الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفي فيها أيسر الأسباب

( الفرق الحادي والثلاثون والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفي فيها أيسر الأسباب )

وقعت في الشريعة صور كثيرة تقتضي الفرق بين هاتين القاعدتين

أحدها أن العقد على الأجنبية مباح فترتفع هذه الإباحة بعقد الأب عليها من غير وطء والمبتوتة لا يذهب تحريمها إلا بعقد المحلل ووطئه وعقد الأول بعد العدة وهذه رتبة فوق تلك الرتبة الناقلة عن الإباحة بكثير

وثانيها المسلم محرم الدم لا تذهب هذه الحرمة إلا بالردة أو زنى بعد إحصان أو قتل نفسا عمدا عدوانا وهي [ ص: 74 ] أسباب عظيمة فإذا أبيح دمه بالردة حرم بالتوبة وفي القصاص بالعفو وفي الزنى بالتوبة على خلاف بين العلماء أما عند مالك فلا بد من رجمه ولو تاب ووقع الاتفاق فيما علمت على المحارب إذا تاب من قبل أن يقدر عليه أنه يسقط عنه الحد وتزول إباحة دمه والتوبة أيسر من الردة والقتل وأقل تحتيما على العبد

وثالثها الأجنبية لا يزول تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف على إذنها ووليها وصداق وشهود ، وإباحتها بعد العقد يكفي فيها الطلاق فترتفع تلك الإباحة بالطلاق الذي يستقل الزوج به من غير زيادة

ورابعها الحربي مباح الدم تزول إباحته بالتأمين وهو سبب لطيف وإذا حرم دمه بالتأمين لا يباح إلا بسبب قوي يزيل تلك الإباحة من خروج علينا أو قصد لقتلنا حرابة وخروجنا على الإمام العدل وكذلك تزول إباحة دمه بعقد الجزية فإذا حرم دمه بعقد الجزية لا يباح دمه بكل المخالفات لعقد الجزية بل لا بد من مخالفة قوية كالتمرد على الإمام ونبذ العهد مجاهرة وغير ذلك من الأمور المحتاجة إلى قوة شديدة ومناقشة عظيمة ونظائر هذه القاعدة في الشريعة كثيرة وهذا الفرق واقع فيها بين القاعدتين الخروج من الإباحة إلى التحريم والخروج من التحريم إلى الإباحة وقد رام الأصحاب تخريج الحنث ببعض المحلوف عليه على هذه القاعدة فإن الحنث خروج من الإباحة إلى التحريم فيكفي فيه أيسر سبب فيحنث بجزء المحلوف عليه إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل منه لبابه لأنه على بر وإباحة حتى يحنث ولا يبرأ إذا كان على حنث إلا بفعل الجميع إذا حلف ليأكلنه فلا يبرأ إلا بأكل جميعه لأنه على حنث حتى يبر فهو خارج من حرمة إلى إباحة وهذا التخريج ضعيف فإنهم إن ادعوا هذه القاعدة المتقدمة كلية في الشريعة منعناها لاندراج صورة النزاع فيها فللخصم منعها وهو الشافعي رضي الله عنه ولأن هذه الصورة المتقدمة صورة قليلة ولو كانت كثيرة وضموا إليها أمثالها فالقاعدة أن الدعوة العامة الكلية لا تثبت بالمثل الجزئية فإنها لو انتهت إلى الألف احتمل أنها جزئية لا كلية فكم من جزئية مشتملة على أفراد كثيرة ألا ترى إلى قولنا : كل عدد زوج كلية باطلة بل إنما تصدق جزئية في بعض الأعداد وتلك الأعداد التي هي زوج كثيرة جدا لا يحصى عددها ومع ذلك فالكلية كاذبة لا صادقة .

وإن ادعوا أنها جزئية فيحتاجون إلى دليل آخر يوجب كون صورة النزاع كذلك فإن كان ذلك القياس فأين الجامع المناسب لخصوص الحكم السالم عن الفوارق أو الدليل غير القياس فأين هو لا بد من بيانه ، وخرج بعض الأصحاب هذه المسألة على قاعدة الأمر [ ص: 75 ] والنهي فقال إذا حلف ليفعلن فهو كالأمر أو لا يفعل فهو كالنهي والنهي عن الشيء نهي عن أجزائه فيكون فاعل الجزء مخالفا والمخالف حانث فيكون فاعل الجزء حانثا وهو المطلوب وهذه الطريقة أيضا ضعيفة لأن هذه القضية التي ادعاها هذا المخرج منعكسة بل الأمر بالشيء أمر بأجزائه كإيجاب أربع ركعات فإنه إيجاب لكل ركعة منها والنهي عن الشيء ليس نهيا عن أجزائه كالنهي عن خمس ركعات في الظهر ليس نهيا عن الأربع بل الأربع واجبة نعم النهي عن الشيء نهي عن جزيئاته فإن النهي عن مفهوم الخنزير نهي عن كل خنزير الخنزير الطويل والقصير والسمين والهزيل وجميع جزيئات الخنزير والأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بجزيئاتها فالأمر بإعتاق رقبة ليس [ ص: 76 ] أمرا بإعتاق هذه الرقبة وتلك وجميع الرقاب بل يكفي في حصول ماهية الرقبة شخص منها واحد معين فشتان ما بين الأجزاء والجزيئات الحكم منعكس بينهما فهذا التخريج باطل قطعا فلا يفتي به فقيه وأحسن ما رأيت للأصحاب في هذه المسألة طريقة الفرض والبناء وهي أن الشيخ أبا عمرو بن الحاجب رحمه الله كان يقول هذه المسألة ثلاثة أقسام : المعطوفات نحو .

والله لا كلمت زيدا وعمرا ، والجموع والتثنيات نحو لا أكلت الأرغفة أو الرغيفين ، وأسماء الحقيقة الواحدة المفردة كالرغيف فهذه الأقسام الثلاثة الخلاف فيها واحد فعند الشافعي رضي الله عنه لا يحنث إلا بالجميع وعندنا بالبعض في المسائل الثلاثة ، فنقول أجمعنا على ما إذا قال الحالف والله لا كلمت زيدا ولا عمرا بصيغة لا النافية أنه يحنث بأحدهما واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في العطف أنها مؤكدة للنفي لا منشئة نفيا وكذلك قال الله تعالى { وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات [ ص: 77 ] ولا النور ولا الظل ولا الحرور } فذكر لا في البعض دون البعض مع أن الكل منفي فحيث تركت لا كان المعنى مثل الموضع الذي ذكرت فيه لا سواء بسواء غير التوكيد وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا ولما أجمعنا على أن الحكم التحنيث مع لا المؤكدة وجب أن يكون الحكم قبلها التحنيث تحقيقا لحقيقة التأكيد .

وإذا اتضح الحنث في هذه الصورة بمدرك صحيح مجمع عليه وجب أن يكون الواقع في الصورتين الأخيرتين الحنث لأنه لا قائل بالفرق إذ لو ثبت الحنث في بعضها دون بعض لزم خلاف الإجماع فإن القائل قائلان قائل بالحنث في الجميع وهو مالك وأتباعه وقائل بعدم الحنث في الجميع وهو الشافعي رضي الله عنه وأصحابه فلو قلنا بأنه في صورة العطف دون غيرها كان قولا خارقا للإجماع ولا سبيل إليه وهذه طريقة الفرض والبناء عند الخلافيين وضابطها أن يكون الإنسان يساعده الدليل في بعض صور النزاع دون بعضها فيفرض الاستدلال في تلك الصورة التي يساعده الدليل عليها فإذا تم له فيها الدليل بنى الباقي من الصور عليها فسمي ذلك طريقة الفرض والبناء وهي ضعيفة بسبب أن المناظر قائم مقام إمامه المجتهد والمجتهد لا يجوز له الاعتماد على قولنا لا قائل بالفرق فإن هذه المقدمة إنما جاءتنا بعد فتياه هو في المسألة ومدركه في المسألة متقدم على فتياه فيها فلما أفتى خصمه وهو المجتهد الآخر وبقي هو لم يفت بعد فله أن يقول ما ظهر بالدليل أي شيء كان لأنه ليس قبل قوله إجماع إنما هو قول خصمه فقط فله هو إذا قال خصمه لا يحنث عندي في الجميع له هو أن يقول يحنث عندي في البعض دون البعض والإجماع يصده حينئذ عن ذلك ولو اعتمد على ما قاله المناظر الآن من قوله لا قائل بالفرق لم يتأت له ذلك ومتى كان مدرك المناظر لا يصح أن يكون مدرك المجتهد لم يصح . نعم هذه الطريقة تتم في المناظرة جدلا بعد تقرر المذاهب أما والمجتهد يجتهد فلا يصح له الاعتماد على ذلك وبالجملة فالمسألة عندنا مشكلة إشكالا قويا فتأمله [ ص: 78 ]

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الحادي والثلاثون والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفي فيها أيسر الأسباب إلى قوله لا بد من بيانه ) قلت ما قاله في ذلك ظاهر [ ص: 74 ]

قال ( وخرج بعض الأصحاب هذه المسألة على قاعدة الأمر [ ص: 75 ] والنهي إلى قوله بل الأربع واجبة ) قلت ما قاله في ذلك ليس بصحيح فإنه كما أن الأمر بالشيء أمر بأجزائه لضرورة تحصيله ولا يتأتى تحصيله إلا بتحصيل أجزائه كذلك النهي عن الشيء نهي عن أجزائه لضرورة تفويته ولا يتأتى تفويته إلا بتفويت أجزائه فإن أجزاء الشيء لا تكون أجزاء له حقيقة إلا بتقدير اجتماعها وأما قبل اجتماعها فليست بأجزاء له حقيقة بل بضرب من المجاز وهو أنها صالحة لأن تكون أجزاء له إذا اجتمعت وكثيرا ما يجري هذا الوهم على كثير من الناس في مثل هذه المسألة فيعتقد أن جزء الشيء لا يزال جزءا له في حال اتصاله بالجزء الآخر وفي حال انفصاله عن الجزء الآخر ولا يشعر أن الجزء في حال الاتصال بالآخر ليس عين الجزء في حال الانفصال من الآخر فإذا حضر بين يديه الزاج وحده مثلا قال هذا جزء من المداد وإذا حضر مع العفص وقد امتزجا قال هذا الزاج الممتزج بالعفص جزء من المداد ويخيل له أنه قال القولين على جزء واحد وليس الأمر كما تخيل فإن معنى القول الأول هذا الزاج جزء من المداد أي يصير جزءا من المداد إذا مزج بالعفص ومعنى القول الثاني أنه جزء من المداد في الحال وكيف يصح أن يكون المشروط بالانفصال عين المشروط بالاتصال وفي مثل هذا كان بعض من لقيناه يقول اختلط ما بالقوة مع ما بالفعل وما مثل به شهاب الدين من النهي عن خمس ركعات في الظهر وأنه لا يستلزم النهي عن الأربع وهم مبني على اعتقاد أن الأربع المتصلة بخامسة هي عين الأربع غير المتصلة بخامسة وهو خطأ ظاهر لا شك فيه وقد سبق له مثل ذلك وسبق الرد عليه .

قال ( نعم النهي عن الشيء نهي عن جزيئاته إلى قوله وجميع جزئيات الخنزير ) قلت ما قاله هنا صحيح قال ( والأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بجزئياتها ) قلت ليس ما قاله بصحيح بل الأمر بالماهية الكلية أمر بجزئياتها لكنه بما لا يصح التكليف به لتعذره فإن الماهية الكلية بما هي كلية لا يصح وجودها في الأعيان عند القائلين بها وإدخال جميع جزئياتها الممكنة في الوجود حتى لا يشذ منها شيء لا يصح أيضا [ ص: 76 ]

قال ( فالأمر بإعتاق رقبة ليس أمرا بإعتاق هذه الرقبة وتلك وجميع الرقاب إلى قوله فلا يفتي به فقيه ) قلت الأمر بإعتاق رقبة ليس أمرا بكلي بل بمطلق وهو واحد غير معين من آحاد الكلي ولم يزل به توهم أن المطلق هو الكلي يوقعه في الخطأ الفاحش وقد تبين خلاف ما قاله من أن الأمر بالكلي ليس أمرا بجزئياته وتبين أنه لا فرق بين الأجزاء والجزئيات .

قال ( وأحسن ما رأيت للأصحاب في هذه المسألة طريقة الفرض والبناء وهي أن الشيخ أبا عمرو بن الحاجب كان يقول هذه المسألة ثلاثة أقسام إلى قوله بصيغة لا النافية أنه يحنث بأحدهما ) قلت ما حكاه لا كلام فيه .

قال ( واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في العطف أنها مؤكدة للنفي لا منشئة نفيا إلى قوله وإلا كان منشئا لا مؤكدا ) قلت لا على تقدير صحة هذا الإجماع وتسليم كون إجماع النحاة حجة لا يلزم عن كونها مؤكدة للنفي لا منشئة له أن لا يفيد تكرارها فائدة غير النفي بل يفيد رفع احتمال ثابت عند عدم تكرارها وهو أن القائل إذا قال والله لا كلمت زيدا ولا عمرا احتمل وجهين

أحدهما الامتناع من أن يكلمهما لا من أن يكلم أحدهما

وثانيهما الامتناع من أن يكلم كل واحد منهما ومن لازم ذلك الامتناع من أن يكلمهما فإذا تكررت لا يتعين الوجه الثاني ولا يتناول إجماع النحاة على أنها مؤكدة للنفي لا منشئة له المنع من إفادتها رفع الاحتمال الأول وتعين الثاني وقوله وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا نقول بموجبه ولا يلزم عن ذلك مقصوده فإنه لم يحك عن النحاة أنهم قالوا إن لا إذا تكررت في العطف لا تفيد فائدة غير تأكيد النفي بل قالوا لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده ولا يستلزم كونها لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده أن لا تفيد شيئا غير تأكيد النفي مع تأكيد النفي هذا كله على تسليم إجماعهم وكونه حجة وكل ذلك غير مسلم [ ص: 77 ]

قال ( ولما أجمعنا على أن الحكم التحنيث مع لا المؤكدة وجب أن يكون الحكم قبلها التحنيث إلى قوله أما المجتهد يجتهد فلا يصح له ذلك ) قلت ما قاله من استضعاف طريقة الفرض والبناء وقرره من تبين وجه ضعفها صحيح كما قال وبين .

قال ( وبالجملة فالمسألة مشكلة إشكالا قويا فتأمله ) قلت الإشكال على المذهب كما قال بناء على ما قرر ولقائل أن يقول إن مدرك مالك رحمه الله الاحتياط للإيمان فأخذ بالأشد ومدرك الشافعي رحمه الله حملها على مقتضاها المتيقن فأخذ بالأخف فلا إشكال والله أعلم [ ص: 78 ]



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي والثلاثون والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفي فيها أيسر الأسباب )

يقتضي الفرق بين هاتين القاعدتين صورا كثيرة وقعت في الشريعة منها أن عقدك على الأجنبية مباح ترتفع إباحته لك بمجرد عقد [ ص: 96 ] أبيها نكاحها لغيرك ومجرد العقد من أيسر الأسباب والمبتوتة لا يذهب تحريمها إلا بعقد المحلل ووطئه ثم عقد البات بعد العدة وهذه رتبة فوق تلك الرتبة الناقلة عن الإباحة بكثير

( ومنها ) المسلم محرم الدم ولا تذهب هذه الحرمة إلا بالردة أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس عمدا عدوانا أو حرابة وهي أسباب عظيمة فإذا أبيح دمه بالردة حرم بالتوبة أو أبيح بقتل النفس عمدا فوجب عليه القصاص حرم بالعفو أو أبيح بزنى بعد الإحصان حرم بالتوبة على خلاف بين العلماء أما عند مالك فلا بد من رجمه ولو تاب أو أبيح بالحرابة حرم بتوبته من قبل أن يقدر عليه اتفاقا لقول الأصل وقع الاتفاق فيما علمت على أنه يسقط عن المحارب الحد وتزول إباحة دمه إذا تاب قبل أن يقدر عليه والتوبة أيسر من القتل

( ومنها ) الأجنبية لا يزول تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف على إذنها ووليها وصداق وشهود ويكفي في إباحتها بعد العقد الطلاق فترتفع تلك الإباحة بالطلاق الذي يستقل الزوج به من غير زيادة

( ومنها ) الحربي مباح الدم وتزول إباحته بالتأمين وهو سبب لطيف وإذا حرم دمه بالتأمين لا يباح إلا بسبب قوي يزيل تلك الإباحة من خروج علينا أو قصد لقتلنا حرابة وخروجا على الإمام العدل وكذلك تزول إباحة دمه بعقد الجزية فإذا حرم دمه بعقد الجزية لا يباح دمه بكل المخالفات لعقد الجزية بل لا بد من مخالفة قوية كالتمرد على الإمام ونبذ العهد مجاهرة وغير ذلك من الأمور المحتاجة إلى قوة شديدة ومناقشة عظيمة ونظائر هاتين القاعدتين أعني الخروج من الإباحة إلى التحريم والخروج من التحريم إلى الإباحة كثيرة في الشريعة لكن عد الأصحاب منها الحنث ببعض المحلوف عليه في صيغة البر وعدم البر إلا بجميع المحلوف عليه في صيغة الحنث وتخريجه على قاعدتيها بجعل الحنث خروجا من الإباحة إلى التحريم فيكفي فيه أيسر سبب فيحنث بجزء المحلوف عليه إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل منه لبابه لأنه على بر وإباحة حتى يحنث فهو خارج من إباحة إلى حرمة [ ص: 97 ]

ولا يبر إذا كان على حنث إلا بفعل الجميع فإذا حلف ليأكلنه فلا يبر إلا بأكل جميعه لأنه على حنث حتى يبر فهو خارج من حرمة إلى إباحة .

قال الأصل هذا التخريج ضعيف فإن هاتين القاعدتين إن ادعوا لكثرة نظائرهما في الشريعة أنهما كليتان في الشريعة منعنا تلك الدعوى لاندراج صورة النزاع فيها فللخصم وهو الشافعي رضي الله عنه القائل بعدم الحنث ببعض المحلوف عليه أن يمنع تلك الدعوى لأن هذه الصورة المتقدمة قليلة ولو كانت كثيرة وضموا إليها أمثالها فالقاعدة أن الدعوة العامة الكلية لا تثبت بالمثل الجزئية فإنها ولو انتهت إلى الألف احتمل أنها جزئية لا كلية فكم من جزئية مشتملة على أفراد كثيرة ألا ترى إلى قولنا كل عدد زوج : كلية باطلة بل إنما تصدق جزئية في بعض الأعداد وتلك الأعداد التي هي زوج كثيرة جدا لا يحصى عددها ومع ذلك فالكلية كاذبة لا صادقة ، وإن ادعوا أنها جزئية احتاجوا في تخريج صور النزاع عليهما إلى دليل آخر أنهما جزئيتان يوجب كون صورة النزاع كذلك فإن كان ذلك الدليل القياس فأين الجامع المناسب لخصوص الحكم السالم عن الفوارق وإن كان غيره فأين هو لا بد من بيانه .

وأما تخريج بعض الأصحاب مسألة الحنث ببعض المحلوف عليه في صيغة البر وعدم البر إلا بجميع المحلوف عليه في صيغة الحنث على قاعدة الأمر والنهي حيث قال إذا حلف ليفعلن فهو كالأمر أو لا يفعل فهو كالنهي والنهي عن الشيء نهي عن أجزائه فيكون فاعل الجزء مخالفا والمخالف حانث فيكون فاعل الجزء حانثا وهو المطلوب فقال ابن الشاط إنه تخريج ليس بصحيح فإنه كما أن الأمر بالشيء أمر بأجزائه لضرورة تحصيله ولا يتأتى تحصيله إلا بتحصيل أجزائه كذلك النهي عن الشيء نهي عن أجزائه لضرورة تفويته ولا يتأتى تفويته إلا بتفويت أجزائه فإن أجزاء الشيء لا تكون أجزاء له حقيقة إلا بتقدير اجتماعها وأما قبل اجتماعها فليست بأجزاء له حقيقة بل بضرب من المجاز وهو أنها صالحة لأن تكون أجزاء له إذا اجتمعت ا هـ .

فافهم قال الأصل وأحسن ما رأيت للأصحاب في مسألة الحنث ببعض المحلوف عليه في صيغة [ ص: 98 ] البر طريقة الفرض والبناء وضابطها أن يكون الإنسان يساعده الدليل في بعض صور النزاع دون بعضها فيفرض الاستدلال في تلك الصورة التي يساعده الدليل عليها .

فإذا تم له فيها الدليل بنى الباقي من الصور عليها فإن الشيخ أبا عمرو بن الحاجب رحمه الله تعالى كان يقول هذه المسألة ثلاثة أقسام المعطوفات نحو والله لا كلمت زيدا وعمرا ، والجموع والمثنيات نحو لا أكلت الأرغفة أو الرغيفين ، وأسماء الحقيقة الواحدة المفردة كالرغيف فهذه الأقسام الثلاثة الخلاف فيها واحد فعند الشافعي رضي الله عنه لا يحنث إلا بالجميع وعندنا بالبعض في المسائل الثلاثة فنقول أجمعنا على ما إذا قال الحالف والله لا كلمت زيدا ولا عمرا بصيغة لا النافية أنه يحنث بأحدهما واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في العطف أنها مؤكدة للنفي لا منشئة نفيا وكذلك قال الله تعالى { وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور } فذكر لا في البعض دون البعض مع أن الكل منفي فحيث تركت لا كان معنى الموضع الذي تركت فيه مساويا لمعنى الموضع الذي ذكرت فيه غير التوكيد وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا ولما أجمعنا على أن الحكم التحنيث مع لا المؤكدة وجب أن يكون الحكم قبل التحنيث تحقيقا لحقيقة التأكيد .

وإذا اتضح الحنث في هذه الصورة بمدرك صحيح مجمع عليه وجب أن يكون الواقع في الصورتين الأخيرتين الحنث لأنه لا قائل بالفرق إذ لو ثبت الحنث في بعضها دون بعض لزم خلاف الإجماع فإن القائل قائلان قائل بالحنث في الجميع وهو مالك رضي الله عنه وأتباعه وقائل بعدم الحنث في الجميع وهو الشافعي رضي الله عنه وأصحابه فلو قلنا بأنه يحنث في صورة العطف دون غيرها كان قولا خارقا للإجماع ولا سبيل إليه قال الأصل ولكن طريقة الفرض والبناء ضعيفة لا تتم إلا في المناظرة جدلا بعد تقرر المذاهب أما والمجتهد يجتهد فلا يصح له الاعتماد على ما انبنت عليه هذه الطريقة من قول المناظر الآن لا قائل بالفرق فإن هذه المقدمة [ ص: 99 ] إنما جاءتنا بعد فتياه هو في المسألة ومدركه في المسألة متقدم على فتياه فيها وبعد إفتاء خصمه وهو المجتهد الآخر فيها فله أن يقول ما ظهر له بالدليل أي شيء كان لأنه ليس قبل قوله إجماع إنما هو قول خصمه فقط فإذا قال خصمه لا يحنث عندي في الجميع فله هو أن يقول يحنث عندي في البعض دون البعض ولا إجماع يصده حينئذ عن ذلك فلو اعتمد على تلك المقدمة لم يتأت له ذلك ومتى كان المناظر الآن قائما مقام إمامه ومدرك المناظر الآن لا يصح أن يكون هو مدرك المجتهد لم يحز للمناظر الآن الاعتماد على تلك المقدمة التي انبنت عليها تلك الطريقة أيضا فافهم ا هـ .

قال ابن الشاط وما قرره في بيان وجه ضعف هذه الطريقة صحيح كما قال وبين علي أنا لو سلمنا عدم ضعفها وفرضنا صحة إجماع النحاة على ما ذكر وكون إجماعهم حجة وقلنا بموجب قوله .

وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا لا يلزم عن قولنا بقوله المذكور مقصوده فإنه لم يحك عن النحاة أنهم قالوا إن لا إذا تكررت في العطف لا تفيد فائدة غير تأكيد النفي بل قالوا لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده ولا يستلزم كونها لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده أن لا تفيد شيئا غير تأكيد النفي مع تأكيد النفي وهو رفع احتمال ثابت عند عدم تكرارها فإن القائل إذا قال والله لا كلمت زيدا وعمرا بلا تكرار لا احتمل وجهين أحدهما الامتناع من أن يكلمهما معا لا من أن يكلم أحدهما وثانيهما الامتناع من أن يكلم كل واحد منهما ومن لازم ذلك أن يكلمهما معا فإذا تكررت أفادت مع التأكيد تبين الوجه الثاني ورفع احتمال الوجه الأول على أنا لا نسلم إجماع النحاة ولا كونه حجة نعم مسألة الحنث ببعض المحلوف عليه عندنا وإن ضعف فيها التخريج الأول ولم يصح فيها التخريج الثاني ولا الطريقة المذكورة إلا أنه ليس فيها إشكال أصلا فضلا عن أن يكون فيها إشكال قوي إذ لقائل أن يقول أن مدرك مالك رحمه الله تعالى الاحتياط للإيمان فأخذ بالأشد ومدرك الشافعي رحمه الله تعالى جعلها على مقتضاها المتيقن فأخذ بالأخف فتأمل [ ص: 100 ] والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث