الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب هل يجب على القاذف الاعتراف بما فعل إذا سأله المقذوف أم لا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : هل يجب على القاذف الاعتراف بما فعل إذا سأله المقذوف أم لا ؟

قال : وهذا باب نافع جدا .

فعلى هذا لو سأل المقذوف والمسبوب لقاذفه هل فعل ذلك أم لا ؟ لم يجب عليه الاعتراف على الصحيح من الروايتين ، إذ توبته صحت في حق الله تعالى بالندم ، وفي حق الإنسان بالإحسان إليه بالاستغفار ونحوه . وهل يجوز الاعتراف أو يستحب أو يكره ، الأشبه أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فقد يكون الاعتراف أصفى للقلوب كما يجري بين الأوداء من ذوي الأخلاق الكريمة ، ولما في ذلك من صدق المتكلم . وقد يكون فيه مفسدة العدوان على الناس أو ركوب كبيرة فلا يجوز الاعتراف حينئذ .

قال وإذا لم يجب عليه الإقرار فليس له أن يكذب بالجحود الصريح ، لأن الكذب الصريح محرم والمباح لإصلاح ذات البين هل هو التعريض أو التصريح ، فيه خلاف وتقدم ، فمن جوز التصريح هناك فهل يجوزه هنا ، فيه نظر ، ولكن يعرض ، فإن في المعاريض مندوحة عن الكذب ، فإذا استحلف على ذلك جاز له أن يحلف ويعرض ; لأنه مظلوم بالاستحلاف ، فإنه إذا تاب وصحت توبته لم يبق لذلك عليه حق فلا تجب اليمين عليه .

نعم مع عدم التوبة والإحسان إلى المظلوم يكون باقيا على عدوانه وظلمه ، فإذا أنكر بالتعريض كان كاذبا ، فإذا حلف كانت يمينه غموسا .

وقال شيخ الإسلام أيضا وقد سئلت عن نظر هذه المسألة وهو رجل تعرض لامرأة غيره فزنى بها ثم تاب من ذلك ، وسأله زوجها عن ذلك [ ص: 580 ] فأنكر فطلب استحلافه ، فإن حلف على نفي الفعل كانت يمينه غموسا ، وإن لم يحلف قويت التهمة ، وإن أقر جرى عليه وعليها من الشر أمر عظيم .

قال فأفتيته أنه يضم إلى التوبة فيما بينه وبين الله تعالى الإحسان إلى الزوج بالدعاء والاستغفار أو الصدقة عنه ونحو ذلك مما يكون ذابا إيذاءه له في أهله ، فإن الزنا بها تعلق به حق الله تعالى وحق زوجها من جنس حقه في عرضه ، وليس هو مما ينجبر بالمثل كالدماء والأموال بل هو من جنس القذف الذي جزاؤه من غير جنسه ، فتكون توبة هذا كتوبة القاذف وتعريضه كتعريضه ، وحلفه على التعريض كحلفه .

وأما لو ظلمه في دم أو مال فإنه لا بد من إيفاء الحق فإن له بدلا . وقد نص الإمام أحمد رضي الله عنه بالفرق بين توبة القاتل وتوبة القاذف . قال : وهذا الباب ونحوه فيه خلاص عظيم ، وتفريج كربات للنفوس من آثار المعاصي والمظالم ، فإن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله عز وجل ، ولا يجرئهم على معاصيه ، وجميع النفوس لا بد أن تذنب فتعريف النفوس ما يخلصها من الذنوب من التوبة والحسنات الماحيات كالكفارات والعقوبات هو من أعظم فوائد الشريعة . انتهى .

وقد نص الإمام ابن عقيل على أن الزنا حق للآدمي ، وأنه يملك الإحلال منه بعد وقوع المظلمة لا إباحتها ابتداء كالدم والقذف .

والدليل على أنه حق آدمي أنه يلاعن زوجته ويفسخ نكاحها لأجل التهمة به وغلبة ذلك على ظنه . وإنما يتحالف في حقوق الآدميين . انتهى .

قال ابن مفلح : ولأن الزوج يمنع من وطئها زمن العدة . وبهذا تعلم أن المراد بقولهم أن الحد كفارة أي في حق الله عز وجل ، وأما حق الآدمي فالكلام فيه كغيره من حقوق الآدميين ، ولهذا لو اقتص من القاتل لم يسقط حق الله عز وجل فيه ، مع أنه مبني على المسامحة ، فأولى أن لا يسقط حق الآدمي هنا . ولا يلزم أن يختص بعقوبة في الدنيا سوى الحد الذي هو حق الله عز وجل في القصاص وقذف الآدمي بزنا أو غيره بشيء كما في الآداب والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث