الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 67 ] ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا .

هذه الآيات نزلت في محاجة النصارى خاصة بعد محاجة اليهود وإقامة الحجة عليهم ، وقد غلت اليهود في تحقير عيسى وإهانته والكفر به ، ففرطوا كل التفريط ، فغلت النصارى في تعظيمه وتقديسه فأفرطوا كل الإفراط ، فلما دحض - تعالى - شبهات أولئك قفى بدحض شبهات هؤلاء ، فقال عز من قائل : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم فتتجاوزوا الحدود التي حدها الله لكم ، فإن الزيادة في الدين كالنقص منه ، كلاهما مخرج له عن وضعه ولا تقولوا على الله إلا الحق أي الثابت المتحقق في نفسه ، إما بنص ديني متواتر ، وإما ببرهان عقلي قاطع ، وليس لكم على مزاعمكم في المسيح شيء منهما إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله إلى بني إسرائيل أمرهم بأن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا ، وأن يرجعوا عن الإيمان بالجبت والطاغوت ، وعن اتباع الهوى وعبادة المال ، وإيثار شهوات الأرض على ملكوت [ ص: 68 ] السماء ، وزهدهم في الحياة الدنيا ، وحثهم على التقوى ، وبشرهم بالنبي الخاتم الذي يبين لهم كل شيء ، ويقيمهم على صراط الاعتدال ، ويهديهم إلى الجمع بين حقوق الأرواح وحقوق الأجساد وكلمته ألقاها إلى مريم أي وهو تحقيق كلمته التي ألقاها إلى أمه مريم ومصداقها ، والمراد : كلمة التكوين أو البشارة ، فإنه لما أرسل إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام ، بشرها بأنه مأمور بأن يهب لها غلاما زكيا ، فاستنكرت أن يكون لها ولد وهي عذراء لم تتزوج ، فقال لها : كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ( 3 : 47 ) فكلمة ( كن ) هي الكلمة الدالة على التكوين بمحض قدرة الله - تعالى - عند إرادته خلق الشيء وإيجاده ، وقد خلق المسيح بهذه الكلمة ، وفي تفسيرها وجوه أخرى سبقت في الجزء الثالث من التفسير ( ص 250 من هذه الطبعة ) والإلقاء يستعمل في المعاني والكلام كما يستعمل في المتاع ، قال تعالى : فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم ( 16 : 86 ، 87 ) ومعناه الطرح والنبذ ، فلما عبر الله عن التكوين أو البشارة بالكلمة حسن التعبير بقوله : وكلمته ألقاها إلى مريم أي أوصلها إليها وبلغها إياها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث