الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر ملك لهراسب وابنه بشتاسب وظهور زرادشت

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 225 ] ذكر ملك لهراسب وابنه بشتاسب وظهور زرادشت

قد ذكرنا أن كيخسرو لما حضرته الوفاة عهد إلى ابن عمه لهراسب بن كيوخى بن كيكاووس ، فهو ابن كيكاووس ، فلما ملك اتخذ سريرا من ذهب وكلله بأنواع الجواهر وبنيت له بأرض خراسان مدينة بلخ وسماها الحسناء ، ودون الدواوين ، وقوى ملكه بانتخابه الجنود ، وعمر الأرض ، وجبى الخراج لأرزاق الجند .

واشتدت شوكة الترك في زمانه فنزل مدينة بلخ لقتالهم ، وكان محمودا عند أهل مملكته شديد القمع لأعدائه المجاورين له ، شديد التفقد لأصحابه ، بعيد الهمة ، عظيم البنيان ، وشق عدة أنهار ، وعمر البلاد وحمل إليه ملوك الهند ، والروم ، والمغرب الخراج ، وكاتبوه بالتمليك هيبة له وحذرا منه .

ثم إنه تنسك ، وفارق الملك ، واشتغل بالعبادة ، واستخلف ابنه بشتاسب في الملك ، وكان ملكه مائة وعشرين سنة ، وملك بعده ابنه بشتاسب ، وفي أيامه ظهر زرادشت بن سقيمان الذي ادعى [ ص: 226 ] النبوة وتبعه المجوس .

وكان زرادشت فيما يزعم أهل الكتاب من أهل فلسطين يخدم لبعض تلامذة إرميا النبي خاصا به ، فخانه وكذب عليه ، فدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد أذربيجان وشرع بها دين المجوس .

وقيل : إنه من العجم . وصنف كتابا وطاف به الأرض ، فما عرف أحد معناه ، وزعم أنها لغة سماوية خوطب بها ، وسماه : أشتا ، فسار من أذربيجان إلى فارس ، فلم يعرفوا ما فيه ولم يقبلوه ، فسار إلى الهند وعرضه على ملوكها ، ثم أتى الصين والترك فلم يقبله أحد وأخرجوه من بلادهم ، وقصد فرغانة ، فأراد ملكها أن يقتله فهرب منها وقصد بشتاسب بن لهراسب ، فأمر بحبسه ، فحبس مدة .

وشرح زرادشت كتابه وسماه : زند ، ومعناه : التفسير ، ثم شرح الزند بكتاب سماه : بازند ، يعني : تفسير التفسير . وفيه علوم مختلفة كالرياضيات ، وأحكام النجوم ، والطب ، وغير ذلك من أخبار القرون الماضية وكتب الأنبياء . وفي كتابه : تمسكوا بما جئتكم به إلى أن يجيئكم صاحب الجمل الأحمر ، يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - وذلك على ألف سنة وستمائة سنة . وبسبب ذلك وقعت البغضاء بين المجوس والعرب . ثم يذكر عند أخبار سابور ذي الأكتاف أن من جملة الأسباب الموجبة لغزوه العرب هذا القول ، والله أعلم .

ثم إن بشتاسب أحضر زرادشت ، وهو ببلخ ، فلما قدم عليه شرع له دينه ، فأعجبه واتبعه وقهر الناس على اتباعه ، وقتل منهم خلقا كثيرا حتى قبلوه ودانوا به .

[ ص: 227 ] وأما المجوس فيزعمون أن أصله من أذربيجان ، وأنه نزل على الملك من سقف إيوانه ، وبيده كبة من نار يلعب بها ولا تحرقه ، وكل من أخذها من يده لم تحرقه ، وأنه اتبعه الملك ، ودان بدينه ، وبنى بيوت النيران في البلاد ، وأشعل من تلك النار في بيوت النيران ، فيزعمون أن النيران التي في بيوت عباداتهم من تلك إلى الآن .

وكذبوا فإن النار التي للمجوس طفئت في جميع البيوت لما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - على ما نذكره إن شاء الله تعالى .

وكان ظهور زرادشت بعد مضي ثلاثين سنة من ملك بشتاسب ، وأتاه بكتاب زعم أنه وحي من الله تعالى ، وكتب في جلد اثني عشر ألف بقرة حفرا ونقشا بالذهب ، فجعلهبشتاسب في موضع بإصطخر ومنع من تعليمه العامة .

وكان بشتاسب وآباؤه قبله يدينون بدين الصابئة . وسيرد باقي أخباره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث