الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت يتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا تتكرر بتكررها الكفارة والجميع مخالفة

( الفرق الثاني والثلاثون والمائة بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت يتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا تتكرر بتكررها الكفارة والجميع مخالفة )

بل تنحل اليمين بالمخالفة الأولى ويسقط حكم اليمين بخلاف النهي فإنه يبقى مستمرا وإن خولف ألف مرة ويتكرر الإثم بتكرره وهذا الفرق من المواضع الصعبة المشكلة فإن قوله والله لا فعلت نفي للفعل في جميع الأزمنة المستقبلة فإن لا من صيغ العموم نص عليه سيبويه مع لن وقال " لن " أشد عموما وذلك هو المفهوم من قوله تعالى { لا يموت فيها ولا يحيى } أي في جميع الأزمنة المستقبلة لا يحصل له موت ولا حياة وكذلك النهي إذا قيل للمكلف لا تكذب أو لا تشرب الخمر هو عام في جميع الأزمنة المستقبلة فإذا خالف مرة وفعل المنهي عنه حصل له الإثم فإن تكررت منه تلك المخالفة تكرر الإثم فكذلك يلزم إذا تكررت مخالفة اليمين ينبغي أن تكرر الكفارة بتكرر المخالفة لأن المخالفة عندها أوجبت الكفارة ألا ترى أنه لو لم يخالف لم تلزمه كفارة وإذا تكررت المخالفة في اليمين يكون ذلك كتكرر المخالفة في النهي والجامع المخالفة وعموم الصيغة في الموضعين بصيغة " لا " في مستقبل الزمان وهذا الإشكال لا يلزم في مخالفة الشرط إذا قال إن دخلت الدار فعبد من عبيدي حر أو امرأته طالق فخالف ودخل الدار عتق عبد واحد وطلقت امرأته طلقة واحدة فإن عاد وخالف مقتضى التعليق لم يلزمه عتق عبد آخر ولا طلقة أخرى بسبب أن صيغة الشرط ليست عامة فلا توجب التكرر بل الشرط مطلق والمطلق إنما يقتضي مرة واحدة وقد لزم موجبها بخلاف الحلف فإن الصيغة عامة فبكل فرد من أفراد العموم تحصل المخالفة في ذلك الفرض بعدما حصلت في الذي قبله فيلزم أن يكون جانيا على اليمين في كل مرة يقدم على الفعل كما أنه جان على النهي في كل مرة يقدم على الفعل ومع ذلك لم أعلم أحدا قاله من الفقهاء فيحتاج إلى الفرق بين القاعدتين والفرق من وجوه .

( أحدها ) أنا نسلم أن الصيغة عامة في نفي الفعل ولكن الكفارة ما وجبت إلا لمخالفة هذه السالبة الكلية العامة في جميع هذه الأزمنة المستقبلة ، ونقيض السالبة الكلية الموجبة [ ص: 79 ] الجزئية وهذه الموجبة الجزئية هي سبب الكفارة أو شرط وجوب الكفارة على الخلاف بين الفقهاء في الحنث هل هو شرط للكفارة أو سببها ، ويدل على أن سبب الكفارة إنما هو نقيض ذلك السلب الكلي أن الشارع قال { ذلك كفارة أيمانكم } فجعل الكفارة لليمين لا للسلب الكلي الذي هو المحلوف عليه فها هنا أمور ثلاثة السلب العام المحلوف عليه واليمين المؤكدة له ومخالفة هذا السلب العام .

والكفارة من الأمور الوضعية الشرعية فصاحب الشرع له أن يجعل مطلق الملابسة للفعل المحلوف عليه سبب الكفارة وعلى هذا التقدير تتكرر الكفارة بتكرر المخالفة وملابسة الفعل ولم يفعل ذلك بل جعل سبب الكفارة مخالفة هذا السلب العام لا هذا السلب العام ومخالفة هذا السلب العام إنما هو مطلق الثبوت فمطلق الثبوت هو سبب الكفارة فيصير معنى وضع الشرع الكفارة أنه قال جعلت نقيض السلب الكلي سبب الكفارة ولو قال صاحب الشرع من أتى بنقيض السلب الكلي في يمينه وحنث عليه الكفارة لم يكن هنالك عموم يفهم ألبتة بل يكون مثل قول القائل من دخل داري فله درهم فإذا دخل الدار رجل مرة واحدة وأخذ درهما ثم دخل ثانيا لا يستحق شيئا لأن المعلق علق على مطلق الدخول لا على كل مرة منه حتى يتكرر الاستحقاق بتكرر الدخول وكذلك إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة واحدة طلقت طلقة ثم دخلت مرة أخرى لم يلزمه طلاق وإن كانت في العدة الرجعية لأنه إنما التزم مطلق الطلاق إشارة إلى تقرير عدم لزوم تكرر الطلاق بتكرر المعلق عليه بمطلق الدخول ولم يأت بعموم يقتضي التكرر وهو من باب تعليق مطلق على مطلق وقد تقدم بسط هذه التعاليق أول الكتاب كذلك صاحب الشرع جعل سبب الكفارة مطلق الثبوت المناقض لموجب يمينه من السلب العام لا كل ثبوت ولا ثبوتين بل فردا واحدا فقط وغيره غير معتبر كالدخلة الثانية للدار من المطلقة .

ونظير هذه الكفارة كفارة المفسد لصوم رمضان فإن عاد فأكل أو جامع لم تلزمه كفارة على الأصح لأن الصوم في معنى السلب العام للأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فالكفارة مرتبة على نقيض هذا السلب العام وهو مطلق الثبوت فإذا حصل لزمته الكفارة فإذا عاد فتكرر لم يكن موجبا كدخول الدار فإن صاحب الشرع لم يجعل الثبوت بوصف العموم موجبا للكفارة بل بوصف الإطلاق والمطلق يخرج عن عهدته بصورة إجماعا كإعتاق رقبة وإخراج شاة من أربعين ونظيره أيضا المظاهر إذا قال أنت علي كظهر أمي فمقتضى هذا التشبيه التحريم الدائم لأن هذا هو شأن تحريم الأم المشبه بها فتكون هذه الزوجة محرمة دائما تحقيقا للتشبيه فإن عاد وعزم على إمساكها أو على وطئها على الخلاف في العود [ ص: 80 ] ما هو فقد أتى بنقيض ذلك السلب الكلي وهو مطلق الثبوت المناقض له فجعله صاحب الشرع تجب عنده الكفارة كالحنث في اليمين فإذا كفر ثم عاد فعزم على إمساكها أو وطئها مرة أخرى لا تتكرر الكفارة بتكرر العود إجماعا فيما علمت لأنها مرتبة على مطلق الثبوت بوصف الطلاق لا بوصف العموم فكذلك ها هنا كفارة اليمين مرتبة على مطلق الثبوت المناقض للسلب الكلي العام لا على مطلق الثبوت بوصف العموم كما تقدم .

وأما مخالفة النهي فتقتضي تكرر الإثم والتعزير بسبب أن الإثم رتبه الشرع على تحقيق المفسدة في الوجود لأن النواهي تعتمد المفاسد كما أن الأوامر تعتمد المصالح فكل فرد يتكرر تتكرر المفسدة معه فيتكرر الإثم لأنه تابع لمطلق المفسدة في جميع صورها بوصف العموم فعم الإثم أيضا وهو مناسب لحسم مادة المفسدة إذ لو أثمناه في صورة واحدة وأبحنا له ما بعدها أدى ذلك لوقوع مفاسد لا نهاية لها فكانت الحكمة الشرعية تقتضي تعميم الإثم في جميع صور المفاسد

وثانيها أن الكفارة لو كانت تتكرر بتكرر المخالفات لليمين لشق ذلك على المكلفين في الصور التي يحتاجون للمخالفة فيها وتكررها فتترتب على الإنسان كفارات كثيرة جدا لا يمكنه الخروج عنها إلا بفعلها وذلك حرج عظيم تأباه الشريعة الحنيفية السمحة السهلة وأما الآثام إذا اجتمعت فيخرج الإنسان عن عهدتها بالتوبة والإنابة وهي متيسرة على المتقين

( وثالثها ) أن اليمين مباحة لأنها تعظيم للمقسم به والحنث أيضا مباح لقوله عليه الصلاة والسلام والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت وفعلت الذي هو خير ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقدم على المنهي عنه فضلا عن أن يحلف أنه لا بد أن يفعله وإذا كان الحلف والحنث مباحين ناسب ذلك التخفيف في إلزام الكفارة المتكررة بخلاف النهي فإنه للتحريم والمقدم على مخالفته عاص بعيد من الله تعالى فناسب التغليظ بتكرر الآثام وتظافر أنواع الوعيد والتعازير عليه حسما لمادة المعصية

( ورابعها ) أن القسم وقع على جملة خبرية فإن لا أفعل خبر عن عدم الفعل في الزمن المستقبل وإذا كان خبرا فإن صدق فيه وحقق السلب العام كما أخبر عنه فلا كفارة وإن خالف هذا الخبر كانت مخالفته تكذيبا لذلك الخبر والصدق والكذب نقيضان ولذلك قال أرباب العقول إن نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية وبهما يقع التكاذيب لمن يقصد تكذيب من ادعى الأخرى كما إن نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية والصدق والكذب عندنا نقيضان لا ثالث لهما خلافا للمعتزلة فإن الخبر إن طابق فصدق وإن لم يطابق فكذب ولا واسطة بين المطابقة وعدم المطابقة فالكذب حينئذ نقيض الصدق فالكفارة وجبت لمخالفة الصدق وهو الكذب في ذلك الخبر المناقض للصدق المانع من تحققه ومتى ارتفع الصدق بصورة واحدة استحال ثبوته فقد تحققت [ ص: 81 ] مفسدة تعذر الصدق وهذا المعنى لا يتكرر وهو تعذر الصدق فلم تتكرر الكفارة ويدل على اعتبار هذا المعنى أن الحالف لو جعل يمينه خبرا عن موجبة كلية كقوله والله لأصومن الدهر فأفطر يوما واحدا فقد كذب خبره عن صوم الدهر وتلزمه الكفارة بإفطاره ذلك اليوم الواحد ولا ينجيه من لزوم الكفارة صوم بقية الدهر وتضيع بقية الموجبة الكلية عن الاعتبار ولا فرق بين أن يتكرر منه الثبوت أو يقتصر على فطر يوم واحد وإذا تقرر هذا في جهة الثبوت وهو الموجبة الكلية وجب أن يثبت مثله في السالبة الكلية التي هي خبر عن النفي فيتحقق الكذب بفرد واحد من الثبوت بأن يفعل مرة واحدة ولا ينفعه بقية السالبة الكلية ولا فرق بين ثبوت واحد تقع به المخالفة وبين ثبوتين أو أكثر كما لم يكن فرق في الموجبة الكلية بين سلبين فأكثر تسوية بين طرفي الثبوت والسلب في الخبر عنهما وإثبات نقيضهما .

والاكتفاء بفرد في المناقضة لا يحتاج معه إلى ثان ويكون الثاني وجوده وعدمه سواء تسوية بين الطرفين فظهر بهذا التقرير أن الموجب للكفارة إنما هو إثبات النقيض المكذب للخبر السابق بفرد زاد معه غيره أم لا كان الكلام نفيا أو إثباتا والنهي ليس كذلك بل لو اجتنب المنهي عنه مائة مرة لله تعالى أثيب على المائة ثم إن خالف بعد ذلك استحق العقوبة بعدد المرات التي خالف فيها بالفعل والثبوت وتتكرر المثوبات بتكرر الاجتناب والعقوبات بتكرر المخالفات فدل ذلك على أن المطلوب هو اجتناب مفسدة ذلك الفعل في كل زمان وأن كل زمان مطلوب لنفسه في الترك لتلك المفسدة ويؤكده الأمر المقتضي للتكرار أنه إذا فعل مائة مرة أثيب مائة مثوبة وإن تركه مائة مرة استحق مائة عقوبة لأن المطلوب حصول تلك المصلحة في كل زمان بعينه فكل زمان معين حقق فيه المصلحة استحق المثوبة وكل زمان ضيع فيه تلك المصلحة استحق العقوبة .

وتعتبر القلة في ذلك والكثرة فقد صارت قاعدة الأمر تشهد لقاعدة النهي كما شهدت قاعدة خبر الثبوت في اليمين لقاعدة خبر النفي فأوضح كل منهما الأخرى واتضح لك الفرق بين مخالفة قاعدة النهي وبين مخالفة قاعدة اليمين ونشأ سر الفرق في هذا الوجه من جهة الخبر والصدق والكذب وتحقيق نقيض كل واحد منهما وأن النقيض هو المعتبر دون أفراد الفعل وأفراد الترك بشهادة النفي للإيجاب والإيجاب للنفي وأن الأمر والنهي كل واحد منهما يشهد للآخر وأن المعتبر فيهما إفراد الأفعال والتروك دون النقيض فإن قلت ما ذكرته من الصدق والكذب الواقعين في الخبر المحلوف عليه نفيا أو إثباتا يقوي مذهب الحنفية في قولهم إن الحنث محرم وإن الكفارة وجبت ساترة لذنب تحريم المخالفة ولا شك أن الكذب محرم بالإجماع وأنت قد حققته في اليمين فيتجه ما قالوه قلت لا متعلق لهم في هذا بسبب أن الكذب الواقع في اليمين هو كذب من [ ص: 82 ] جهة مسمى الكذب لغة لا من جهة الإثم والنهي الشرعي وتقريره أن خبر الوعد خبر ولو خالفه لم يكن آثما فلو قال لزيد : غدا أعطيك درهما ولم يعطه غدا شيئا لم يكن آثما ولو كان آثما لوجب الوفاء بكل وعد وليس كذلك وقوله عليه السلام { عدة المؤمن دين } أي مثل الدين ولذلك قيد الحكم بوصف الإيمان الحاث على مكارم الأخلاق ولو كان الوفاء بالوعد مطلقا واجبا لقال عليه السلام الوعد دين من غير تفصيل ويدل على أن هذه الإخبارات في الوعد والحلف ليس بكذب محرم قوله عليه السلام { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر } .

ولو كان ذلك الخير يجب الوفاء به لما جاز تركه لمجرد الخيرية التي يكفي فيها مطلق المصلحة بل إن كانت المخالفة تتوقف على مصلحة عظيمة تساوي مفسدة التحريم كفوات أمر واجب عظيم فإن المحرم لا يعارض إلا بالواجب ولا يعارض بمطلق الخيرية التي هي تصدق بأدنى مراتب الندب فليس الحنث حينئذ بمحرم ويؤكده أنه عليه السلام حلف لأولئك النفر لا يحملهم ثم حملهم بعد ذلك فقيل له يا رسول الله إنك حلفت فقال والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت وأتيت الذي هو خير فلو كان هذا كذبا محرما لما أقدم عليه السلام عليه فإن منصبه عليه السلام يأبى ذلك إباء شديدا فيقطع الفقيه حينئذ بأن هذه المخالفة في الأيمان ليست كذبا محرما بل يتناوله اللفظ الموضوع للكذب ولا يكون محرما كما أن الكذب الذي يقع من غير قصد كمن أخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه معتقدا ما أخبر به والأمر بخلافه ليس بمحرم وإن صدق عليه أنه كذب لغة خلافا للمعتزلة في اشتراطهم القصد في حقيقة الكذب ويدل على صحة مذهب أهل السنة قوله عليه السلام { كفى بالمرء كذبا إن يحدث بكل ما سمع } فجعله عليه السلام كذبا مع أنه يعتقد صدق ما سمعه .

وكذلك قوله عليه السلام { من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار } يدل على أن الكذب قد يقع على غير وجه العمد فظهر أن الكذب قد يكون لا مع الإثم ومخالفة الأيمان من هذا القبيل وظهر الفرق بين قاعدة مخالفة النواهي وبين قاعدة مخالفة الأيمان إذا تقرر أن قاعدة الإيمان عدم التكرار فقد وقعت صور اختلف العلماء في بعضها أو في كلها وهي إذا خالف مقتضى اليمين حالة النسيان أو حالة الجهل أو حالة الإكراه فمذهب مالك اعتبار الحنث حالة النسيان والجهل دون الإكراه ومذهب الشافعي عدم اعتبار الحنث في الأحوال الثلاثة ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل على الإكراه على اليمين وخالفنا أبو حنيفة في الإكراه على الحنث ووافقنا في النسيان والجهل ، وتلخيص مدرك الخلاف في هذه الحالات أن مقتضى اللغة حصول الحنث في هذه الأحوال [ ص: 83 ] الثلاثة لحصول مسمى المخالفة بمقتضى ما أخبر عن نفسه في الاستقبال لكن لما كانت اليمين إنما يقصد بها الناس حثهم على الإقدام أو الإحجام ، والحث إنما يقع في الأفعال الاختيارية فإن الإنسان إنما يحث نفسه على ما هو من اختياره وصنعه وأما المعجوز عنه فلا يليق بالعاقل حث نفسه عليه ألا ترى أنه لا يحث نفسه على الصعود إلى السماء ولا على أن يعمل لنفسه يدا زائدة أو عينا زائدة ولا يحث نفسه على أن يكون آدميا أو منتصب القامة لأن الأول متعذر عليه والثاني واقع بغير صنعه ويحث نفسه على الصلاة والصوم لأنهما من صنعه فإذا تقرر أن الحث إنما يقع من الإنسان فيما هو من صنعه واختياره اتضح بذلك خروج حالة الإكراه على الحث لأن الداعية حالة الإكراه ليست للفاعل على الحقيقة بل نشأت عن أسباب الإكراه فهي من غير صنعه في المعنى .

فلا جرم لم تندرج هذه الحالة في اليمين وأما الجهل والنسيان فالإنسان في الجهل يفعل المحلوف عليه جاهلا بأنه المحلوف عليه كمن يحلف أن لا يلبس ثوبا فيلتبس ذلك الثوب عليه بغيره فيلبسه وهو ذاكر لليمين جاهل بعين المحلوف عليه وأما في النسيان فهو على العكس من الجهل يفعل المحلوف عليه عالما بحقيقته ناسيا لليمين وفي الإكراه قد يكون ذاكرا لهما فهذا هو الفرق بين هذه الحقائق الثلاث فالشافعي يقول إن الحث المقصود من اليمين إنما يكون مع ذكر اليمين والمعرفة بعين المحلوف عليه بأن يقصد الترك باليمين لأجل اليمين وهذا لا يتصور إلا مع القصد إليهما والمعرفة بهما أعني اليمين والمحلوف عليه .

فإذا جهل اليمين في صورة النسيان أو المحلوف عليه في صورة الجهل فلم يوجدا في نفسه معا فما وجد المقصود من اليمين وهو الترك لأجل اليمين فهاتان الحالتان لا يقصدهما الناس بالأيمان لهذه القاعدة فخرجا عن اليمين والخارج عن اليمين لا يقع فيه حنث فخرجت الأحوال الثلاثة عند الإكراه والنسيان والجهل فإذا خالف اليمين في حالة من هذه الحالات لا يلزم بذلك كفارة ولا بد من المخالفة مرة أخرى في حالة الاختيار واستحضار اليمين والعلم بالمحلوف عليه فاشترط التكرر في الأحوال الثلاثة وأما مالك رحمه الله تعالى فقال الحلف وقع على الفعل المختار المكتسب ومقتضى ذلك أن يخرج الإكراه وحده ويبقى النسيان والجهل لأن الناسي لليمين مختار للفعل غير أنه نسي اليمين والجاهل مختار للفعل غير أنه جهل أن هذا عين المحلوف عليه وإذا وجد الاختيار والفعل المكتسب فقد وجد ما حلف عليه ووجدت حقيقة المخالفة فتلزمه الكفارة فإذا وقع الفعل في حالة النسيان أو الجهل انحلت اليمين ولزمت الكفارة ولا يشترط التكرر مرة أخرى والظاهر من جهة النظر قول الشافعي وهو أحد الأقوال عندنا بسبب أن الباعث للحالف على الحلف إنما [ ص: 84 ] هو أن تكون اليمين حاثة له على الترك وإلا كان يكفيه العزم على عدم الفعل من غير يمين وكان يستريح من لزوم الكفارة وإنما أقدم على اليمين ليكون استحضارها في نفسه مانعا له من الإقدام أو الإحجام فإذا نسيها لم يقصد بهذه الحالة حالة الحلف بل مقصوده محصور في حالة حضورها في نفسه حتى تمنعه .

وكذلك العلم بعين المحلوف عليه شرط في الحنث به فإذا جهله استحال مع الجهل الحث على ما لم يعلمه فهذه الحالة يعلم خروجها عن اليمين بقصد الحالفين فلا يلزم فيها حنث ويشترط التكرار وأما الإكراه على اليمين فلقوله عليه السلام { لا طلاق في إغلاق } أي في إكراه فيقاس على الطلاق غيره فلا يلزم ورأى أبو حنيفة أن الإكراه على الحنث لا يؤثر كما قاله مالك في الحنث حالة النسيان والجهل والظاهر خلافه لما تقدم من مقاصد الناس في أيمانهم ، تنبيه إذا قلنا بأن الإكراه على الحنث يمنع من لزوم موجب اليمين فأكره على أول مرة من الفعل ثم فعله مختارا حنث قاله ابن أبي زيد وهو مقتضى الفقه بسبب أن الإكراه لم يندرج في اليمين فالواقع بعد ذلك بالاختيار هو أول مرة صدرت مخالفة لليمين والأولى لا عبرة بها وتقع هذه المسألة في الفتاوى كثيرا ويقع الغلط فيها للمفتيين فيقول السائل حلفت بالطلاق لا أخدم الأمير الفلاني في إقطاعه وقد أكرهت بالضرب الشديد على خدمته فيقول له المفتي لا حنث عليك مع أن ذلك الحالف مستمر على الخدمة مع زوال سبب الإكراه وإمكان الهروب منه والتغيب عن ذلك الأمير وهذا يحنث بسبب أنه إذا مضى زمن يمكنه التغيب عن خدمة ذلك الأمير ولم يتغيب فقد خدمه مختارا فيحنث ولا يقال إن الخدمة السابقة حصل بها مخالفة اليمين والمخالفة لا تتكرر فلا يحنث بعد ذلك لأنا نقول الحالة السابقة لم تندرج في اليمين لأجل الإكراه والمرة الأخيرة التي هي أول الفعل الاختياري هي أول مخالفات اليمين فهي المعتبرة دون ما قبلها فتأمل ذلك ومثل هذه المسألة إذا حلف بالطلاق لا يكلم زيدا فخالع امرأته وكلمه لم يلزمه بهذا الكلام طلاق فلو رد امرأته وكلمه حنث عند مالك رحمه الله بسبب أنه إنما قصد الحلف بالطلاق أن يحثه الطلاق على عدم كلامه بسبب أنه يلزمه الطلاق حينئذ فما حلف إلا على نفي كلام يلزمه به الطلاق والكلام حالة الخلع لم يلزمه به طلاق لعدم قبول المحل له فلا يكون من الكلام المحلوف عليه وأول كلام يقع بعد رد امرأته هو أول مخالفة اليمين فيه فيلزم الطلاق به لا بما قبله لما قلناه في الإكراه حرفا بحرف فتأمل ذلك فهذه الصور الثلاثة المتقدمة يحصل فيها التكرر في صورة المخالفة لا في المخالفة المعتبرة بسبب ما تقدم تقريره [ ص: 85 ]

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

( قال الفرق الثاني والثلاثون والمائة بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت يتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا يتكرر بتكررها الكفارة والجميع مخالفة ) قلت ما قاله إلى آخر الفرق صحيح غير قوله بل الشرط مطلق والمطلق إنما يقتضي مرة واحدة فإنه غير صحيح فإنه لو اقتضى المرة الواحدة لما كان مطلقا بل مقيدا باقتضاء المرة الواحدة دون غيرها وإنما وقع الاكتفاء بالمرة الواحدة لضرورة لزوم تحصيل مقتضى التعليق ولا أقل من المرة الواحدة في التحصيل وجميع ما قاله في الفرقين بعد هذا الفرق صحيح .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

[ ص: 79 - 85 ] الفرق الثاني والثلاثون والمائة بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت بتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا يتكرر بتكررها الكفارة بل تنحل اليمين بالمخالفة الأولى ويسقط حكم اليمين فيما عداها والجميع مخالفة ) مع عموم الصيغة في الموضعين فإن قوله في اليمين والله لا فعلت نفي للفعل في جميع الأزمنة المستقبلة فإن لا من صيغ العموم نص عليه سيبويه مع لن وقال لن أشد عموما وذلك هو المفهوم من قوله تعالى { لا يموت فيها ولا يحيى } أي في جميع الأزمنة المستقبلة لا يحصل له موت ولا حياة وكذلك النهي إذا قيل للمكلف لا تكذب أو لا تشرب الخمر هو عام في جميع الأزمنة المستقبلة فحيث كان الجامع بين القاعدتين المخالفة وعموم صيغة لا في مستقبل الزمان كان ينبغي عدم الفرق بينهما وأن يلزم بتكرر الكفارة إذا تكررت مخالفة اليمين كما تكرر عليه الإثم بتكرر المخالفة في النهي لكن الأصل .

قال لم أعلم أحدا من الفقهاء قال بعدم الفرق بل أجمع الفقهاء على الفرق بينهما وأنه إذا خالف مرة وفعل المنهي عنه حصل له الإثم فإن تكررت منه تلك المخالفة تكرر الإثم بخلاف ما إذا حلف بقوله والله لا أكلت لحما فخالف يمينه وأكل اللحم متكررا فإنهم أجمعوا على أن الكفارة لا تجب عليه إلا في المرة الأولى ولا تتكرر بتكرر أكل اللحم ومخالفة يمينه حينئذ مشكل يحتاج إلى بيان سر الفرق بينهما وبيان سره من وجوه أحدها أن صيغة اليمين وإن سلمنا أنها سالبة كلية عامة في جميع الأزمنة المستقبلة لكن لا نسلم أن نفس هذه السالبة الكلية هي سبب الكفارة أو شرط وجوبها بل الكفارة ما وجبت إلا لمخالفة هذه السالبة الكلية .

ومخالفتها عبارة عن نقيضها ونقيض السالبة الكلية هي الموجبة الجزئية فهذه الموجبة الجزئية هي سبب الكفارة أو شرط وجوبها على الخلاف بين الفقهاء في الحنث هل هو شرط الكفارة أو سببها ويدل على أن سبب الكفارة إنما هو نقيض ذلك السلب الكلي لا ذلك السلب الكلي إن الشارع قال { ذلك كفارة أيمانكم } فجعل الكفارة لليمين لا للسلب الكلي الذي هو المحلوف عليه وتوضيح ذلك أن في قول [ ص: 101 ] الحالف والله لا أكلت لحما مثلا أمورا ثلاثة السلب العام المحلوف عليه واليمين المؤكدة له ومخالفة هذا السلب العام .

والكفارة من الأمور الوضعية الشرعية فصاحب الشرع له أن يجعل مطلق الملابسة للفعل المحلوف عليه سبب الكفارة وحينئذ تتكرر الكفارة بتكرر المخالفة وملابسة الفعل ولكنه لم يفعل ذلك بل جعل سبب الكفارة مخالفة هذا السلب العام لا هذا السلب العام ومخالفة هذا السلب العام إنما هو مطلق الثبوت فيصير معنى وضع صاحب الشرع الكفارة أنه قال جعلت نقيض السلب الكلي سبب الكفارة فكأنه قال من أتى بنقيض السلب الكلي في يمينه وحنث عليه الكفارة فليس في الكلام عموم يفهم ألبتة بل هو مثل قول القائل من دخل داري فله درهم وقوله إن دخلت الدار فأنت طلاق في كونه من باب تعليق مطلق على مطلق فيقتضي الاكتفاء بالمرة الواحدة لضرورة لزوم تحصيل مقتضى التعليق ولا أقل من المرة الواحدة في التحصيل وقد تقدم بسط هذه التعاليق أول الكتاب ونظير هذه الكفارة كفارة المفسد لصوم رمضان فإنه إن عاد فأكل أو جامع لم تلزمه كفارة على الأصح لأن الصوم في معنى السلب العام للأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس والكفارة مرتبة على نقيض هذا السلب العام وهو مطلق الثبوت فإذا حصل لزمته الكفارة فإذا عاد فتكرر لم يكن موجبا كدخول الدار فإن صاحب الشرع إنما جعل الثبوت بوصف الإطلاق لا بوصف العموم موجبا للكفارة والمطلق يخرج عن عهدته بصورة إجماعا كإعتاق رقبة وإخراج شاة من أربعين ونظير هذه الكفارة أيضا كفارة المظاهر فإنه إذا قال أنت علي كظهر أمي كان مقتضى هذا التشبيه التحريم الدائم لأن هذا هو شأن تحريم الأم المشبه بها فتكون هذه الزوجة محرمة دائما تحقيقا للتشبيه فإن عاد وعزم على إمساكها أو على وطئها على الخلاف في العود ما هو فقد أتى بنقيض ذلك السلب الكلي وهو مطلق الثبوت المناقض له فصاحب الشرع جعل الكفارة تجب عنده كالحنث في اليمين فإذا كفر ثم عاد فعزم على إمساكها أو وطئها مرة أخرى [ ص: 102 ] لا تتكرر الكفارة بتكرر العود إجماعا فيما علمت لأنها مرتبة على الثبوت بوصف الإطلاق لا بوصف العموم فكذلك هاهنا كفارة اليمين مرتبة على الثبوت بوصف الإطلاق المناقض للسلب الكلي العام لا على الثبوت بوصف العموم كما تقدم .

وأما مخالفة النهي فتقتضي تكرر الإثم والتعزير بسبب أن الإثم رتبه الشرع على تحقيق المفسدة في الوجود لأن النواهي تعتمد المفاسد كما أن الأوامر تعتمد المصالح فكل فرد يكرر تكرر المفسدة معه فيتكرر الإثم لأنه تابع لمطلق المفسدة في جميع صورها بوصف العموم فعم الإثم أيضا وهو مناسب لحسم مادة المفسدة إذ لو أثمناه في صورة واحدة وأبحنا له ما بعدها أدى ذلك لوقوع مفاسد لا نهاية لها فكانت الحكمة الشرعية تقتضي تعميم الإثم في جميع صور المفاسد

( وثانيها ) أن الكفارة لو كانت تتكرر بتكرر المخالفات لليمين لشق ذلك على المكلفين في الصور التي يحتاجون للمخالفات فيها وتكررها فتترتب على الإنسان كفارات كثيرة جدا لا يمكنه الخروج عنها إلا بفعلها وذلك حرج عظيم تأباه الشريعة الحنفية السمحة السهلة وأما الأثام إذا اجتمعت فإن الإنسان يخرج عن عهدتها بالتوبة والإنابة وهي متيسرة على المتقين

( وثالثها ) أن اليمين مباحة لأنها تعظيم للمقسم به والحنث أيضا مباح لقوله عليه الصلاة والسلام { والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت وفعلت الذي هو خير } ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقدم على المنهي عنه فضلا عن أن يحلف أنه لا بد أن يفعله وإذا كان الحلف والحنث مباحين ناسب ذلك التخفيف في إلزام الكفارة المتكررة بخلاف النهي فإنه للتحريم والمقدم على مخالفته أي النهي عاص بعيد من الله تعالى فناسب التغليظ بتكرر الآثام وتظافر أنواع الوعيد والتعاذير عليه حسما لمادة المعصية

( ورابعها ) أن القسم وقع على جملة خبرية فإن لا أفعل خبر عن عدم الفعل في الزمن المستقبل فإن صدق فيه وحقق السلب العام كما أخبر عنه فلا كفارة .

وإن خالف هذا الخبر كانت مخالفته تكذيبا لذلك الخبر والصدق والكذب نقيضان ولذلك قال أرباب المعقول إن نقيض السالبة الكلية هي الموجبة [ ص: 103 ] الجزئية وبهما يقع التكاذب لمن يقصد تكذيب من ادعى الأخرى كما أن نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية والصدق والكذب عندنا نقيضان لا ثالث لهما خلافا للمعتزلة فإن الخبر إن طابق الواقع فصدق وإن لم يطابق الواقع فكذب ولا واسطة بين المطابقة وعدم المطابقة فالكفارة وجبت لمخالفة الصدق وهو الكذب أي الخبر المناقض للصدق المانع مع تحققه ومتى ارتفع الصدق بصورة واحدة استحال ثبوته فقد تحققت مفسدة تعذر الصدق وهذا المعنى وهو تعذر الصدق لا يتكرر فلم تتكرر الكفارة ويدل على اعتبار هذا المعنى أن الحالف لو جعل يمينه خبرا عن موجبة كلية كقوله والله لأصومن الدهر فأفطر يوما واحدا فقد كذب خبره عن صوم الدهر وتلزمه الكفارة بإفطاره ذلك اليوم الواحد ولا ينجيه من لزوم الكفارة صوم بقية الدهر وتضيع بقية الموجبة الكلية عن الاعتبار ولا فرق بين أن يتكرر منه الفطر في يومين مثلا أو يقتصر على فطر يوم واحد .

وإذا تقرر هذا في جهة الثبوت وهو الموجبة الكلية وجب أن يثبت مثله في السالبة الكلية التي هي خبر عن النفي فيتحقق الكذب بفرد واحد من الثبوت بأن يفعل مرة واحدة ولا ينفعه بقية السالبة الكلية ولا فرق بين ثبوت واحد تقع به المخالفة وبين ثبوتين أو أكثر كما لم يكن فرق في الموجبة الكلية بين سلبين فأكثر تسوية بين طرفي الثبوت والسلب في الخبر عنها وإثبات نقيضها ، والاكتفاء بفرد في المناقضة لا يحتاج معه إلى ثان ويكون الثاني وجوده وعدمه سواء وأما النهي فليس كذلك بل لو اجتنب المنهي عنه مائة مرة لله تعالى أثيب على المائة .

ثم إن خالف بعد ذلك استحق العقوبة بعدد المرات التي خالف فيها بالفعل والثبوت وتتكرر المثوبات بتكرر الاجتناب أو العقوبات بتكرر المخالفات فدل ذاك على أن المطلوب هو اجتناب مفسدة ذلك الفعل في كل زمان وأن كل زمان مطلوب لنفسه في الترك لتلك المفسدة ويؤكد الأمر المقتضي للتكرار أنه إذا فعل مائة مرة أثيب مائة مثوبة وإن تركه مائة مرة استحق مائة عقوبة لأن المطلوب حصول تلك المصلحة في كل زمان بعينه فكل زمان معين حقق [ ص: 104 ] فيه المصلحة استحق المثوبة وكل زمان معين ضيع فيه تلك المصلحة استحق العقوبة وتعتبر القلة في ذلك والكثرة فقد شهدت قاعدة الأمر لقاعدة النهي كما شهدت قاعدة خبر الثبوت في اليمين لقاعدة خبر النفي فيه فأوضح كل منهما الأخرى واتضح لك أن سر الفرق في هذا الوجه من جهة أن المعتبر في الخبر الصادق المحلوف عليه هو نقيضه الكاذب دون أفراد الفعل وأفراد الترك بشهادة النفي للإيجاب والإيجاب للنفي والمعتبر للنهي والأمر أفراد الأفعال والتروك دون النقيض بشهادة كل من الأمر والنهي للآخر

( تنبيهات الأول ) كون الحنث كذبا كما هو مقتضى ما تقرر في هذا الوجه الأخير ليس فيه تقوية لما ذهب إليه الحنفية من أن الحنث محرم وأن الكفارة وجبت ساترة لذنب تحريم المخالفة بسبب أن الحنث وإن كان كاذبا أنه ليس بكذب شرعي من جهة الإثم والنهي الشرعي حتى يقال إنه محرم بالإجماع فيتجه به مذهبهم بل إنما هو كذب من جهة مسمى الكذب لغة وذلك أن الخبر المحلوف عليه في اليمين خبر وعد وخبر الوعد لا يأثم حالفه وإلا لوجب الوفاء بكل وعد وليس قوله عليه الصلاة والسلام { عدة المؤمن دين } يريد مثل الدين ولذلك قيد الحكم بوصف الإيمان الحاث على مكارم الأخلاف ولو كان الوفاء بالوعد مطلقا واجبا لقال عليه الصلاة والسلام الوعد دين من غير تفصيل ويدل على أن مخالفة هذه الإخبارات في الوعد والحلف ليست بكذب محرم قوله عليه الصلاة والسلام { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر } فلو كان ذلك الخبر يجب الوفاء به لما جاز تركه لمجرد الخيرية التي يكفي فيها مطلق المصلحة بل كانت مخالفة تتوقف على مصلحة عظيمة تساوي مفسدة التحريم كفوات أمر واجب عظيم فإن المحرم لا يعارض إلا بالواجب ولا يعارض بمطلق الخيرية التي هي تصدق بأدنى مراتب الندب فليس الحنث حينئذ بمحرم ويؤكده أنه عليه الصلاة والسلام { حلف لأولئك النفر لا يحملهم ثم حملهم بعد ذلك فقيل له يا رسول الله إنك حلفت فقال والله لا أحلف على يمين [ ص: 105 ] فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت وأتيت الذي هو خير } فلو كان هذا كذبا محرما لما أقدم عليه الصلاة والسلام عليه فإن منصبه عليه الصلاة والسلام يأبى ذلك إباء شديدا فيقطع الفقيه حينئذ بأن هذه المخالفة في الأيمان ليست كذبا محرما بل يتناوله اللفظ الموضوع للكذب ولا يكون محرما كما أن الكذب الذي يقع من غير قصد كمن أخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه معتقدا ما أخبر به والأمر بخلافه ليس بمحرم وإن صدق عليه أنه كذب لغة خلافا للمعتزلة في اشتراطهم القصد في حقيقة الكذب ويدل على صحة مذهب أهل السنة قوله عليه الصلاة والسلام كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع فجعله عليه السلام كذبا مع أنه يعتقد صدق ما سمعه وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام { من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار } يدل على أن الكذب قد يقع على غير وجه العمد فظهر أن الكذب يكون لا مع الإثم وأن مخالفة الأيمان من هذا القبيل

( التنبيه الثاني ) اختلف العلماء فيما إذا خالف مقتضى اليمين حالة النسيان أو حالة الجهل أو حالة الإكراه فمذهب مالك اعتبار الحنث حالة النسيان والجهل دون الإكراه ومذهب الشافعي وأحمد عدم اعتبار الحنث في الأحوال الثلاثة ومذهب أبي حنيفة اعتبار الحنث في الأحوال الثلاثة فوافقنا الشافعي وأحمد بن حنبل على الإكراه وخالفانا في النسيان والجهل وأبو حنيفة بعكس ذلك ، وتلخيص مدرك الخلاف في هذه الحالات أن مقتضى اللغة حصول الحنث في هذه الأحوال الثلاثة لحصول مسمى المخالفة بمقتضى ما أخبر عن نفسه في الاستقبال لكن لما كانت اليمين إنما يقصد بها الناس حثهم على الإقدام أو الإحجام والحث إنما يقع في الأفعال الاختيارية فإن الإنسان إنما يحث نفسه على ما هو من اختياره وصنعه .

وأما المعجوز عنه فلا يليق بالعاقل حث نفسه على الصعود إلى السماء ولا على أن يعمل لنفسه يدا زائدة أو عينا زائدة ولا يحث نفسه على أن يكون آدميا أو منتصب القامة لأن الأول متعذر عليه والثاني واقع بغير صنعه وإنما يحث نفسه على ما هو من صنعه كالصلاة والصوم حينئذ فتخرج حالة الإكراه على الحنث لأن الداعية حالة الإكراه ليست للفاعل على الحقيقة بل نشأت عن أسباب الإكراه فهي من غير صنعة في المعنى فلا جرم لم تندرج هذه الحالة في اليمين وأما الجهل والنسيان فالإنسان في الجهل يفعل المحلوف عليه جاهلا بأنه المحلوف عليه كمن يحلف أن لا يلبس ثوبا فيلتبس ذلك الثوب عليه بغيره فيلبسه [ ص: 106 ]

وهو ذاكر لليمين جاهل بعين المحلوف عليه وفي النسيان على العكس من الجهل يفعل المحلوف عليه عالما بحقيقته ناسيا لليمين وفي الإكراه قد يكون ذاكرا لهما فهذا هو الفرق بين الحقائق الثلاث فالشافعي يقول إن الحنث المقصود من اليمين إنما يكون مع ذكر اليمين والمعرفة بعين المحلوف عليه بأن يقصد الحالف باليمين ترك المحلوف عليه لأجل اليمين وهذا لا يتصور إلا مع القصد إلى اليمين المحلوف عليه والمعرفة بهما فلما جهل اليمين في صورة النسيان والمحلوف عليه في صورة الجهل خرج هاتان الحالتان عما يقصده الناس بالإيمان وهو الترك لأجل اليمين لهذه القاعدة وإذا خرجا عن ذلك خرجا عن اليمين والخارج عن اليمين لا يقع فيه حنث وحالة الإكراه قد خرجت بقوله عليه الصلاة والسلام { لا طلاق في إغلاق } أي في إكراه فيقاس على الطلاق غيره فلا يلزم فخرجت الأحوال الثلاثة : الإكراه والنسيان والجهل عند الشافعي فإذا خالف الحالف اليمين في حالة من هذه الحالات لا يلزمه بذلك كفارة بل لا بد في لزومها من المخالفة مرة أخرى في حالة الاختيار واستحضار اليمين والعلم بالمحلوف عليه .

فاشترط الشافعي التكرر في الأحوال الثلاثة ومالك يقول الحلف وقع على الفعل المختار المكتسب ومقتضي ذلك أن يخرج الإكراه وحده .

ويبقى النسيان والجهل لأن الناسي لليمين مختار للفعل غير أنه نسي اليمين والجاهل مختار للفعل غير أنه جهل أن هذا غير المحلوف عليه وإذا وجد الاختيار والفعل المكتسب فقد وجد ما حلف عليه ووجدت حقيقة المخالفة فتلزم الكفارة فإذا وقع الفعل في حالة النسيان أو حالة الجهل انحلت اليمين ولزمت الكفارة ولا يشترط التكرر مرة أخرى ورأى أبو حنيفة أن الإكراه على الحنث لا يؤثر فيحنث المكره كما يحنث الناسي والجاهل قال الأصل والظاهر من جهة النظر قول الشافعي وهو أحد الأقوال عندنا بسبب أن الباعث للحالف على الحلف إنما هو أن تكون اليمين حاثة له على الترك وإلا كان يكفيه العزم على عدم الفعل من غير يمين وكان يستريح من لزوم الكفارة وإنما أقدم على اليمين ليكون استحضارها في نفسه مانعا من الإقدام والإحجام فإذا نسيها لم يقصد بهذه الحالة حالة الحلف التي هي حالة حضورها في نفسه حتى تمنعه من الإقدام أو الإحجام وكذلك العلم بعين المحلوف عليه شرط في الحنث به فإذا جهله استحال مع الجهل الحنث على ما لم يعلمه فهاتان الحالتان يعلم خروجهما عن اليمين بقصد الحالفين فلا يلتزم فيهما حنث ويشترط التكرر .

وأما [ ص: 107 ] الإكراه على اليمين فلقوله عليه السلام { لا طلاق في إغلاق } أي في إكراه فيقاس على الطلاق غيره فلا يلزم أ هـ وسلمه ابن الشاط

( التنبيه الثالث ) إذا قلنا بأن الإكراه على الحنث يمنع من لزوم موجب اليمين فأكره على أول مرة من الفعل ثم فعله مختارا حنث .

قاله ابن أبي زيد وهو مقتضى الفقه بسبب أن الإكراه لم يندرج في اليمين فالمرة الأولى من الفعل لكونها حصلت بالإكراه لا عبرة بها فلا تحصل بها مخالفة اليمين وما وقع بعدها من الفعل بالاختيار هو أول مرة صدرت مخالفة لليمين فهي المعتبرة دون ما قبلها فلم تتكرر المخالفة فتأمل ذلك وتقع هذه المسألة في الفتاوى كثيرا ويقع الغلط فيها للمفتين يقول السائل حلفت بالطلاق لا أخدم الأمير الفلاني في إقطاعه وقد أكرهت بالضرب الشديد على خدمته فيقول له المفتي لا حنث عليك مع أن ذلك الحالف مستمر على الخدمة مع زوال سبب الإكراه وإمكان الهروب منه والتغيب عن ذلك الأمير مع أنه يحنث بسبب أنه قد أتى عليه زمن يمكنه التغيب عن خدمة ذلك الأمير ولم يتغيب فقد خدمه مختارا فيحنث ومثل هذه المسألة إذا حلف بالطلاق لا يكلم زيدا فخالع امرأته وكلمه لم يلزمه بهذا الكلام فلو رد امرأته وكلمه حنث عند مالك رحمه الله بسبب أنه إنما قصد الحلف بالطلاق أن يحثه الطلاق على عدم كلامه بسبب أنه يلزمه الطلاق حينئذ فما حلف إلا على نفي كلام يلزمه به الطلاق والكلام حالة الخلع لم يلزمه بالطلاق لعدم قبول المحل له فلا يكون من الكلام المحلوف عليه وأول كلام يقع بعد رد امرأته هو أول مخالفة اليمين فيه فيلزم الطلاق به لا بما قبله لما قلناه في الإكراه حرفا بحرف فتأمل ذلك وبالجملة فهذه الصور الثلاث المتقدمة يحصل فيها التكرر في صورة المخالفة مطلقا لا في المخالفة المعتبرة بسبب ما تقدم تقريره والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث