الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثالث طبيعة التنمية الاقتصادية الإسلامية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الفصل الثالث

طبيعة التنمية الاقتصادية الإسلامية

لا يمكن أن ندرس المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية بوصفه كيانا منفصلا عن سائر الجوانب الأخرى للإسلام، فدراسة هـذا المنهج لا يمكن أن تتم إلا في إطار مذهبية الإسلام في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وفي إطار العلاقات القائمة بين هـذه الجوانب المختلفة، ولهذا يجب أن نعي التنمية الاقتصادية الإسلامية ضمن الصيغة الإسلامية العامة التي توجه شتى نواحي الحياة في المجتمع.

كما يجب ألا نفصل بين المنهج الإسلامي للتنمية وبين أرضيته الخاصة التي أعدت له، فهذا المنهج يحتاج إلى أرضية وتربة تتفق مع طبيعته وتمده العقيدة بالمفاهيم والعواطف التي تلائمه.

فالمنهج الإسلامي للتنمية مترابط في خطوطه وتفاصيله، وهو بدوره جزء من صيغة عامة للحياة، وهذه الصيغة لها أرضية خاصة بها، ولا يوجد المجتمع الإسلامي الكامل إلا حين يحصل على الأرضية والتربة والنبتة معا. [ ص: 56 ]

وتتكون تربة أو أرضية المجتمع الإسلامي عامة من العناصر التالية:

1- العقيدة، وهي القاعدة المركزية في التفكير الإسلامي التي تحدد نظرة المسلم الكلية إلى الكون والإنسان والحياة.

2- المفاهيم التي تعكس وجهة نظر الإسلام في تفسير الأشياء على ضوء النظرة العامة التي تبلورها العقيدة.

3- العواطف والأحاسيس التي يتولى الإسلام بثها وتنميتها، إلى جانب تلك المفاهيم، لأن المفهوم يفجر في المسلم شعورا خاصا تجاه ذلك الواقع، ويحدد اتجاهه العاطفي نحوه.

فهذه العناصر الثلاثة: العقيدة والمفاهيم والعواطف، هـي التي تشترك في تكوين التربة الصالحة للمنهج الإسلامي في أي مجال من المجالات.

فعندما تتوفر هـذه التربة يمكن أن نترقب من المنهج الإسلامي في التنمية أن يقوم برسالته، وأن يضمن للمجتمع أسباب الرفه والسعادة، وأن نقطف منه أعظم الثمار.

ونحن لا نستطيع في عرضنا هـذا أن نبرز جميع أوجه الارتباط في هـذا المنهج، وأوجه الارتباط والتفاعل بينه وبين سائر ما يتصل به من عناصر إسلامية أخرى، وإنما نقتصر على نماذج من ذلك كالتالي:

1- ارتباط المنهج الإسلامي في التنمية بالعقيدة، التي هـي مصدر التموين الروحي للمنهج، فالعقيدة تدفع المسلم للتكيف وفقا لهذا [ ص: 57 ] المنهج والالتزام به، بوصفه نابعا من تلك العقيدة، وتضفي على المنهج طابعا إيمانيا وقيمة ذاتية، فقوة ضمان التنفيذ، والطابع الإيماني والروحي، والاطمئنان النفسي، كل هـذه المميزات تضفي على هـذا المنهج طابعه الخاص.

2- ارتباط المنهج الإسلامي في التنمية بمفاهيم الإسلام عن الكون والإنسان والحياة، وطريقته الخاصة في تفسير الأشياء، كالمفهوم الإسلامي للملكية الخاصة والربح، فالإسلام يرى أن الملكية الخاصة -كما سنرى- حق رعاية يتضمن المسئولية، وليس سلطانا مطلقا. كما يعطي للربح مفهوما أرحب وأوسع مما يعنيه في الحساب المادي الخالص، فيدخل في نطاق الربح -بمدلوله الإسلامي- كثير من النشاطات التي تعتبر خسارة بمنظار آخر غير إسلامي.

ومن الطبيعي أن يكون لمفهوم الإسلام الخاص عن الملكية أثره في كيفية الاستفادة من حق الملكية الخاصة وتحديدها، وفقا لإطارها الإسلامي. كما أنه من الطبيعي أيضا أن يتأثر الحقل الاقتصادي الإسلامي بمفهوم الإسلام عن الربح أيضا، بالدرجة التي يحددها مدى عمق المفهوم وتركزه، وبالتالي فإن هـذا المفهوم يؤثر على مجرى المنهج الإسلامي في التنمية خلال تطبيقه.

3- ارتباط المنهج الإسلامي للتنمية بما يبثه الإسلام في البيئة الإسلامية من عواطف وأحاسيس، قائمة على أساس مفاهيمه الخاصة، [ ص: 58 ] كعاطفة الأخوة العامة بين المسلمين، التي تفجر في قلب كل مسلم ينبوعا من الحب للآخرين، والمشاركة لهم في آلامهم وأفراحهم، ويثرى هـذا الينبوع ويتدفق تبعا لدرجة الشعور العاطفي بالأخوة، وانصهار الكيان الروحي للإنسان بالعواطف الإسلامية، والتربية المفروضة في المجتمع الإسلامي، وهذه العواطف والمشاعر تؤدي دورا أساسيا وهاما في تكييف الحياة الاقتصادية، وتساند المنهج الإسلامي في التنمية فيما يستهدفه من غايات.

4- الارتباط بين المنهج الإسلامي في التنمية، والسياسة المالية للدولة الإسلامية إلى درجة تسمح باعتبار السياسة المالية جزءا من هـذا المنهج، لأنها وضعت بصورة تلتقي مع السياسة الإنمائية، وتعمل لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية الإسلامية. فالسياسة المالية في الإسلام لا تكتفي بتموين الدولة بنفقاتها اللازمة. وإنما تستهدف المساهمة في إقرار التوازن الاجتماعي والتكافل العام.

5- الارتباط بين المنهج الإسلامي للتنمية والتشريع الجنائي في الإسلام، فالحدود لا يمكن أن تقام حتى يعيش الناس في مستوى الكفاية. فقد تكون عقوبة السارق بقطع يده قاسية إلى حد ما في بيئة رأسمالية، تركت فيها الكثرة الهائلة من أفراد المجتمع لزحمة الصراع، أما حيث تكون البيئة إسلامية، وتوجد التربة الصالحة للتنمية الاقتصادية الإسلامية، ويعيش المجتمع في كنف الإسلام، فليس في شيء من [ ص: 59 ] القسوة أن يعامل السارق بصرامة بعد أن وفرت له التنمية الاقتصادية أسباب الحياة الكريمة، ومحت من حياته كل الدوافع التي تضطره إلى السرقة.

6- الارتباط بين هـذا المنهج والأخلاق، ذلك إن الإسلام لا يستمد غاياته التي يسعى إلى تحقيقها في حياة المجتمع الاقتصادية، من ظروف مادية، وشروط طبيعية مستقلة عن الإنسان نفسه، كما تستوحي الماركسية غاياتها من وضع القوى المنتجة وظروفها، وإنما ينظر إلى تلك الغايات بوصفها معبرة عن قيم عملية ضرورية التحقيق من ناحية خلقية، فحين يقرر الإسلام ضمان حياة العامل مثلا، لا يؤمن بأن هـذا الضمان الاجتماعي الذي وضعه، نابع من الظروف المادية للإنتاج مثلا وإنما يعتبره ممثلا لقيمة عملية يجب تحقيقها.

وتعني الصفة الخلقية أن الإسلام يهتم بالعامل النفسي، خلال الطريقة التي يضعها لتحقيق أهدافه وغاياته. فقد يؤخذ من الغني مال لإشباع الفقير مثلا، ويتأتى بذلك للفقير أن يشبع حاجاته، وتوجد بذلك الغاية التي يتوخاها المنهج الإسلامي، من وراء مبدأ التكافل ولكن هـذا ليس هـو المسألة كلها في حساب الإسلام، بل هـناك الطريقة التي تم بها تحقيق التكافل العام، لأن هـذه الطريقة تعني مجرد استعمال القوة في انتزاع الحق من الأغنياء لكفالة الفقراء، هـذا وإن تم إشباع الفقير، ولكن الإسلام لا يقر ذلك، ما دامت طريقة تحقيق التكافل مجردة عن الدافع الخلقي، ولأجل ذلك تدخل الإسلام، وجعل من الفرائض المالية –التي [ ص: 60 ] استهدف منها إيجاد التكافل- عبادات شرعية يجب أن تنبع عن دافع نفسي نير، يدفع الإنسان إلى المساهمة في تحقيق غايات التنمية الاقتصادية الإسلامية بشكل واع مقصود، طلبا بذلك لرضى الله تعالى والقرب منه.

ولا غرو أن يكون للإسلام هـذا الاهتمام بالعامل الخلقي، وهذا الحرص على تكوين الإنسان روحيا وخلقيا طبقا لغاياته ومفاهيمه، ذلك أن لطبيعة العوامل الخلقية الذاتية التي تعتلج في نفس الإنسان، أثرها الكبير في تكوين شخصية الإنسان، وتحديد سلوكه الاقتصادي، كما أن للعامل الخلقي أثره الكبير على الحياة الاجتماعية ومشاكلها وحلولها.

فالإسلام إذن لا يقتصر على تنظيم الوجه الخارجي للمجتمع شأن المناهج الوضعية، وإنما ينفذ إلى أعماقه الروحية والفكرية، ليوفق بين المحتوى الداخلي، وما يرسمه من مخطط اقتصادي واجتماعي، ولا يكتفي في طريقته أن يتخذ أي أسلوب يكفل تحقيقه غاياته، وإنما يمزج هـذا الأسلوب بالعامل النفسي الأخلاقي والدافع الذاتي الذي ينسجم مع تلك الغايات ومفاهيمها. [ ص: 61 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث