرف كيف شاء . أليس قد ثبت أنه حكيم والحكيم لا يعبث . وأنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئا ، فإنه قد سمعنا عن جالينوس أنه قال ما أدري أحكيم هو أم لا . والسبب في قول هذا أنه رأى نقضا بعد إحكام . فقاس الحال على أحوال الخلق . وهو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى فليس بحكيم . وجوابه لو كان حاضرا أن يقال بماذا بان لك أن النقض ليس بحكمة . أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك وكيف يهب لك الذهن الكامل ويفوته هو الكمال . وهذه المحنة التي جرت لإبليس فإنه أخذ بعيب الحكمة بعقله . فلو تفكر علم أن واهب العقل أعلى من العقل . وأن حكمته أوفى من كل حكيم ; لأنه بحكمته التامة أنشأ العقول . فهذا إذا تأمله المنصف زال عنه الشك .

وقد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى { أم له البنات ولكم البنون } أي جعل لنفسه الناقصات وأعطاكم الكاملين . فلم يبق إلا أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى [ ص: 563 ] أنفسنا .

ونقول هذا فعل عالم حكيم ، ولكن ما تبين لنا معناه . وليس هذا بعجب . فإن موسى عليه السلام خفي عليه وجه الحكمة في نقض السفينة الصحيحة وقتل الغلام الجميل ، فلما بين له الخضر وجه الحكمة أذعن .

فلنكن مع الخالق موسى مع الخضر . ألسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام النظيف الظريف يقطع ويمضغ ولا ينكر الإفساد له ، لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه ، فما المانع أن يكون فعل الحق سبحانه له باطن لا نعلمه . ومن أجهل الجهال العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر مولاه ، فإن فرضه التسليم لا الاعتراض . ولو لم يكن في الابتلاء بما تنكره الطباع إلا أن يقصد إذعان العقل وتسليمه لكفى .

قال : ولقد تأملت حالة عجيبة يجوز أن يكون المقصود بالموت هي ، وذلك أن الخالق سبحانه في غيب لا يدركه الإحساس ، فلو أنه لم ينقض هذه البنية لتخايل الإنسان أنه صنع لا يصانع فإذا وقع الموت عرفت النفس نفسها التي كانت لا تعرفها لكونها في الجسد ، وتدرك عجائب الأمور بعد رحيلها ، فإذا ردت إلى البدن عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها ، وتذكرت حالها في الدنيا ، فإن الأذكار تعاد كما تعاد الأبدان ، فيقول قائلهم { إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } . ومتى رأت ما قد وعدت به من أمور الآخرة ، أيقنت يقينا لا شك معه ، ولا يحصل هذا بإعادة ميت سواها ، وإنما يحصل برؤية هذا الأمر فيها ، فيبني بنية تقبل البقاء ، ويسكن جنة لا ينقضي دوامها .

فيصلح بذلك اليقين أن تجاور الحق ; لأنها آمنت بما وعد ، وصبرت بما ابتلى ، وسلمت لأقداره فلم تعترض ، ورأت في غيرها العبر ثم في نفسها ، فهذه هي التي يقال لها { ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي } . فأما الشاك والكافر فيحق لهما الدخول إلى النار واللبث فيها ; لأنهما رأيا الأدلة ولم يستفيدا ، ونازعا الحكيم واعترضا عليه ، فلما لم ينتفع بالدليل في الدنيا لم ينتفع بالموت والإعادة .

ودليل بقاء الخبث في القلوب قوله تعالى { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } .

فنسأل الله عز وجل عقلا مسلما يقف على حده ، ولا يعترض على خالقه [ ص: 564 ] ثم الويل للمعترض أيرد اعتراضه الأقدار .

فما يستفيد إلا الخزي ، نعوذ بالله من الخذلان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث